النثر الفني

(مدونّة الرمل) ✍️عارف الساعدي

رجل يتحدث إلى ميكروفون، يبدو عميق التفكير، يرتدي بدلة داكنة وقميص مخطط.

دافئاً كان وادي السلامْ

واسعاً كان قبر الفتى أوّل الأمر

والمخدّةُ رملٌ قديمٌ

ولكنَّه ناعمٌ رملُ وادي السلامْ

وكأنَّ الفتى نائمٌ فوق ريش النعامْ

أنزلوه ببطءٍ لكي لايفزَّ من النوم

وشوشوا للرمال السخيّةِ ألَّا تعضَّ ملامحَه

وأهالوا على وجهه زمناً قاتماً

ودسّوا بأكفانه كيس أسئلةٍ لاتنامْ

هاهم الآن

ينفضون الرمال التي علقت بأصابعهم

ويرشّون ماءً من الورد

يشعلون البخورْ

ويعودون نحو منازلهم خائفين من الموت

ثم ينسون صاحبهم

غافياً بين تلك القبورْ

…………………….

ها أنا الآن وحدي

أصدقائي القريبون مني اختفوا

وصغاري الذين تعبتُ كثيراً عليهم

ينامون في أوِّل اللّيل

والمدينة تغفو

وتغفو شوارعُها الوادعه

وأنا بعدُ لم أتعودْ

على النوم في الساعة التاسعه

تُرى أين أذهب يارب

وأنا اعتدتُ أنْ أسهرَ الليل

أتنقل بين المقاهي

وأضحك في صخبٍ حافي القلب

حين ألمُّ المدينة في الأصدقاء

لا أحب الهدوء

أحب النكات

وأعشق كالكحل كلَّ النساء

وقليلاً من الشاي بعد العشاءْ

أنام على صدر أمّي

وأضحكُ حين تقولُ

كبرتَ

أقولُ لها

إنَّ طفلاً تسلّل في داخلي

وآختفى

كبر الناس من حولنا

غير أنّي بقيتُ

أفتّش عن ذلك الطفل

وبقيتُ

بقيتُ

بقيتْ

كبر الناسُ في لحظةٍ

وأنا

مثل كلِّ الصغارِ

نسيتْ

أين أذهب يارب

توقّعت إنّي سأسكن بيتاً كبيراً

ولكنَّ بيتي الجديدَ

بدا يصغر الآن

أسمع وقع المطرْ

وأسمع أقدام من رحلوا

خائفين من الليل

في المقبرة

الحياة الطويلة مرّت سريعاً

كبيتٍ من الشعر

في امرأةٍ لا تُحبْ

وتذكرت أنَّي قرأتُ

لدرويش يوماً جداريةً

يتحدّثُ عن موتهِ

وتذكرتُ أيضاً وقلتُ

أهذا الذي كان درويش يحكي عليه

أهذا هو الموت يارب

مرَّ مفاجأةً

ولم أتهيأْ لرحلتهِ المتعبة

وتذكرتُ إنَّي وحيدٌ

فخفتُ

وأبصرتُ في لحظةٍ كلَّ شئٍ

وبلّلني الموتُ

حتى انتبهتُ

وحتّى رأيتُ ملاكين

في آخر الليل

يحفران الترابْ

دخلا فجأةً دون أنْ يطرقا أيَّ بابْ

فسألتُهما

من تُرى أنتما؟

ضحكا من سؤالي كثيراً

وفي لحظةٍ

سكتا

فآرتبكتُ

وحاولتُ أسألُ ثانيةً

غير إني بحثتُ عن الكلماتْ

في جميع اللغاتْ

لم أجدْ أيَّ حرفٍ يبللُّ وجهَ السؤالْ

وكأنّي ولدتُ بلا لغةٍ

وبكيتُ بلا دمعةٍ

وجرّبتُ موتين في لحظة الإحتمالْ

سكتا فجأةً

ثم قالا

تعالْ

إلى أين أذهب يارب

وكنتُ أظنُّ بأنّي سأرتاح في سكني

تنقلتُ بين البيوت كثيراً

وكنتُ مللتُ التحوّلَ

ما بين دارٍ ودارْ

لهذا استرحتُ ببيتي الجديد

وقلتُ سأغفو طويلاً

ولن يكسرَ الصبيةُ العابثون

النوافذَ

أو يطرقوا البابَ كي يهربوا

أو يجرحوا وجهَ سدرتنا بالحجارْ

وتذكرتُ أنّي سمعتُ حديثَ عجوزٍ

تقول لنا

إنَّ من مات

أو من سيُدفنُ قرب علي

سيغفو طويلاً

لأنَّ البيوتَ

بجيرانها

ياصغار

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading