في «ترانيم سرمدية»… إنشائية الحدث بين الأيديولوجي والجمالي- رياض خليف

رياض خليف
رغم نفور النظرية الأدبية من القصائد ذات البعد الانفعالي الحدثي، فإنها استطاعت في تجارب كثيرة فرض نفسها بحرارتها الأيديولوجية وارتباطها الأكثر باهتمامات المتلقي ومشاعره وانفعالاته وكذلك بجمالياتها. فالقصائد الحدثية العربية المعروفة، حملت الكثير من المظاهر الإبداعية، فالشعراء سعوا إلى فرض إنشائيتها بأساليب مختلفة، وقد رصد الناقد العراقي حاتم الصكر بعضها على غرار «دمج الأسطوري والرمزي بالحدث وإعلاء ما هو مشهدي ليغدو شعريا… إيقاف الحدث كلحظة زمنية ذات أثر في مكان محدد لخلق سيرورة مشابهة من التاريخ البعيد والقريب أحيانا.. السخرية وملاطفة الحدث باستيهامات ورؤى ذات دلالة بعيدة» (كتاب في غيبوبة الذكرى). فكتابة التفاعل مع الأحداث لا تحتاج فقط حسا أيديولوجيا ننتصر له، بل تحتاج إلى جماليات تطربنا، وهو ما أرى شاعر مدونتنا واعيا به.
فقد اختار لطيف قادري أن يطل على القراء في عمله الشعري الأول «ترانيم سرمدية» الصادر عن دار صامد بقصائد حاملة لنبض أزمنة متعددة، كتبت في سنوات متفرقة وفي عقود مختلفة، بعضها في السبعينيات والثمانينيات، أو في السنوات الأخيرة، ولعله بهذه العودة إلى أرشيف الكتابة يعلن أولا عن قدم تجربته الشعرية. لقد تنوعت اهتمامات الشاعر ولكن طائفة من القصائد لفتت انتباهي بارتباطها بأحداث محلية وعربية، فهي قصائد حدثية، منفعلة بالأحداث. ولعلها تعيد إلى الأذهان صورة الشاعر العربي الواقف في زحام الأحداث، وهي صورة تتبدد في عصرنا لمسوغات جمالية وأخرى أيديولوجية. فلم نعد ننتظر شعرا يكتب ما يجري، بعد أن ظلت أصوات الشعراء العرب تراقب المشهد العربي وتتابعه وتعقب عليه بقصائد حارة، من ذلك ما كتبه محمود درويش عن حصار بيروت، أو استشهاد بعض المناضلين وما كتبه نزار قباني أو عبد الوهاب البياتي وغيرهم تفاعلا مع أحداث مختلفة…
يأتي لطيف قادري منحازا إلى صوت الشارع، مناهضا لخطاب السلطة في تلك الأزمنة، منشغلا بقضايا العروبة والأحداث الطارئة عليها، دون أن يغفل جماليات شعره. ولكنه يحرص على إضفاء الطابع الجمالي على قصائده، محوا للمباشر وتحقيقا للإنشائية…
ضد السلطة:
تندرج تحت هذا العنصر قصائد كتبت تفاعلا مع أحداث تونسية، على غرار الصراع السلطوي النقابي، وما عرف بالخميس الأسود (26 يناير/كانون الثاني 1978) أو أحداث ثورة (2011). ونهتم تحديدا بقصيدة «حقيقة الحقيقة» التي لها صلة بالحدث المذكور. وهذه القصيدة بقطع النظر عن بعدها التاريخي، إذ نذكرها اليوم بعد أكثر من أربعة عقود على كتابتها، وعلى الحدث الذي تفاعلت معه، فإنها تلفت انتباهها بجمالياتها الشكلية. فقد جعلها الشاعر في شكل مسرحي غنائي، يبرز فيه حوار ونسمع عدة أصوات (صوت الراوي، القطيع، الزعيم الأكبر، الجلاد…)
ويبدو خطاب هذه القصيدة ساخرا من السلطة ومن خطابها الدعائي، قائما على المفارقة، فهو خطاب يرتقي بالسلطة وبمجدها (وأصدر أقزمنا الكبير/ بيانه الخطير/ بأنه أخرس كل جائع لم يبق من فقير/ ودوّن خادمه الأمين في صحائف تاريخنا المنير/ بأنه منقذنا). ولكن هذا الخطاب يبدو محتقرا للشعب، يقول الراوي ممجدا السلطوي: فهو الذي قد بعث لأمة البغال والحمير/ أطعمها من تبنه/ أشم بعض بعضها روائح الشعير»
ثم يضيف ما سجله أحد الموالين:
وسجل خادمه المرتزق الأجير
فدمدمت جميعها لتحمد العطاء
بصبصت أذنابها ومطت أذانها في غبطة ونشوة ثناء…
إن الشاعر هنا يصور علاقة قائمة على مبدأ الراعي والرعية، أو لنقل علاقة العصا والراعي، على حد تعبير محمد الحويلي، ولكنه أيضا يعتمد أسلوبا شعريا طريفا، فالتصوير الشعري في هذا المجال ينقلب من الأنسنة إلى التشيئة فتسند للإنسان صفات وأفعال حيوانية، فالشاعر يشيئ الشعب العاجز الصامت عن السلطة، مسندا إليه أفعالا وأشياء تعبر عن الخضوع الحيواني، ممثلا إياهم بالقطيع.
«ومقر سكناهم بالحظيرة:
اهتزت الحظيرة كأنها القيامة…»
ومن جماليات هذه القصيدة أنها تحولت أيضا إلى قصة شعرية، بارك فيها القطيع خطاب السلطة ومارس الجلاد دوره الدموي، وفرح صاحب السلطة، لتتحول في النهاية إلى صرخة وطن من أجل الحرية والكرامة:
في وطني قد صودرت حريتي
في وطني قد أهدرت كرامتي
في وطني قد ألجم التفكير واللسان
في وطني قد ألغي الإنسان
في وطني قد ألّه السلطان..»
هكذا تكتسب القصيدة بعدا نضاليا، مطلبيا صادما مع الخطاب السلطوي، منتصرا لقيم الحرية مساندة للغاضبين من السلطة والمقموعين في ذلك الحدث التاريخي، حدث التصادم بين السلطة والاتحاد العام التونسي للشغل.
لحظات عربية:
يضم الكتاب أيضا قصائد ارتبطت بأحداث عربية مثل، توقيع اتفاقية كامب ديفيد واغتيال السادات واجتياح بيروت وحرب الخليج الثانية، وقد اختار الشاعر الوقوف في الصف العربي المستنكر لهذه الأحداث، ونسجل في هذه القصائد اللجوء إلى الرموز الأسطورية والتاريخية واعتماد الأقنعة. فها هو يصرخ مستغربا ما حصل عند توقيع اتفاقية كامب ديفيد، موظفا صورة أبي الهول:
أبو الهول ضل الطريق وتاه
أبو الهول آه
ما الخطب آه
يا لانهزام البطولة
أين الآباء وأين الفحولة
خنقت الحياة طعنت الرجاء
مسحت ابتسامة الطفولة…
ويعتمد هذا الأسلوب نفسه في قصيدة الهرم الأعظم، في هذه المناسبة ذاتها فإذا نحن أمام الهرم ورمسيس الثاني، فارتدى السادات موقع الاتفاقية قناع رمسيس:
« رمسيس الثاني خان العهد وحالف شرذمة الأوغاد
رمسيس الثاني كبل نفسه بالأغلال والأصفاد
والقدس هوت…
القدس الجارية السمراء…»
يتضح من هذه النماذج أن الشاعر بقدر تفاعله مع الحدث التاريخي، لا يكتفي بالانتصار لخطابه الأيديولوجي، بل يسعى إلى إثراء جماليات القصائد، ردما للهوة بين الشعري واليومي. فهو يحافظ على البعد الإيقاعي، ويثري القصيدة باستعارات ومجازات تكسر رقابة اليومي والتاريخي. والأكيد أن دراسة بقية القصائد كفيلة بأن تكشف ما في قصائد لطيف قادري من ثراء وما تلوح بين جنباتها من إنشائية.
كاتب تونسي






