قراءة في لوحة { تُرابيّات } للفنان صلاح حديد ✍️د . وجدان الخشاب / العراق
خداع بصري

يشير الفيلسوف ديكارت إلى أنّ للإنسان قدرة عقلية فريدة لا يمكن تفسيرها آليًا ، فإذا أضفنا إلى هذه القدرة ما طرحته موسوعة ويكيبيديا وهي تُعرّف الفطرة بأنّها : مجموع الاستعدادات والميول والغرائز التي تولد مع الإنسان ، وعززنا ما سبق بما طرحه تشومسكي في قوله : للإنسان قدرة عقلية فريدة لا يمكن تفسيرها ، وتتمثل في الجانب الابداعي للعقل البشري ، كان الناتج شخصية صلاح حديد الفنية ، هذا الفنان الفطري الذي لم يعرف حياة التلمذة الفنية ، بل عرف لذة التعرُّف والتجريب والابداع ذاتيًا ، وهذا ما جعلني أقف أمام نتاجه الفني ، ومحاولة قراءة واحدة من لوحاته .
إنَّ المسح البصري الأولي لهذه اللوحة يكشف عن أرض صحراوية جرداء تقبع فيها صخرتان : الأُولى هي الأكبر كتلة وهي الأقرب إلى المتلقي ، والثانية هي الأصغر كتلة ، وتقبع يمين المتلقي وأبعد عن الأُولى ، فيما يقع شكل ثالث أقرب إلى الصخور المتجمعة في العمق الفراغي ، ولكن التدقيق البصري في مكونات هذه اللوحة سينكشف عن لعبة خداع بصري ، اعتمد فيها الفنان تداخلاً ما بين الجسد الإنساني والصخرة التي تبدو أقرب إلى رأس إنسان ، واتخذ الفنان من الجسد البشري أداة لإظهار بعض أجزاء هذا الرأس الصخري ، فجسد يشكّل العينين والأنف ، وجسد يشكِّل الفم ، وثالث يشكِّل الأُذن ، وأجساد ثلاثة تكمل المشهد حيث عمد الفنان إلى رسمها بوضعية تشير إلى أنَّها تدفع بالصخرة إلى أعلى المنحدر، أمّا الجسد السابع فيتموقع أمام الصخرة .
عمد الفنان إلى تكرار المشهد في الصخرة الثانية حيث رسم جسدين انسانيين يمنحان الصخرة ملامح إنسانية من خلال تكوينهما لمنطقة العينين والخدين ، فيما منح للجسد الثالث وظيفة تشكيل الأُذن ، هنا يمكننا أن نتوقف لنتساءل : لماذا عمد الفنان إلى هذا التداخل من خلال الخداع أو الوهم البصري ؟
للإجابة عن هذا التساؤل لا بُدَّ لنا من وقفة سريعة لعرض مسألة الخداع البصري { الوهم البصري } في الفن ، حيث تشير الأساطير اليونانية القديمة إلى أنَّ اثنين من أشهر الرسامين المعروفين آنذاك تنافسا في مسابقة فنية ، كان هدفها تبيان قدرة كل منهما على انتاج لوحة تحاكي الطبيعة ، وذلك من خلال ايجاد جو من الخداع البصري الذي يوهم المتلقي ؛ ليقف حائرًا في تلقيه لهذه اللوحة ومتسائلاً : هل هو أمام لوحة مرسومة أم هو أمام مشهد حقيقي ملموس ؟
بدأ الرسام الأول { زوزيس } برسم عنقود عنب ، وبلغت قدرته على محاكاة الطبيعة أنّ الطيور هبطت { كما تروي الأُسطورة } على اللوحة لالتقاط بعض حبات العنب ، وبالمقابل أحضر الرسام الثاني { هايزيوس } لوحة مغطاة بقطعة قماش ، وعندما مدَّ يده زوزيس ليميط اللثام عن لوحة منافسه ، أدرك أنَّه خسر المنافسة فعلاً ؛ لأنَّ ما حسبه قماشًا لم يكن إلاّ رسم هايزيوس .
وفي عصر النهضة { ق 14 وما بعده } عادت فكرة خداع البصر إلى الظهور بشكل واضح في ايطاليا وبقية دول أوربا ، فافترشت لوحاته سقوف وجدران الكنائس والقصور على السواء ، وشاعت فكرة رسم منظر نافذة تطل على مشهد، بحيث تبدو للمتلقي في لحظات تلقيه الأُولى أنّها حقيقية ، ولا يكتشف أنَّها خدعة بصرية إلاّ عندما يقترب منها ويدقق النظر فيها ، وهنا نلاحظ أنَّ فكرة الخداع ليست فكرة جمالية فقط ، وإنّما كان الهدف منها هو منح الأماكن الضيقة وسعًا ، ومنح السقوف ارتفاعًا لا تملكه في الواقع العياني ، وتخصيصًا سقوف الكنائس .
تشير القراءة التأريخية لرحلة الفن التشكيلي إلى أنَّ الخداع البصري لم يختف ، بل كان يعاود الظهور بين فترة وأُخرى ، ولعل الفنان الهولندي فان جوخ كان الأشهر في رسمه لوحات الخداع البصري التي اعتمدت على طروحات المدرسة الانطباعية ، ففي احدى لوحاته يكشف المسح البصري الأولي للوحة منظرًا طبيعيًا وقبة يجلس عليها شخص ، وفي العمق الفراغي يجد المتلقي كوخين ، لكنّه حين يدقق النظر يكتشف وجود عينين ، أمّا الأُذن فهي قبعة تتموقع على رأس فتاة تسير ، وفي لوحة أُخرى يبدو للمتلقي طير وأوراق شجر ، ولكن التدقيق البصري يكشف عن خداع بصري فهي ليست أوراق شجر بل عصفور آخر .
وتشير الدراسات التي تناولت الخداع البصري إلى أنَّ الكثير من الفنانين اعتمدوه في لوحاتهم مثل : جوزيف ألبرز ، بيتر سيدجلي ، بريجيت رايلي ، اوكتافيو اوكامبو.
هنا لا بُدَّ لنا أن نتوقف لنؤشر نقطة محورية في الخداع البصري ، فنتساءل : هل كان للطبيعة دور الملهم للفنانين الذين اعتمدوه ؟
والاجابة ستكون : نعم ، فمثلا جلود الحيوانات مثل الحمار الوحشي والنمر يمثلان أُنموذجًا للخداع البصري ، وكذلك الكثير من الصور التي ترسمها المناظر الطبيعية التي يكتشفها المتأمل فيها ليرى أنَّها يمكن أن تمثِّل شيئاً آخر ، وفي حادثة شخصية مرّت بي يوماً ما ونبهتني ، حيث كنتُ أسير في أرض متروكة اختصارًا للمكان ، وتخلصًا من ازدحام الشارع ، وكان فيها الكثير من الكتل الطينية والأعشاب ، وحينما حاولت أن أقفز عبر بركة ماء الى ما ظننته كتلة طينية ، تبين لي أنَّه كلب نائم ، لم أتبينه لأنّ لونه كان بلون الأرض التي يرقد عليها ، أليس هذا خداعًا بصريًا؟
نعود إلى مسيرة الفن والخداع البصري ، لنجد أنّ مدرسة الباو هاوس الألمانية كان لها التأثير الكبير في تطوير هذا الاتجاه ؛ لأنَّ فنانيها أجروا الكثير من البحوث البصرية التي تختص بكيفية تلقي العين والمخ للظاهرة البصرية ، وظهرت آثار هذه المدرسة في الفن والعمارة والتصميم والطباعة ؛ لأنَّها اعتمدت معطيات الهندسة والرياضيات .
إنّ الخداع البصري بوصفه موضوعًا للفن ، لم يكتسب تسميته هذه إلاّ حين أطلق أحد الصحفيين الأمريكيين عليه تسمية { أُوب آرت } أي الفن البصري خلال معرض أقامه بعض الفنانين تحت عنوان { العيون المستجيبة } ، فبدأ النقاد ينتبهون إلى هذا النوع من الفن ، كما اتجه بعض الفنانين إلى استثمار معطياته في لوحاتهم من خلال تعاملهم مع اللون أو الشكل أو الكتل وعرضها بطريقة تخادع بصر المتلقي ، وتجعله في حيرة وارباك إزاء ما يتلقاه ، فيُدفع باتجاه تشغيل ذاكرته بعمليات عقلية متعددة مثل : تفكيك الأجزاء واعادة تركيبها ، وبناء التصورات ، وتذكُّر المشاهد الواقعية سواء أكانت مقاربة لما يتلقاه أم مغايرة ، حيث تشتغل هذه العمليات باتجاه محاولة الوصول إلى ما تقدمه اللوحة لمتلقيها ، ولعل من أشهر الفنانين الذين اعتمدوا هذا الخداع هو اوكتافيو اوكامبو وكذلك فارازيلي الذي بدأ رحلته مع خداع البصر بلوحة { الحمار المخطط } في ثلاثينيات ( ق 20 ).
لازمَ الفن بوصفه مُكوِّنًا حياتيًا الإنسان منذ أن اتخذ من قطعة الفحم فرشاة ، يرسم بها على جدران الكهوف التي عاش فيها أشكالاً تجريدية إنسانية وحيوانية ، أدّت وظيفتها التمجيدية في كشف القدرة على أداء فعل النصر من خلال اصطياد الحيوان وقتله ، هذا الحيوان الذي منحه الإنسان وجودًا مُسيطَرًا عليه ، فرسمه بشكل تجريدي ناقلاً صورته الحيوية الطليقة في واقعه العياني إلى شكل تجريدي محبوس على جدران الكهف ، والإنسان البدائي بهذا يكون قد اتخذ من الطبيعة مصدرًا وأداة للسيطرة على الحيوان ، الذي سيتحول من خلال عمليتي الصيد والقتل إلى مصدر من مصادر استمرارية الوجود الإنساني ، إلاّ أنَّ هذا التجريد البدائي الفطري عاد إلى الظهور مرة ثانية ؛ ليؤدي وظيفته في اعادة انتاج صور ومشاهد ومُكوِّنات الواقع العياني ناقلاً إياها إلى واقع آخر متجرد من التفصيلات ، معتمدًا رؤى ووجهات نظر وتنظيرات ستعمل باتجاه تقعيد هذا المذهب بعد أن كان فطريًا ، من هنا بدأت النظريات التي أشارت إلى أنَّ التجريد هو : اتجاه فني يهدف إلى التعبير عن الشكل النقي المجرد عن التفاصيل ، من خلال الافادة من معطيات الأشكال الهندسية { المستطيل ، المربع ، المثلث ، الدائرة } وتحويرات هذه الأشكال وتداخلاتها ، باعتماد الخطوط والألوان لتكون بديلاً عن الأشكال التقليدية المنقولة من الواقع .
والخداع البصري من الموضوعات التي تستهويني كثيرًا ، وسأُفرد له بحثًا خاصًا في قابل الأيام إن شاء الله لي ذلك ؛ لأنّه أصبح فنًا مُقعّدًا يعتمد أنواعًا منها ما يتعلق بالألوان ، ومنها ما يتعلق بالهندسة ، ومنها ما يتعلق بتحريك الصور ، ومنها ما يتعلق بالأحجام والقياسات { الانامورفسيس } .
نعود إذًا إلى لوحة الفنان صلاح ؛ لنجري مسحًا بصريًا ثانيًا يحاول استكشاف ما طرحه لمتلقيه في هذه اللوحة ، التي تعتمد واقعًا مُحرّفًا عن حقيقته من جهة ، وواقعًا أصيلاً حقيقيًا من جهة ثانية ، فالتحريف واقع في فكرة رسم الإنسان عاريًا تمامًا أثناء أداء عمل صعب للغاية وهو دفع الصخرة ، إلاّ أنَّ هذا العري كان يمتلك مقصديته ؛ لأنَّه يشكّل اشارة للمتلقي بأنّ انسان هذه اللوحة هو أي انسان بغضِّ النظر عن مكان وزمان وجوده ، فهو زمان منفتح ، وقد يمتدُّ إلى ما لا نهاية ، ومكان لا يتقيد بشرط الوجود الفعلي ، والأزياء – كما هو معروف – لها خاصية كشف وتحديد كل من زمان ومكان الشخصية التي ترتديها ، ولهذا أبدع الفنان حين دفع بهذه الخاصية بعيدًا عن عالم اللوحة ، ومما يؤكد وعي الفنان بهذه المسألة هو تعمده اخفاء ملامح الوجوه من خلال عرض هذه الشخصيات إمّا منكسة الرأس ، أو جعلها تدير ظهرها للمتلقي ؛ لكي يؤشر انغمار هذه الشخصيات بالفعل الذي تؤديه أولاً ، وملامح الوجه مثل الأزياء لها خاصية الكشف عن شخصية حاملها وتحديد انتمائه ثانيًا ، إذًا هذه الشخصيات تلتقي في فقدانها هويتها التشخيصية ؛ لأنَّها مطلقة زمانًا ومكانًا .
هنا لا بُدَّ لنا من محاولة البحث عن دلالات هذه اللوحة ؛ لأنّها تحيلنا إلى أُسطورة اغريقية قديمة ومعروفة هي أُسطورة سيزيف ، التي سنعرضها بشكل مختزل ثم نحاول ربطها بدلالات اللوحة .
وسيزيف – كما تشير الأُسطورة – ابن الملك ايولوس ملك منطقتي تيساليا وايناريت ، وكان أكثر الأشخاص مكرًا ودهاءً ، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثانتوس ويكبِّله بالسلاسل ، فغضب عليه كبير الآلهة زيوس ، وكان نتاج هذا الغضب أن فرض عليه عقوبة صارمة بأن يدفع صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه ، فإذا وصل بها إلى القمة جعلها زيوس تتدحرج ثانية إلى الوادي ، فيعود من جديد إلى دفعها ، فأصبح سيزيف رمزًا للعذاب الإنساني الأبدي المحكوم باللا توقف .
وفي هذه اللوحة تنبني أُسطورة سيزيف بناءً جديدًا ، يحاول الفنان مغايرتها من خلال تكرارية الشخصيات ؛ لكي يُخرِج الأُسطورة من واحديتها { سيزيف } إلى انسانية متكررة { 10 } شخصيات ، ولهذه التكرارية دلالاتها التي سنتوقف عندها لاحقًا.
لنقف أولاً مع تكوين هذه اللوحة حيث تتشكل الأرضية من مجموعة أشكال تكوينية ، الأول منها هو المنحدر الذي يتخذ موقعته في الزاوية اليسرى من اللوحة ، والثاني هو الأرض ، أمّا الشكل الثالث فهو الصخرة الكبيرة ، والشكل الرابع هو الصخرة الأصغر حجمًا والأبعد موقعًا مع امتداداتها ، فيما تتموقع في البعد الثالث مجموعة صخرية متلاصقة ، وتبدو أقرب إلى التشبيح منها إلى الوضوح ؛ بسبب البعد الهوائي لتشكّل الشكل الخامس ، وتشغل العاصفة الدائرية الزاوية العليا اليمنى من اللوحة ممثلة الشكل السادس ، فضلا عن الأشكال التكوينية للأجساد الإنسانية ، ولكنَّ هذه الأجساد تتخذ وضعيات متغايرة ، فالشكل الإنساني الأول يقع في منطقة ظل الصخرة ، هذا الظل الذي يمثل أيضًا حافة المنحدر إلى الوادي ، ولهذا يظهر مُشبّحًا أكثر منه واضحًا ، فلا يكاد يبدو منه إلاّ الجزء العلوي الذي يتخذ البُني لونًا ؛ لكونه واقع في عتمتي الظل والقهر .
إنَّ تعمد الفنان صلاح رسمه بهذا الشكل إنّما هي محاولة في اظهار حركته التي تعمل على دفع الصخرة ، أمّا الشكل الإنساني الثاني فيتخذ وضعية مغايرة حيث يبدو أنّه يحاول دفع الصخرة بظهره ، وفي الوقت ذاته يشكّل { تكوينيًا } أُذن الصخرة ، فيما ظهر الشخص الثالث بوضعية تشير إلى أنّه يأخذ استراحة متشنجة ، وهو ينظر إلى الصخرة مستسلمًا لقوتها الصارمة إزاء قوته المفقودة ، ولهذا تعمّد الفنان رسمه من الخلف ، وموقعته بشكل يجعل جسده بمواجهة الصخرة .
وتبدو الشخصية الرابعة أكثر قوة ليس لوقوعها في منطقة الضوء فقط ؛ بل لأنَّ الفنان منحها بعض التفصيلات من خلال تحديده لمناطق الإضاءة ، وهذه الشخصيات الأربع تؤشر وضعيتها الحركية شيئا من الاستسلام إزاء الفعل والقوة المفروضة عليها قسريًا ، لكن الأكثر قسرية هو اختيار الفنان موضعة الشخصية الخامسة والانحناءة القاتلة لوجودها الإنساني ، وتحويلها عبر الخداع البصري إلى فم للصخرة ، وهذا أيضًا ما فعله مع الشخصية السادسة حين موضعها بشكل قسري أيضًا فوق الشخصية الخامسة لتشكّل – باعتماد الخداع البصري كذلك – أنفًا للصخرة ،
أمّا الشخصية السابعة فاختار الفنان موقعتها خارج هذا التشكيل ، إلاّ أنّها هي الأُخرى تواجه الصخرة أولاً ، وشبحية الملامح ثانيًا ، مما يمنحها وجودًا قسريًا رغم وقوعها في فراغ اللوحة .
يحمل التكرار صفته التأكيدية ، وكثيراً ما نجد هذا التكرار في اللوحات الفنية ، ومنها هذه اللوحة ، ففي تكوين الصخرة الثانية التي تتموقع في العمق الفراغي ، عمد الفنان إلى اشتغال منطقة الأُذن بجسد انساني يتشنج منحنيًا ، وقد أسند ظهره ويديه ورجليه إلى الصخرة مؤشرًا حالة العذاب التي يعانيها، أمّا الجسدان الآخران فيشكلان منطقة العينين والخدين ، حيث عمد الفنان إلى رسمهما بشكل منحنٍ وقسري الملامح ، والثلاثة عراة أيضًا .
إنَّ أنسنة الأشياء إنّما هي مخادعة أو محاولة لإيجاد وهم خيالي يخدع عين المتلقي وذاكرته ؛ ليدفعها إلى الاشتغال في منطقة أرادها الفنان وسيلة كشف عن واقعٍ مرّ يتوه الإنسان في تفاصيله بدون جدوى ، بل هو قلق وجودي يحرم الانسان من حقه في عيش حياة وادعة جميلة مبدعة ، فيسمُها بالعذاب الذي لا يعرف التوقف ، مما يصل بالإنسان إلى فقدان انسانيته ويحوله هو الآخر إلى صخرة جامدة قاسية الملامح .
وهنا لا بُدَّ لنا أن نتساءل : لماذا عمد الفنان صلاح إلى اخفاء الأقدام فأظهر الأجساد وكأنها مبتورة الساقين ؟
في الواقع العياني تكون الأقدام هي الجزء الإنساني المتصل بالأرض ، والذي يستند إليه كامل الجسد في حركته وسكونه ، ولكن الأجساد هنا بلا أقدام ، وهذا ما يمنح المتلقي فرصة التأويل الذي يؤشر أنَّ الأجساد فقدت مركز قوتها واستنادها المنتصب على الأرض .
وبالمقابل يمثل الرأس مركز الدماغ وهو الجزء المسيطر كليًا على الجسد والموجه له كذلك ، إلاّ أنّه هنا فاقد لهذه السيطرة مما حوّله إلى كتلة معتمة تنتمي إلى الجسد ولكنها لا تفعل فعلها فيه .
لو حاولنا قراءة التوزيع الكتلي في هذه اللوحة ، سنتوقف عند الصخرة الكبيرة الممثلة برأس إنسان ؛ لأنّها الأقرب إلى المتلقي أولا ، فهي الأكثر تفاصيلا ثانيًا ، وهي النقطة الذهبية لهذه اللوحة ثالثًا ، ولهذا اتخذت موقعتها في الجزء الأوسط تقريبًا ، وهذا ما سيشدُّ بصر المتلقي إليها أثناء مسحه البصري للوحة ، ولكنها لا تقع في فراغ كامل بل ترتبط بها الأشكال الإنسانية والمنحدر والجسد الانساني المواجه لها ؛ ولهذا يمكننا أن نُعدَّ الفراغ المحيط بها ناقصًا ، ويمنحها ثقلا كتليًا واضحًا وايجابية منقوصة ، وهي في هذا تتساوى مع الفراغ الذي يمكن أن نُعدّه ناقصًا هو الآخر ، ومؤشِّرًا على وعي الفنان بما وضعه من دلالات تحيل المتلقي إلى استلام اشاراته بأنَّ لا شيء يسير بشكل طبيعي ومسالم ، بل أنّ الصراع هو المتحكم دلاليًا في هذه اللوحة ؛ ولهذا اختار شكلا دائريًا يحيل إلى العاصفة وموضَعَه في الزاوية العليا اليمنى من اللوحة ، والعاصفة بشكلها الدائري إنّما تمثّل تضادًا مع الخطوط العمودية المتجاورة التي تتموضع على جبهة الصخرة الكبيرة والصخرة الأصغر كذلك ، وهي بهذا تحيل المتلقي إلى التضاد الدلالي الذي يحمل مقصديته في فكر الفنان صلاح ، فالخطوط العمودية تحيل دلاليًا إلى القوى المسيطرة المتحكمة ، وتخصيصًا أنَّها تتموقع في منطقة الجبهة والجزء المضاء من الجانب الرأسي كذلك ، كما أنَّ الفنان اعتمد هذا النوع من الخطوط في الجزء الملحق بالصخرة الثانية ؛ ليؤكد الدلالة ذاتها ، وإذا تذكّرنا أنّ الدائرة شكل هندسي فقير ، يحاول الفنان غالبًا أن يكسر حدة فقرها بأن يجعل جزءاً منها يختبئ خلف إطار شكل آخر ، فإنّ هذا هو ما فعله الفنان صلاح هنا ، حيث حاول أن يُموّه فقرها بإظهار جزء منها فقط فيما يختفي الجزء الآخر خلف إطار اللوحة .
إذا انطلقنا من الفكرة القائلة بأنَّ السماء هي سقف العالم ، سنقول عن هذه اللوحة أنَّها أرضية تمامًا ، فلا مؤشِّر فيها يكشف وجود السماء بوصفها وجودًا قدريًا ، مما يحيل المتلقي إلى دلالات سنعززها بقراءة المنظومة اللونية التي اكتست بها قماشة هذه اللوحة وكتلها ، حيث يغلب لون الاوكر المطفأ أي ناقص التشبع عليها ، وبما أنَّ الاوكر هنا ناتج عن خلط اللونين الأصفر والأبيض ، واللون الأصفر يحيل في دلالاته المعرفية إلى الفرح والتفاؤل والحيوية ، وبالمقابل يرتبط اللون الابيض بالنور والنقاء والصدق والأخلاق ، فإنَّ عدم تشبعهما يدل على نقص في هذه الصفات ، بل يمكننا القول اختفاء هذه الصفات .
وغلبة لون الاوكر هنا لم تمنع الفنان من اضافة لمسات خفيفة جدًا من اللون الأصفر المخضر واللون الأزرق المطفأ ، كما تؤشِّر المنظومة حضور اللون الوردي المطفأ على شكل لمسات خفيفة ، والبني المتدرج ما بين الدرجة الغامقة المائلة إلى اللون الأسود والدرجة الفاتحة جدًا ، وتشكّل إضافة هذه اللمسات فرصة ؛ لمنح اللوحة شيئاً من الحيوية والحركية ، وإبعادًا لها عن الجمود ، حيث أنّ العين البشرية حينما تقع على لون واحد أو درجة واحدة من لون ما تكتسي به اللوحة بعيدًا عن التباين اللوني أو التكامل ، فإنها ستميل إلى النفور بسبب الايقاع الرتيب والملل الذي ستثيره اللوحة ، هذا على مستوى التقانة ، أمّا على مستوى الدلالة فإنَّ الاوكر هو لون الأرض الذي لم يكتف الفنان صلاح بفرشه على المكونات الأرضية فقط ، بل فرشه كذلك على الأجساد الانسانية ؛ ليحيل المتلقي إلى فكرة تساوي هذه المكونات وجوديًا ، فالإنسان يبدأ رحلته الوجودية من التراب واليه يعود ، حاملاً صخرة سيزيف التي لا يكاد يصل بها إلى الأعلى حتى تنزلق ثانية ، والصخرة هنا رمز للكثير من الأشياء التي تحاصر الكينونة الإنسانية وتمسخها ، هذه هي فكرة هذه اللوحة التي تثير ركامًا من التساؤلات عن اللا جدوى واللا توازن والقلق والمحنة التي ستظل رفيقًا للوجود الإنساني في دوامة العذاب .





