النثر الفني

(مرثية) ثامر سعيد

رجل يجلس على أريكة في غرفة ذات جدران خضراء، يرتدي بدلة رمادية وقميص مخطط باللون الأحمر، يبدو متأملاً.

الأثر الذى مشى دون ظل

لم أركَ تموتُ …

لكنّ شيئاً ما قد انكسرَ في الهواء

كأنكَ انسحبتَ من المعنى

وتركتَ اللغةَ تتعثرُ في ظلِّكَ.

لم أركَ تموتُ …

لكنَّ الظلَّ مالَ فجأةً

والسماءَ ارتبكتْ،

كما لو أنّها نسيتْ نجمةً في الزّحام.

لم أركَ تموتُ …

رأيتُ فقط الكرسيَّ فارغاً

يجلسُ على غيابِكَ دون أن يشتكي

والقميصَ معلقاً على الشّماعةِ

كما لو أنكَ خرجتَ لتعود.

سجائركُ في مكانِها المعتاد على الطاولة

قدحكَ إلى الآن ساخناً

والذي دخلَ بلا أقدام، بدمٍ تحت أظفارهِ

لم يشارككَ به

ولم يحدثُكَ عن الصمتِ الذي يجعل الصوتَ ممكناً

ثم ينزعُ الوجوه عن أصحابِها

ولا يسألُ عن أحلامِهم.

لم يكن موتُكَ صاخباً ..

كان يشبه انسحابَ عطرٍ من الهواء

أو حادثاً عديمَ الذوقِ

أتى وغادرَ بمنتهى السّماجةِ،

خفيفاً لدرجةِ أنّ البابَ لم يصرّ

وواصلَ العالمُ مضغَ أيامهِ بسلاسة.

الغيابُ مجازٌ قديم، لكنّ ما حدثَ

أعمقُ من ذلك،

فقد سافرتَ بالدلالةِ دون أن تمرَّ بالكلمات.

غيابكَ ملأَ المكانَ مثلَ ضوءٍ مكسور

كأنكَ قلتَ للوجودِ:

دعني أمرُّ بلا ضجيج

فصرنا نرتبه كلّ صباح،

ثم نغلقُ الأبوابَ برفقٍ، وكأنكَ تنامُ خلفها.

لم يكن موتاً، كان اختفاءً أنيقاً،

كأنّ أحدهم مسحكَ من اللوحةِ

بلمسةٍ مبللة

فهل كنتَ تفصيلاً زائداً في الحكايةِ

فصححه الرحيل؟.

لم يكن موتاً ..

بل ثقباً في الحقيقةِ وقد ابتلع نفسه.

الذي ماتَ لم يكن أنتَ

بل المعنى وقد انفصلَ عن شكلهِ،

كنتَ حدّاً فاصلاً في الكلامِ

ولمّا عبرناكَ صمَتتَ

وباباً، فتحناكَ فدخلنا في أنفسِنا،

وكان عبورُكَ خفيفاً جداً

لكنه مشى في الغرفةِ كمحاربٍ قديمٍ،

يعرفُ طرقَهُ جيداً،

أطفأ كلَّ شيءٍ، ولم يلمسَ شيئاً

وهو يهمسُ لنفسه:

يا جلجامش، لا تركض خلفَ سراب

الأنهارُ لا تُرجع موتاها

والعشبُ الذي ذبلَ لا ينهض.

لم أركَ تموتُ …

وصوتُكَ لم يسقط من ذاكرةِ الهاتفِ

ولم يُطفأ وجهكَ في الصورِ

لم تختفِ …

كلّما في الأمرِ أنكَ

قد تحولتَ إلى سؤال !.

– بمناسبة أربعينية ابن شقيقي الراحل الشاب قتادة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading