قراءة في قصيدة “طاقم أسنان” للشاعر التونسي “محمود العبسي” – مشعل العبادي

اقترح “بول ڤاليري” مفهوماً يختص بالشعر يعتمد على جمال اللفظ ودقة المعنى، دون المبالغة في الرمزية الغامضة، وعرّف الشعر على أنه الكلام الذي يراد منه أن يحتمل من المعاني ومن الموسيقى أكثر مما يحتمل الكلام العادي. وشاعر قصيدتنا “طاقم أسنان” التونسي “محمود العبسي” أثبت أنه يمتلك أدواته التي نسج منها عوالمه الشعرية الخاصة، المتميزة بالصفاء اللغوي دون أن يرتكن إلى المباشرة، وهي قدرة لا يحوزها إلا الشاعر المتمرس في اللغة الذي إذا استرسل في نظم صوره، رأيتها معه رأي العين، واستعدت بعضها الذي يخصك من ذهنك الخامل؛ فتعي وتستوعب كل ما يتحدث عنه، وتبتسم معه لمرور مشهد مألوف -مجمّد- في ذاكرة الحنين. قصيدة “طاقم أسنان” جديرة بالتأمل وإعادة القراءة لها على مستويات عدة، ولأنني أعتقد أنه لا يوجد تفسير واحد أو تتوافر قراءة واحدة لنص ما، وما أعنيه هنا هو جزئية أن النص (قابل للتأويل) وأن رأيي أو رؤيتي إنما هي خاصة بي. العنوان (طَاقمُ أسنانٍ) وهو ما يطلق على الجهاز التعويضي الذي يستخدم لتعويض الأسنان المفقودة، وأظن أن المعنى الوظيفي هو مكمن القصيدة التي بين أيدينا؛ فالقصيدة وخاصة (عنوانها) رغم ظاهرها التركيبي البسيط، مملوءة بماء الشعر، وتفيض نبضاً وحضوراً للجدّ المحبوب الغائب رغم الغياب، إلا أن هذا الغياب المزدحم بالصور الطيبة.. هو غياب زخم وثري بالحضور في آن واحد. تبدأ القصيدة حين يستدعي الشاعر هيئة وجود الجد باسماً طيبا ودودا؛ فيبدأ القصيدة بـ”كان” التي تقر بغيابه ليقول: كانَ جدّي يُخفي ضحْكَتهُ ومنذُ أنْ رَكَّبَ طَاقمَ أسنانٍ أمسى يوزّعُ البسَمات هُنا وهُناك تتضح مقولة فرويد عن الشعراء : “إنهم معلمونا في معرفة النفس، لأنهم ينهلون من ينابيع لم نتوصل بعد إلى تمهيدها أمام العلم صالحة للاستخدام رغم مرور أكثر من مائة عام عليها”، مع شاعرنا “محمود العبسي” في قصيدته “طاقم أسنان”، وهي التي تحفر عميقا في ماهية (الفقد) فقد الجد “ملاذ الأمان”. وعبر الحفر في أغوار جدارية النفس، ينقش “محمود العبسي” لوحات جمالية للفقد بشتى ألوان التعبير: أسمعُ قهقَهاتِه الصادحِة مِنْ آخرِ الشّارِعِ عندمَا يعودُ إلى البيتِ يُعلّق عُكَّازَهُ على مسمارٍ فُولاذيّ دقَّهُ في جدارٍ قربَ البابِ الخارِجيّ إذاً من بعد أن كان يخفي ضحكته .. وزّع البسمات؟! ثم صدح مقهقهاً في عودته إلى منزله وعلق عكازه -داعم حركته- وهو الأهم دوراً وفعالية من طاقم الأسنان!. كما لو أن “عكازه” دليل يشير بسلاسة على وضوح تراجيدية المشهد وينفي كونه مشهد مملوء بالبهجة والقوة، ربما، هو الوضوح الآخر الذي يحمل شبكة غيوم يتعذر تعريفها أو تحديدها أو وصفها حتى.. المشهد يصوّر الشاعر على أنه شعور مبهج باستخدامه “كما لو أنّ” أي انه غير حقيقي وهو يعكس “شبكة غيوم” أي بكاء مستحضر بأعينه .. ثم يستدعي الشاعر قدراته في فن رسم المشهد بالكلمات المنتقاة بعناية فائقة، بغية خلق مشهدية بليغة المعنى بلا صخب؛ حيث يصف فعل الجد في نزع طاقم الأسنان “كأنه” النائبة عن وصفه الفعلي بالساحر المتمرس،العاشق الحذر.. كأنه بطل آتٍ بكل الأفعال الخارقة.. رغم عاديتها كالإمساك بالساعة والخاتم والنظارة،هي بطولات اعتيادية ( لكن يمارسها الأحياء) ليواصل “العبسي” وصف الجد -الخارق- بالفعل المعتاد بالأصحاء ليقول: يَسحَبُ بلُطفٍ مِن فمهِ طاقمَ الأسنانِ كأنَّهُ ساحِرٌ يسحَبُ حمامةً مِنْ تحت قبَّعتِهِ كأنّه عاشِقٌ يسحَبُ رسالةً مِنْ تحت إبطِهِ يُمسِكُ بحذرٍ شديدٍ طاقمَ الأسنانِ كأنَّه يمسكُ مرآة تحتاجُ إلى التَّلميعِ كأنَّهُ يمسِكُ نَظَّارةً كأنَّهُ يمسِكُ سَاعةً كأنّهُ يمسِكُ خَاتمًا يمسِكُ طَاقمَ أسنانِهِ يُنظِّفهُ بالفُرشاةِ ممَّا عَلِقَ بهِ من شايّ وحلْوى يُنظّفهُ جيّدًا يَتفقَّدُ قُدرتَه على التَّماهِي مع حركَاتِ اللّسانِ ثمَّ يضعهُ في كأسٍ من الخلّ وقطراتِ ليمونٍ وكحُولٍ يَضعَهُ كوردَةٍ على الطَّاولةِ ويخلدُ إلى النومِ. حينما تشرع في قراءة “طاقم أسنان” تشعر باستنهاض صور دفينة في الوعي، تملأ شعوراً بالحنين والافتقاد لا يفسر، لكنه حاضر في المعنى، يشبه تلك الصورة المتحركة في اللاشعور للجد صاحب طاقم الأسنان الذي يتحرك في وعينا دون أن نراه، بينما ينظف طاقمه المستتر خلف ماهية الفقد، ويحرك لسانه مستعيدا قدرته العضوية، ويحفظه بالخل، وينام ليضعه كـ(وردة) على الطاولة، والوردة هنا هي ما يعني الكاتب بالإشارة إلى “السببية” وهو الإنزياح الفعلي للمعنى لدى الكاتب؛ فما يعنيه طاقم أسنان يعين الجد على الالتهام والكلام .. هو ما يعنيه الكاتب من إشارة لإرث الجد الذي لا يفارقه، لكنه يضمر معنى (أثر) والحفيد يتعلل بالحديث عن طاقم أسنان متروك كأثر باقٍ، وهو جل ما تركه له الجد بعدما مات وأورثه طاقم يبتسم بالتبعية للجد الراحل ليقول فيه: مات جدّي وتركَ لنا طاقمَ أسْنانهِ يبتَسِمُ كُلَّمَا حاولتُ إغلاقهُ ضحِكَ عليَّ كُلَّمَا حاولتُ فتحهُ عضَّني والعضة هنا هي الغصة التي تركت بقلبه أثر الفراق، أو الجرح المفتوح الذي كلما حاول غلقه اقتص منه الوجع وسخر منه، بل كلما ضغط عليه ليغلقه نهبته أسنان الألم، وهنا تتماثل أمامنا صورة شعريّة مكثفة، ومفارقة مرفقة بمهارة مع المعنى. العضة التي ذكرها الشاعر في البيت (هي من فعل التذكر للجد) وهو الذي يستعيد ألمه كلما نظر إلى طاقم الأسنان الذي تركه الجد كأثر والشاعر صوّر طاقم الأسنان ككائن حي يعض كلما اقترب منه ليغلقه و يراد هنا غلق الجرح الذي خلّفه الفراق: كلَّ ليلةٍ أسمعُ اصطكَاكَ أسنانهِ كأنَّهُ يمضغُ قَصيدة.. يعمد “العبسي” إلى تلك المفارقة (كأنه يمضغ قصيدة) وهو ذاته الذي يمضغ وكل ليلة تطرق جدار ذهنه قصيدة فيبتلعها ساخراً، مرجحاً أن تذوي كلماتها في جوفه المعتم، لأنّ الجد هو المحفز على الشعر، وعلى تذوق الحياة. تعمّد الشاعر باختياره لفظة “كأنه” مرة أخرى، واستخدم مفارقة لفظة يمضغ وهو الذي بدون أسنان والمفارقة أو المقارنة النفسية أن الجد يمضغ مثله قصيدة أي يقتلها في مهدها وهو ذهنه لأن الشاعر فقد محفز الشعر وهو الجد. “طاقم أسنان” هو عنوان بقدر ما هو رمز بسيط .. إلا أنه يحمل في طياته عمقاً، لقصيدة تتجلى بين ثناياها ماهية جمال وجلال الحزن، الفقد، الحنين. __________
طَاقم أسنان
كانَ جدّي
يُخفي ضحْكَتهُ
ومنذُ أنْ رَكَّبَ طَاقمَ أسنانٍ
أمسى يوزّعُ البسَمات
هُنا وهُناك
أسمعُ قهقَهاتِه الصادحِةَ مِنْ آخرِ الشّارِعِ
عندمَا يعودُ إلى البيتِ
يُعلّق عُكَّازَهُ على مسمارٍ فُولاذيّ
دقَّهُ في جدارٍ قربَ البابِ الخارِجيّ
يَسحَبُ بلُطفٍ مِن فمهِ طاقمَ الأسنانِ
كأنَّهُ ساحِرٌ يسحَبُ حمامةً مِنْ تحت قبَّعتِهِ
كأنّه عاشِقٌ يسحَبُ رسالةً مِنْ تحت إبطِهِ
يُمسِكُ بحذرٍ شديدٍ طاقمَ الأسنانِ
كأنَّه يمسكُ مرآة
تحتاجُ إلى التَّلميعِ
كأنَّهُ يمسِكُ نَظَّارةً
كأنَّهُ يمسِكُ سَاعةً
كأنّهُ يمسِكُ خَاتمًا
يمسِكُ طَاقمَ أسنانِهِ
يُنظِّفهُ بالفُرشاةِ ممَّا عَلِقَ بهِ من شايّ وحلْوى
يُنظّفهُ جيّدًا
يَتفقَّدُ قُدرتَه على التَّماهِي مع حركَاتِ اللّسانِ
ثمَّ يضعهُ في كأسٍ من الخلّ وقطراتِ ليمونٍ وكحُولٍ
يَضعَهُ كوردَةٍ على الطَّاولةِ
ويخلدُ إلى النومِ.
مات جدّي
وتركَ لنا طاقمَ أسْنانهِ يبتَسِمُ
كُلَّمَا حاولتُ إغلاقهُ
ضحِكَ عليَّ
كُلَّمَا حاولتُ فتحهُ
عضَّني
كلَّ ليلةٍ أسمعُ اصطكَاكَ أسنانهِ
كأنَّهُ يمضغُ قَصيدةً
——
محمود العبسي .





