الشعر العمودي

في وادي العبيد – نازك الملائكة

صورة بالأبيض والأسود لامرأة شابة مبتسمة، مع أسلوب أنيق، ويدها مستندة على ذقنها. تضع سوارًا حول معصمها.

ضاع عُمْري  في  دياجيرِ  الحياة

 وخَبَتْ أحلامُ  قلبــي  المُغْرَقِ

ها أنا وحدي على شطِّ  المماتِ

والأعاصيــرُ  تُنادي   زورقي

ليس  في  عينيّ  غيـرُ   العَبَراتِ

والظلالُ  السودُ  تحمي   مفرقي

ليس في  سَمْعيَ غيرُ  الصَرَخاتِ

 أسفاً للعُمْـــرِ، ماذا قد بَقِي ؟

سَنَواتُ العُمْر  مرّت  بي  سِراعا

وتوارتْ في دُجَى الماضي  البعيدْ

وتبقَّيْتُ  على  البحْر    شِراعـا

مُغرَقاً  في  الدمْع  والحزنِ  المُبيدْ

وحدتـي تقتلُني  والعُمْرُ  ضاعا

والأَسى لم يُبْقِ لي حُلماً “جديدْ”

وظلامُ  العيْش لم  يُبْقِ  شُعَاعـا

والشَّبابُ الغَضُّ يَذْوي  ويَبِيـدْ

أيُّ  مأساةٍ  حياتي   وصِبايــا

أيّ  نارٍ خلفَ  صَمْتي  وشَكاتي

كتمتْ  روحي  وباحتْ  مُقْلتايا

ليتها  ضنّتْ  بأسـرار حياتـي

ولمن  أشكو   عذابـي   وأسَايا ؟

ولمن  أُرْسـلُ  هذي  الأغنياتِ ؟

وحوالـيَّ  عبيـدٌ   وضحايـا

ووجودٌ مُغْـرَقٌ فـي الظُلُماتِ

أيُّ  معنىً  لطُموحي  ورجائـي

شَهِدَ الموتُ بضَعْفـي   البَشريّ

ليس في الأرض لُحزْني من  عزاءِ

فاحتدامُ الشرِّ  طبْعُ  الآدمــيِّ

مُثُلي العُلْيا  وحُلْمي  وسَمَائـي

كلُّها  أوهامُ  قلبٍ  شاعــريِّ

هكذا قالوا … فما  مَعْنى  بَقائي ؟

رحمةَ الأقدارِ بالقلب الشقــيِّ

لا أُريدُ العيشَ في وادي العبيـدِ

 بين أَمواتٍ … وإِن لم   يُدْفَنـوا

جُثَثٌ ترسَفُ في أسْرِ القُيــودِ

وتماثيلُ اجتـوتْها الأَْعيُـــنُ

آدميّونَ  ولكـنْ  كالقُــرودِ

وضِبَاعٌ شَرْســةٌ لا تُؤمَــنُ

أبداً أُسْمعُهـم عذْبَ نشيـدي

وهُمُ نومٌ عميـقٌ مُحْـــزنُ

قلبيَ الحُرُّ  الـذي لم  يَفْهمـوهُ

 سوف يلْقَى في أغانيــه العَزَاءَ

لا يَظُنّوا  أَنَّهم  قـد  سحقـوهُ

فهو ما  زالَ  جَمَالاً  ونَقَــاءَ

سوف تمضي في  التسابيح  سِنوهُ

وهمُ في الشرِّ فجراً  ومســاءَ

في حَضيضٍ  من  أَذاهْم  ألفـوهُ

مُظْلمٍ لا  حُسْنَ  فيه ، لا  ضياءَ

إِن أَكنْ عاشقةَ الليلِ  فكأسـي

مُشْرِقٌ  بالضوءِ  والحُبِّ  الوَريقِ

وجَمَالُ الليلِ قد  طهّرَ  نفسـي

بالدُجَى والهمس والصمْتِ العميقِ

أبداً يملأ أوهامــي  وحسِّـي

بمعاني  الرّوحِ  والشِعْرِ  الرقيـقِ

فدعوا لي  ليلَ  أحلامي  ويأسي

 ولكم أنتم تباشير الحياة

                                                       8-8-1946

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading