القصة القصيرة

دموع الوادي ✍ بسام الطعان

رجل يرتدي نظارات وقميص مخطط، مع تعبير جاد، على خلفية بيضاء.

قبل أن ترفرف العصافير بأجنحتها استعدادا لنهار جديد، كل الأهل والأحبة كانوا هناك في ( عين التينة)، وفي الطرف الآخر، على الضفة المحتلة لوادي الدموع، كانت العروس التي زفت بالأمس القريب إلى الجولان والمكللة بشوق الانتظار، تمتطي أحزانها، تخرج من جيب ذاكرتها أغنية حب علنية، أغنية جميلة البداية، باكية الختام، وترسلها إلى الوطن الذي اشتاقت له.
كانت تلوح بمنديل يشبه حمامة بيضاء،ويا له من شوق اشتعل بين حنايا ضلوعها وهي تلوح وتعتقد بأن لا أحد في الطرف الآخر يميز منديلها الذي يرفرف دون كلل أو ملل بين سرب من المناديل الجولانية.
في كل مره كانت تكبّر موجة التلويح، تسرّع إيقاعها على أمل أن تراها أمها أو ينتبه إليها والدها، لوحت طويلا وكثيرا، اكثر من تراب وطن تحبه، وأحبة تحن إليهم، ولكنها لم تجد شيئا يغسل أوجاع الروح ويطفئ الاشتياق.
تعبت يدها الغضة من التلويح، أصابها ما يشبه الإحباط المر، مرت عليها دقائق من الأوجاع والعذابات ، سالت خلالها دموعها على خديها، أحست بنار تحرقها، وبإعصار يدمّرها، وبأشواك تجرحها، غير أنها صممت على أن تكون كالجندي السوري أقوى من النار والإعصار، أبعدت الأفكار التي انجذبت لدماغها بمغناطيس لم تعرف كنهه، تلك الأفكار التي حاولت أن تنغص هدوئها، ولأنها لا تعرف اليأس، ولأن شعورها هو شعور كل سوري بأن الجولان سيعود إلى الوطن الأم مهما طال الزمن أو قصر، تقدمت خطوات إلى الأمام، وتقدمت معها مدن مضيئة ومليئة بصيحات هدارة، صيحات كأنها تأتي من كل مدينة وقرية سورية. صعدت على كومـة من الحجارة، حدقت بالجموع الملوحة، شاهدت قامة تشبه قامة أمها بين جمع من النساء، فكادت تطير وتحلق في سماء الجولان على الرغم من أنها لم تكن على يقين من أن تلك القامة هي قامة أمها، فالمسافات بعيدة والقامات متشابهة، نزلت عن كومة الحجارة، اقتربت، لوحت وبكت، وحلمت أن يصل صوتها إلى الوطن كله، لكن الوادي لم يرجع سوى ارتداد الصدى.
التهب شوقها فأخفقت مثل أجنحة القبرات وتقدمت أكثر حتى اقتربت من لافتة معبأة بأحرف عربية وعبرية.
إنه حقل الغام زرعه محتل حاقد. هل تستطيع كل ألغام العالم أن تبعد حمامة عن عشها، أو فراشة عن أحلامها؟
عبأت صدرها بهواء قادم من الوطن، فأحست بأنه هواء له طعم ورائحة أخاذة، زارها شيء من الفرح فجأة، فثبتت نظراتها على الطرف الآخر، رفعت يدها، ودون أن ترى أحبتها صاحت:
ـ أمي.. أمي.. أنا سمر يا أمي.. هل تسمعينني؟
ـ أبي.. أنا سمر يا أبي هل تراني؟
امتلأت حنجرتها بغصة مؤلمة، وحشرجات صوتها اخترقت جدار الصوت فوق المشهد الممتد من خلف الألغام الإسرائيلية وصولا إلى (عين التينة) حيث جمع الأهالي الذين كانت أمها بينهم.
ويا له مشهد كارثي، وألم مضاعف لوالديها، والدها كان يراها بوضوح وكان متأكدا من أنها لا تراه، وأمها ميزت منديلها من بين كل المناديل الجولانية ، فهذا المنديل تعرفه جيدا من إيقاعه الذي كان أسرع من المناديل الأخرى.
يبدو أن الشوق أدمى قلب العروس وأعمى عينيها، فهي منذ أن تزوجت ابن عمها في (مجدل شمس) المحتلة لم تكحل عينيها برؤية الأهل والأحبة والوطن.
بينها وبين أمها حقل الغام لا حقل ورود.هل يزرع الحاقد الورود؟
بينهما أنهار من حنين، بينهما ألف آه ومليون قبلة وقبلة، بينهما حب لا مثيل له للوطن وللجولان، ولأن كل هذا بينها وبين أمها، استعارت أجنحة فراشة وتنقلت من مكان إلى مكان، لعل صوت أمها يأتيها بعد صمت مضن، تقدمت، تراجعت، ثم تقدمت، ومع كل خطوة تلوح بقلبها قبل منديلها.
أمها كانت تراها بكل وضوح، فهي كانت تستخدم منظارا اشترته خصيصا من اجل هذا اليوم، وحين رصدت تلك الحيرة الكبيرة في عيني ابنتها، ولمست الحزن المتفشي على وجهها، لم تستطع تحمل ما يحدث، وكادت تنهار لولا أن الزوج امسك بها وهدأ من روعها.
بغريزة الام لا بالمنظار اكتشفت أن ابنتها لا تلتقط تلويحاتها واشارات والدها، وحدث ما كانت تخاف منه، شاهدت ابنتها تتقدم باتجاه حقل الألغام بخطوات شبه مجنونة، عندئذ اصفّر وجهها، خاف كل عضو في جسدها، خشيت أن يدفع الشوق بابنتها إلى الدوس على لغم زرع دون تفكير وبحقد، فصرخت بأعلى صوتها:
ـ لا تقتربي يا ابنتي.. الألغام أمامك؟
أما والدها فارتجف ارتجاف أوتار العود حين تمر الريشة عليها، وخفق قلبه على نحو لم يسبق حدوثه من قبل، حاول أن يركض ليمنعها من الوصول إلى حقل الألغام، لكن أحدهم منعه، وارتفعت الأصوات الكثيرة المحذرة، لكن بدت وكأنها فقدت كل حواسها، كانت تقترب بخطى تتدثر بالفوضى، ومع كل خطوة تلوح ، تبكي، تصيح، وتكبت تلك الرعشة التي سيطرت على جسدها، بينما ألم البعاد يفتت شرايينها ويمتد حتى العمق.
مع الأصوات الهدارة من الطرفين، أفقدها لغم أعمى وحاقد مهارة الوصول إلى حضن الأم وصدر الأب، أفقدها قبلات ودموع فرح كانت مهيأة منذ الفجر، ومع دوي اللغم الذي ملأ الوادي، تطايرت أشلاء، سال دم، ارتفعت أصوات، وانهمرت دموع.
أمها رأت ما حدث، رجفت شفتاها بكلمتين، ثم سقطت أرضا، وفي الطرف الآخر، كان جنود الاحتلال يقهقهون ولا يبالون.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading