القصة القصيرة

غوايــــــات – زيد الشهيد- العراق

         تِر.. تِر .. تِر..

تُتَرتِرُ سيارةُ المازوت الحوضية؛ تتحركُ ببطءٍ شديد. تنفثُ دُخاناً فاحماً فتهربُ النساءُ المُهندمات يَخشينَ افسادَ مِكياجِ وجوههنَّ، لكنَّ الصِّبيةَ الصِّغار كانوا يستعذبونَ المَشهد الغريب. يلاحقونَها، يجعلون أيديَهم تتشبث بخلفيتها والدخانُ يَطفو فوقَهم ثم يهبطُ عندما يثقل. لا تثيرُهم ذرّاتُ الكاربون تندفعُ إلى رئاتِهم عبرَ شهيقٍ غائرٍ.. يكركرون!.. يكركرون لأنَّه تَسبَّبَ في حَجبِ الواحدَ عن الآخر… فتاةٌ بقميصِ تفتا سمائي وتنّورةِ نسيج ورديّة تبرَّمت : أُفـ… أُفــ.

شابٌّ يافعٌ ذو بدلةِ “بيجي” كَمشَ جبهتَه، أبدى ضَجراً… أخرجَ منديلاً من جيبِ بنطاله؛ كَممَّ أنفَه.

رجلٌ عجوزٌ يقتعدُ الرَّصيفِ أطلقَ حَسرةَ ألم.. حَسرةَ ذكرى… عادَ إلى  صِباه؛ تذكّر الدُّخانَ يندفعُ كنديفِ صوفٍ أسود من عادِمِ ماكنةِ( الماطور)(1) وسط النهر وهو يقف قريباً حَمّالاً مُهمَّتُه نقلَ أكياسِ(الزهدي)(2) من جَوف(الماطور) إلى( المِسنّاية)(3). تذكَرَ كيفَ ضحِكَ جميعُ من وَقفوا ينتظرون الرُّسو لتسَلُم بضاعتِهم مُطالعينَ وَجهه دونَ أنْ يَعلمَ السَّبب؛ إلا حينما انحنى عندَ الجّرف يغرفُ بكفّيه حَفنةَ ماء.. ضَحِكَ لحظَتها… وها هو يَضحك لمرأى الصّبيةِ الذين ما أنْ أسرعت السيارةُ وخلَّفتهم حتى غرقوا في نوباتِ ضحكٍ مُتقطِّع، وكلُّ واحدٍ يتأمَّل الآخرَ مُعيباً عليه سوادَ وجهِه الذي غيَّر سحنتهُ سخامُ المازوت الفاحم.

ـــــــــــــــــــــ

(1)الماطور : زورق متوسط الحجم لنقل البضائع بين المدن والقرى في مجرى النهر .

(2) الزهدي : أحد انواع التمور العراقية الوفيرة زهيدة السعر كثيرة المنتوج.

(3) المسنّاية : مرسى نهري ترسو عنده الزوارق الكبيرة.

  ثمالاتُها تُرخي عِنانَ الروحِ فيتفجّر اللاوعي بوحاً وانثيالات تترى… سَميرةً نُحسُّها الآن تتوهّج كنجمٍ ثاقب؛ وإسماعيل! كلّما تذكَّرنا إسماعيل يَغصُّ الصَّدرَ بانقباضٍ خانق  ويعودُ المَطر زائرُنا الأثير/ المُنتَظَر مؤجِّجاً للجَّمرِ الكامنِ تحتَ رمادِ الأعماق. يعودُ ليُذكّرنا بإسماعيل: أشدُّنا نشاطاً/ أبرعُنا لعباً/ أثقبُنا ذكاءاً. حبيبُ المطر _ عاشقُ الندى… عيبُه أنّهُ ضئيلُ الجّسمِ، ضعيفُ العَظم، كثيراً ما يُسقِطُه التهابُ المفاصِلِ أيّاماً في دَوحةِ المرض.. بيدَ أنّه يعوّضها بأوقاتِ النَّقاهةِ والشفاء.

_ ” أبو لايكا “… سمّوني ” أبو لايكا “.

   ويُخرِج من جيبِ ثوبِه الرَّثِّ صورةً لكلبةٍ شهباء (*) تمدُّ لساناً طويلاً تقعي وسطَ غرفةٍ مَعدنيةٍ _ فُضيّة المَظهر الخارجي(الغرفة تضمُّ تكويناتٍ مُجسَّمةً وهياكلَ مستديرة وشاشات زجاجية رَمادية مُتلاصِقة)… فوقَ كلِّ رُكنٍ قرأنا ” cccp “… يَطوي اسماعيل الصورةَ؛ يَزجُّها في جَيبه، قائلاً بسخريةٍ: سأخترقُ الفضاءَ قبلَكم، يا متخلّفون. سأترُكُ الأرضَ بما تحوي وأُحلّقُ هناك.. هناك! انظروا، حيثُ الكواكب حُرّةٌ تجتازُ المَديات الفسيحة… هنالِك ترونني … ها .. ها .. ها  ؛ عندي صورةٌ أخرى!

_ أينها؟!!

_ هُنا! … ويشير إلى جيبه.

   نقتربُ منه فيهرَب. يروحُ يعدو: اتركوا ذلك لوقتٍ آخر.

   زرناهُ مَرّةً، مُنسحِقاً يَضمّه فراشُ المرض/ مُمدّداً لا يقوى على النهوض. عَدوُنا تحتَ نثارِ مَطر اليومِ الفائت ولَّدَ إنهاكاً مُربكاً، والتهابَ مفاصلِ حاد.. لا قدرةَ له على الكلام.( حُمّى الروماتزم تُنهكُ قواه/ تَشلُّ لِسانه). مَدَّ يداً مُرتعشة يسحبُ من تحتِ وسادتِه صورةً، فإذا بها الصورةُ السابقةُ وقد قَطعَ جزءاً ووضعَ مَحلَّها صورةً له تحاذي لايكا.

   _ ما هذه؟!!

        صوتُه الواهن قال:

_ التي وعدتُ بعرضِها عليكم.

   بينَ ضحكٍ ظاهرٍ وحزنٍ دفين  سألناه:

_ وكيفَ ساورتكَ الفكرةُ ؟

   ردَّ الصوتُ بوهنٍ أشد:

_ ألم أعِدُكم بأنّي سأخترقُ الفضاء.. ألم أكن أنا ” أبو ….

_ لايكا… رددنا مُبتسمين.

    جنونُ الحمّى اشتدّت في اليوم التالي.

في اليومِ التالي هطلَ المَطرُ غزيراً؛ غَمرَ الزُّقاق، والميازيبُ غدت ترمي مياهاً ضاجّةً… لم تكُن الساعاتُ حُبوراً لنا ومَرحاً ساعةَ افتقدنا إسماعيل. كان عبرَ لحظةٍ مُنفلتة غير محسوبةٍ قد صَعدَ وحيداً؛ تاركاً لنا صورتَه الأثيرة تحتَ وسادته، ضاحكاً تقفُ إلى جانبه ” لا يكا “، تمدُّ لساناً طويلاً كأنَّها تسخرُ منّا نحنُ الذينَ شدّتنا الأرضُ لهيمنتِها.

   بانقضاءِ الأعوام، والشبابُ يَطردُ عبثَ الطفولةِ وينحو صوبَ اعتدادِ النفس، عادت ذكرى إسماعيل تشغلنا!!!

وذا ليلةٍ، قد لا تصدّقون إذا قلنا رأيناه مِن على شاشاتِ التلفاز يَطأ بقدمهِ ترابَ كوكبِ القمر_ كان قد كبُرَ وأصبحَ يُقاربنا العمر_ ابتسمَ لنا من وراءِ الزجاجةِ الدائريةِ لبدلتِه البيضاء. فوجِئنا به يحملُ اسماً جَديداً “نيل آمسترونغ” رددَّهُ المُذيعُ بفرحٍ غامر واندهاش لذيذ… صرخنا به مرتابين: إسماعيل ! كيفَ حدَث هذا؟ ولماذا لم تكْن لايكا مِعك؟!!.. وحتّى مركبتك بدلاً مِن أنْ نقرأ عليها “cccp ” نراها تحمل أحرفَ ” USA ” ‍‍‍‍‍‍!!

ـــــــــــــــــــ

(*) لايكا : اسم الكلبة التي وضِعت بديلةً للإنسان في مركبة الفضاء الروسية كاختبار أولي للاكتشاف.

  يَومذاك، ونحنُ في غمارِ بَحرِ الطفولةِ الدفّاق فوجئنا بقدومِ سيارة “دودج” زرقاء تتوقّف أمامَ الزقاق وتستديرُ لتجعلَ مؤخَّرتَها المكشوفةَ باتجاهِ فمِه؛ (ذلكم زقاقُنا العتيد يصحو وينامُ على هواءٍ دَبِقٍ وتِلالِ زنوخة تكيّفت لها حواسُ شَمّنا/ حوَّلنا دربَه الترابي برغمِ ضيقه عالماً عامِراً للعبِ والمَراح، وحلبةً أثيرة لتناسلِ الأخيُلة).. ثمّةَ ذبابٌ هائلُ العَدَدِ يَحومُ فوقَنا، يُعلَق بأهدابنا وفتحاتِ مَناخيرنا، وعلى جروحٍ طافحةٍ بالصَّديد… وبلمحةٍ صارخةٍ هَدرَ مُحرّكٍ ثَقيلٍ آتٍ صَوتُه من جوفِ العَربةِ مُقتحِماً مَسامعنا.. لفتَ انتباهنا رجلٌ يرتدي بدلةً خضراءَ داكنةً بقطعتين. (عجوزٌ هذا الرجل؛ شبيهٌ بعشيقِ “أيفا ﮔاردنر” في فيلمها الذي شاهدناه في “سينما الشعب” قبل أيام). يَجلسُ عندَ المُحرّك؛ ما لبث أنْ ضاعَ بَغتةً خلفَ ضبابٍ أبيض كثيفٍ تفجَّر من فوّهة الجسدِ الحديدي مُكتسِحاً الفضاءَ حولَنا، مُقتحماً البيوت/ مالِئاً مفاصلَها المتداخلة. لم يَستثنِ الزوايا والجحور. سمعنا أمهاتنا يرحبنَ/ يُظهرنَ فَرحاً. فكلُّ شيءٍ سيغدو نظيفاً. هذا آخرُ يومٍ في عُمر الذباب/ آخرُ لحظةٍ من فوضى البعوض. ستمرضُ العظايا بالتأكيد وتؤولُ إلى الموت في ثقوبِها. سننامُ كما نشتهي/ نأكلُ دونَ حَذر.

   الغريب أنَّ كلامهنَّ كان صحيحاً وصادقاً. ففي اليوم التالي غابَ الذباب وتوارت رائحةُ الزَّنَخ؛ حلَّ محلّها هواءٌ لم نألفه.. لكنَّ الغريبَ أيضاً ما حدثَ بعدَ يومين أو ثلاثة؛ فقد دبَّ عبرَ أوصالِنا وسرى خمولٌ غامض.. ما عُدنا راغبين في اللعب -… تفرَّقنا/ انكمشنا في بيوتنا لائذينَ بظلالِ الأشياءِ وعتمةِ الزوايا، مَلولين/ جَزعين؛؛ حتّى جاءنا ذلك اليوم. يوم تبرعمت على محفّات هوائِه رطوبةٌ صاخبة أبصرنا خلالها حشودَ الذباب تتقدّم أرتالاً… اذّاك استقبلتها_ نافرةً _ أهدابُنا التي غَدَت كسولةً؛ وأيدينا التي أضحَت شُبهَ مَلساء، وجراحُنا التي كادت أنْ تلتئم.

مِن شدّة الحزنِ بكَت جدّتي على غيابِ ولدِها/ أبي. ظلّت تناجيهِ في خِلوتِها كأنّه أمامَها. حَسبناها أنا وأختي الصغرى جُنَّت؛ تحبسُ نفسَها داخلَ غرفتِها مُقرفِصة على فراشِها. لا تأكل إلاّ لِماماً، ولا تتحرّك إلاّ لقضاءِ حاجة.. إذا كلّمناها تطالعنا بعينين جامدتين؛ لا نسمعُ لها ردّاً سوى سؤالِها المُتكرِّر: هلْ طرقَ أبوكمُ الباب؟( كانت طرقات أبي ليلاً تُرعبنا، كنَّا نذهبُ إلى أسرّتنا، ندسُّ أجسامَنا تحتَ الأغطيةِ مُتظاهرين بالنَّوم. يزدادُ هلعُنا عندما تداهمُ أنوفَنا الرائحةُ النافذةُ الغريبةُ التي سرعانَ ما تملأُ فَضاءَ الغرفة.. نسمعه يَشتُم أمّي/ يركلُها؛ يُسمِعُها تهديدات مُفزِعة.. يتناولُ ما تقدِّم إليه مِن طعام_ نَعجبُ لصمتِها_ ثم نسمعُ وَقعَ خطاه يبتعد فنعرِفُ أنّه دخلَ على جدّتي هناك يحادثُها بلطفٍ؛ يمسحُ وجههُ بجبينها وينحني ليقبّلَ قدميها. تسحبهما استغفاراً، تُمرِّرُ كفّها على رأسِه، ونسمعَها تعاتبُه كما لو كانَ طِفلاً: لو كنتَ في فترةِ صحوِك هكذا لكانَ رضائي عنكَ ليسَ له حدود.. نعجب!.. حتّى أمّه لا ترضى عنه.. يحيّرُنا أمره… ).

   غَب ظهيرةِ كلِّ يومٍ يعودُ من عملِه. نعدو إليه_ أدركنا مزاجَه . يحتضننا/ يقَّبلنا. يُكلّمُ أمّي بودٍّ؛ مُظهراً احتراماً نُفسّره خَوفاً ، موافقاً على ما تُمليه عليه.. كثيراً ما يتشاجر مع جَدّتي بفعلِ كلماتِ تنفثُها أمّي في أذنه. يُهددّها بإرسالِها إلى ابنتِها/ عَمّتي المتزوجة عندَ أُناسٍ يَسكنونَ أريافاً نائية.. جَدّتي تصمت/ لا تَشأ الرد. تَتشاغلُ بِحلِّ فوطتِها السوداء التي تطوّق رأسَها  وتعقدُها من جَديد؛ دافعةً الشيبَ المُحتشد أكداساً عن وجهِها الضامر _ يبقى لسانُ أمّي هو المتسلّط _ ندهشُ لأنّ أبي يخاطبُ أمّه بهذه اللهجةِ القاسية والجفاءِ المُر… ” هَل طُرِقت الباب ؛ أسمعُ طَرقاً شبيهاً بطرقاتِ أبيكم؟”.. ” يتراءى لكِ. لنْ يعودَ أبي.”.. ” لا.. لا..! ” يَنكمشُ وجهُها؛ ومُرتعِشةً تُجيب: ” لا تقولوا هذا.. سيعود، سيعود”.. ” انّه صريرٌ فقط، يا جَدّتي، انبعثَ بعدما أغلَقت أمّيَ البابَ خارجةً. “.. تسألُنا هَمساً: هل خرجَت ؟! ( تَبرحُ أمّي المنزلَ/ تَغيبُ لساعاتٍ، ثم تعود مُحطّمةً.. شعرُها الذي مَشّطته وسَرَّحته وعقدته قبلَ مغادرتِها نراه أشعثَ. كَدماتٌ سودٌ مُنبثّة على زِنديها تحاولُ إخفاءَها بارتداءِ ثوبٍ غير الذي غادرَت به).. وفي يومٍ تركت الدارَ ولم نَسمع _ اثرَ ساعات _ صريرَ البابِ دلالةَ عَودتِها.. لم تَقلق جدّتي؛ ولم تُظهِر انفعالاتِ خوفِ ما حدث أو سَيحدث لها( كانت جدّتي تكتمُ حِقداً عليها لكنَّها لا تبوحُ لأبي _ حدسنا ذلك بفراستِنا) قالت انسوا أنَّ لَكم أمّاً؛ فأبوكمُ سيعود ليعوّضَكم فَقدَها.

   وذا يومٍ عادَ أبي.. بادئ الأمرِ كذّبنا عيونَنا. خلناه ماتَ ولن يعود.. فرحنا لمَقدمِه. حَنوناً أصبحَ مع جدّتي/ حَنوناً معن.. بيدَ أنَّ وجهَهُ شرعَ يتَغضّن، وشعرَ رأسِه يشيب سريعاً بينما الرائحةُ الغريبةُ التي كانت تُمزّق أحلامَنا ليلاً صارت تَملأ فضاءات البيتِ وأجواءَ الغرفِ طوال الساعاتِ الأربع والعشرين وسطَ أسى جَدّتي، وحسرتِها المتفجِّرة، وعينيها الضئيلتين وهما تتابعانه بعزاءٍ ساحقٍ.. يائس.

 أحزَنها أنْ تموتَ (كاثي)* متفوهةً باسمِ (هيثكلف)؛ وآلمَها وقوفُ (هيث) خلفَ سياجِ الدار ينتظرُ لحظةَ الدخولِ عليها سرّاً ليُطعِم شفتيها آخرَ قبلةٍ في الحياة .. تخيَّلَت نفسَها على فراشِ المرضِ تحاور سَكَرات الموتِ ، ترجوها الاستطالةَ ريثما يَدخل عليها زيد ليؤدّي واجبَ الحُبِّ المُفتَرَض… وحين دخلَ (هيثكلف) ووجدَ كلَّ شيءٍ انتهى، وأنَّ آخرَ ما فعلته كاثي هو امساكُها بمنديلِه يومَ رَماه إليها وغادرَ المرتفعات. تمنَّت هي الامساكَ برسائلَ زيد، تنثرُ كلماتِها لتسيلَ على جسدِها، مستحيلةً بحيرةٍ يحتويها سطحُها العابقُ.. ولحظةَ أمسَكَ (هيث) بجَسدِ (كاثي) الباردِ وراح يَهزّه مُتضرِّعاً لخالقِها أنْ يسقيها النارَ السَّعيرَ جَفلت هي طاردةً هذه الصورة الرمادية، مُدركةً أنَّه لم يكُن مَلاكاً كما شبَّهته كاثي؛ بل شيطاناً مُتلبِّساً بهيئةِ انسانٍ، مُتَّفِقةً مع آراءِ أفرادِ عائلةِ الفتاة يومَ نعتوه بهذا الاسم.. تمنَّت أنْ لا يفعل زيد؛ ذلكَ أنَّها لم تكُن قد أكمَلت ما أفصحَ به (هِيث)؛ فلو استمرَّت مُتتبعةً الاسطرَ التالية لعرفَت أنّه حسِبَ بموتها قد ذهبت إلى فردوسِ الجنّة تاركةً إيّاه يقارع جَهنَم الدنيا ووحشتَها بينما الأولى بها انتظارُه حتى يغادرا مَعاً… أغلقَت الكتابَ/ رمته جانباً مُتذَمِّرةً، لاعنةً الرجال، ومتأسيّةً على وفاءِ النساء وطيبتهنَّ… لم تتوقَّع رنينَ الهاتفِ الذي استباحَ الصَّمتَ المحيطَ وقطعَ عليها عبثَها بِخصلةٍ من شعرِها الجَّعِِد ، الهابطة على خدّها المُحمَر… عندما رفعت السمّاعةَ صارفة لحظاتِ تنصُّت خاطفة . ازدادَ احتقانُ الوجهِ/ اتَّقَدت العينان.. سمِع المُنتظِر على الخطِّ البعيد كلماتٍ توصمه بالخيانةِ والزيفِ والاحتقار.. وسمِعته يسألُها : ماذا دهاكِ؛ أنا زيد؟!.. غير أنَّ زيداً لم يتلقَّ الرَّدَّ؛ إذ امتلأ فضاءَ السمّاعة بأنفاسٍ متلاحقةٍ وخشخشةٍ مُربِكةٍ؛ ثم صمتٍ كاتم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

•        اشارة إلى مرتفعات واذرنك ( WEATHERING HEIGHTS ) وبطليها ( كاثي) و(هيثكلف) للروائية الانكليزية أميلي برونتيه.

    لخطوِها خفَّةُ ظَبيٍ آسر.. لحيائِها انكماشُ طِفلٍ خَجول؛ أمّا ابتسامتُها فلم أجِد لها تشبيهاً. كيفَ أتدبّرُ الأمرَ. هكذا كان يبوح بحيرته كلّما جَلسنا نرتشفَ شايَ اللقاء. هو الضائعُ الذي دارت به حواري (السماوة) ودروبُها؛ وهي الجنوبيةُ الموشّى وجهُها بخضيبِ طينِ الفرات. يحسِدُها نخيلُ البساتين؛ يهيمُ بها متخلّياً عن سمرائِه التي ” طرّته ” مرّةً. فمن نصاعتِها استعارَ القمرُ بريقَه. ومن شفتيها ارتشفَت الشقائقُ حُمرَتها. لاذَ برهافتها النَّسيمُ واستمرأ ليلُ تموز عذوبتَها فاستطال. لماذا كلّما أبصرتُها _ هكذا كان يُحدّثني _ عادت ” ﭬيـﭬيان لي” * تهفو عاشقةً ترتمي بأحضان ” كلارك ﮔيبل ” فيحتويها هذا الشماليُّ بذراعيه المتجبرتين!.. ويومَ وجدَته  فيفيان قد ذهبَ مع الريحِ وجدتني “مُنى” تائِهاً مع العَبث ( كانت سِهامُ العاشقاتِ المُصوَّبة باتِّجاه قلبي تتشظّى_ يا مُنى _ تتكسّر قبلَ نَيلِها مَحفّاته.. طريٌ هذا القلبُ يا مُعللّتي. علّمته حمل تميمةِ النقاءِ لكِ وحدِك ..آه). الآن ذهبت مُنى _ هكذا كانَ يُكلّمني_ خَطفَها مَن لم يُفكِّر بها يوماً. تعضُّ إصبعَها حُزناً على فَقدي إيّاها.. أذكرُ أنَّها ناجت الليلَ والنخيلَ والأزقّةَ، ومصاطبَ لقاءاتِنا السابقة.. ناجت قلبي كي ما ينفتح فيُدخِلُها ويوصدَ أبوابَه إلى الأبد؛ ( تلكَ الأيامِ كنتُ أتقمّص سلوكَ العبثيين الرافضين. تشغلني ماهيّةَ الوجودِ أشدّ بكثيرٍ من رياضِ العاطفة ). آ، يا لغواية الفلسفةِ اللعينةِ، جَرّتني من عُنقي صاغراً لبراريها القِفار.. ستندم قالتها لي في آخر تَضرُّعٍ _ هكذا سمعتُه يقول_ لكنْ هيهات، فالضبابُ الذي ابتلعَ ” ﮔيبل” في نهايةِ المشوار لنْ ينجلِ. ولنْ تحظَ ( لي) بطيفِ الذاهبِ مع الريح.

   أمس لمحتُها/ لَمحتني عند مفترقِ الكورنيش؛ والفراتُ حييٌّ يستقبلُ مُريديه .. بعثَت لي برسالةٍ خاطفة: دمعتان كرَّستهما على تخومِ جفنيها الهابطين، ثم استمرَّت ماشيةً… استمرّت دون ما انتظار فحوى الرد.. ذلك أنَّها تعرِفُه مُسبقاً.. نعم تعرِفُه: فراقٌ دائم؛ ولقاءٌ محال.. محال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

•        (ﭬيـﭬـيان لي ) و( كلارك ﮔيبل ) بطلا الفيلم الامريكي ” ذهب مع الريح GONE WITH THE WIND  “

لأنَّ قلبي كأيِّ قلبٍ غادرَ رفيفَ الطفولةِ حَديثاً فقد رفعتُه مِن على العشبِ الطري وعلّقتُه على لافتةِ زقاقِنا الضيّق/ الضئيل، مُصممّاً على منحِه أولَ فتاةٍ ترفع عينيها وتبتسمُ لبراءتِه… تنحّيتُ جانباً وانتظرت (كانت ” لا خبر”(1) أغنيةً يترنّمُ بها العُشّاقُ المتزوجون المُثقلون بالأولاد مثلَما يردّدها العشّاقُ الخائبون.. أولئكَ يعودون بذكرياتِهم إلى سنواتِ صِباهم/ وهؤلاءِ يحلمونَ بفرصةِ سماعِها من قِبل الحبيباتِ متجلمداتِ القلوب لعلّهنَّ يلُنَ فيوافينّهم بالوصال..). القلبُ على هفيفِ العشقِ يطالعُ الزقاقَ الفارغَ. أنا مُمسكُ الانفاسِ مُصيخُ السَّمعِ لهمسِ الخطوات.. حفيفُ عباءةٍ تمسُّ الأرضَ هو ما وصلَني؛ وفورةُ غبارٍ تلاحقُ فتاةً مُتعثِّرةً هو ما أبصرَه القلبُ.. انتظرنا!! أمامَنا توقّفت (ابتسام) بنتُ جارتِنا حَسيبة. رفَعت رأسَها، ومن بين طيّات عباءتِها استلّت وردةَ دِفلى بيضاء. رَمتها إلى حيثُ قلبي فتلقَّفتها يدي.. ما زالت  الوردةُ مُخبّأةً في كتابِ الجغرافية. كُنتُ يومَها في الثالث المتوسط؛ وكانت أمّي تُعوّلُ على نجاحي الفائقِ بدرجات] تُثلِج الدواخل.. ولأنَّها لا تعرفُ القراءةَ والكتابةَ فقد ظلّت تَتَباهى أمامَ نساءِ الزقاق بأنَّي أتأبّطُ كتابي ليلَ نهار… ولسوءِ حظِّ ابنةِ زقاقِنا ابتسام رسبتُ تلك السنةِ بدرجاتٍ مُخيّبة. ذلك  أغضبَ أمّي وآلمَها. طفقت تبحثُ عَن سرّ الخيبةِ، حتّى استدلّت بعدَ تحرٍّ إلى أنَّ قلبَ ابنِها لم يكُن معه؛ وأنَّ الكتابَ الذي يحمله كان خالياً إلاّ مِن وردةٍ طرية، رأيتُها تسحبُها من بينِ أوراقِ الكتابِ محاولةً سحقَها فاندفعتُ.. وفي لحظةٍ بارقةٍ انتشلتُها من تحتِ قدميها.

   ذلكَ اليوم ابتعَدت ابتسام.. ابتعدت ولمْ تقترب منّي… صارت كلَّما رأتني فرّت هاربةً/ مندفعةً إلى أقربِ بابٍ مواربٍ فتدخلُه.

  ما زلتُ محتفظاً بوردةِ الدِّفلى لكنَّ قلبي _ يا لجحودِ الزمنِ _ باتَ يتطلّع إليها الآنَ ببرودٍ، وأتطلّع أنا بانكسارٍ وألمٍ. فعلى وريقاتِها البيض جفّت أيامي الخوالي وبتُّ أحنُّ إليها… ماذا أفعلُ يا ابتسام!. إنَّني مُثقلٌ بالأولاد. أترنّم بـ ” شلون أودعك يالحبيب” (2) مُداراةً لخيبتي فيما أسمعُ أبنائي يرددّونها بتعاطفٍ كَبير وانسجامٍ يفوقُ التخيّل.

لماذا تبتسمينَ عندما تلمحينَني هذه الأيامِ من بعيدٍ, ولا تَهرَبين؟!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش                   

1.        ” لا خبر” اغنية للمطرب العراقي فاضل عواد. ذاع صيتها أوائل السبعينات من القرن الماضي.

2.        ” شلون أودعك يالحبيب” أغنية كاظم الساهر. ذاع صيتها أوائل التسعينات من القرن نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading