عمرٌ طويناه ✍️عبد الرزاق عبد الواحد – العراق

ألقيت في افتتاح ملتقى الإبداع بميسان حيث استقبلته مدينته بعد نصف قرنٍ من الغياب
كالنَّهرِ جاء ولكنْ… دون شطآنِينسابُ… يعثرُ أذيالاً بأردانِمُجلَّلاً بنَديفِ الشَّيب.. مُحتضِناًفي قلبِهِ الشمسَ فجراً وَسْطَ دُخّانِروحاً مهوّمةً في شكلِ إنسانِيكاد يذرفُ دمعاً خَطْوهُ الوانييطوي إليكِ مدى ستّين موحشةًترى عرَفتِهِ يا شطآن ميسانِ؟!كان الهوى يومها أوجاعَ أغنيةٍأنغامُها أدمعٌ تجري بألحانِتمرُّ بالهور.. بالبرديِّ.. توقظُهُوتنتقي قصَباً من كلِّ شريانِتُحيلُهُ نايَ عشقٍ فوق شاطئهاومطبجاً باكياً في الشاطئ الثانيوكنتُ طفلاً غزيرَ الشَّعر، فاحمَهُفعدتُ والشَّيب أرعاهُ ويرعانيترى تذكَّرتنِي شطآنَ ميسانِ؟!تركتُ فوق (علي الغربي) أعزَّ هوىًكنتُ ابنَ عشرٍ، فهل .. يا كلَّ إنسانسمعتمو بابنِ عشرٍ من هواهُ بكى؟الآن أُقسمُ أنّ الحبَّ أبكاني!مَن ذا يُصدّقُ أنّ القاطنين هنافي عمر عشرٍ لهم أوجاعُ فرسانِ!وأنّهم يفهمون الحبَّ مُذْ وُلدوافهم سكارى بهِ من دون بُهتانِوهم يُحيلونَهُ دمعاً وأغنيةًتسري مع الريح من سَهرى لسَهرانِ!.(مَسعود).. ما قلتَ لي (وين الوَعَد) أبداًلو قلتَها مرةً قطَّعتُ أرسانيوجئتُ أركضُ للكحلاء داليةًبلا فروعٍ، وقلبي بين أحضاني!وأنتِ يا (مَجَرَ) الأحباب.. فيكِ لناجَدٌّ رضعنا الهوى في بيتِهِ الهانيردّي لنا أيَّ شيءٍ من ملامحِهِمن ذلك البيت.. من سيباطِهِ الحانييا ما رجَفنا على أغصانِ سدرتِهِمُذ قيلَ إنَّ عليها وَكرَ ثعبانِللآن والنَّبقُ فيها ملءَ ذاكرتييشدّني نحوَهُ، والخوفُ يَنهاني!يا ذكرياتُ اصفحي عنّا فإنَّ بناطفولةً لم تَزل في سجنِ سَجّانِعمرٌ طويناهُ، لم نعرفُ طفولتَنامن فَرطِ قَهرٍ بنا، أو فرطِ حرمانِأو فرطِ زهوٍ يُخلِّينا نقول لـهُأبا فلانٍ.. وهوْ في عامِهِ الثاني!ويصبحُ الطفلُ، ما زال الحليبُ علىشفاهِهِ، رجلاً يمشي بميزانِ!(شَطَّ العمارةِ).. هل مازال موقعُناعليك نعرفُهُ من دون برهانِ؟وفي (السريَّةِ) هل ظلَّت منازلُناأم مالَها الدهرُ أركاناً لأركانِ؟و(الفيصليَّةُ).. هل مدَّ الزمانُ يداًإلى أساتذتي فيها وأقراني؟مَن ظلَّ منهم؟.. ومن أودى؟.. وأيُّ يدٍإذا مدَدتُ يديَّ الآن تلقاني؟!يا (أنورَ بنَ خليلٍ) طالَ موقفُناو(كاظمٌ) ما رأيناهُ إلى الآنِتُرى تناسى (أبو أحلام) موعدَنامن فرطِ رَفضٍ بهِ، أم فرطِ إذعانِ؟أم أنَّنا يا صديقَ العمر.. خلَّفَناطولُ السُّرى بين مدفونٍ ودَفّانِ؟!ويا (لميعةُ) يا أزهى بيادرِهايا زرعَ بيتي، ويا قنديلَ جيرانييا أطوَلَ النَّخلِ في ميسانَ أجمَعِهاويا أعزَّ الحَلا في تمر ميسانِ!يا بنتَ خاليَ.. ما أبقى الزمانُ لناممّا حدَوناهُ من ركبٍ وأظعانِ؟تُرى أأنبأكِ العرّافُ ليلَتَهاأنّا سنصبحُ في الستيّن سيّانِأنا هنا بين أهلي شبهُ مغتربٍوأنتِ فردٌ بلا أهلٍ وأوطانِ!يا رحمةَ الله في من لستُ أبصرُهُلكنّهُ الآن في قلبي ووجداني!يا رحمةَ الله في من لستُ أسمعُهُلكنْ يظلُّ صداهُ ملءَ آذاني!عفوَ العمارةِ أنّي يومَ فرحتِهاأمرُّ فيها بأوجاعي وأحزانيوكانت انتظرَتْ من فرعِ دوحَتِهاأن يقرعَ الشِّعرَ أوزاناً بأوزانِلكنّه العمر.. ناعورُ السّنين لـهُدلوٌ بقلبي، ودلوٌ بين أجفاني!ميسان… يا وسعَهُ زهوي بميسانِالماءُ مائيَ، والبستانُ بستانيوالأهلُ أهليَ حتى أنَّ أبعَدَهمأدنى لقلبيَ من أهلي وإخواني!ما كان لي أن يَرفَّ الشعرُ في شفتيلو لم تكن سُفُني منها وسَفّاني!هي العمارةُ، فجرُ العمر.. مُرضِعَتيوما أزال رضيعاً حين تَنخاني!تكادُ تهوي على أقدامِها شفتيأُمّي.. ورَبَّةُ إنجيلي وقرآني!وأكرمُ ا لناسِ أهلوها وجيرَتُهاوأصدَقُ الناس هم في كلِّ ميدانِنُبلاً، وطيبةَ نفسٍ، وانفتاحَ يدٍوخيرُها أنَّهم جذعي وأغصاني!وهم ملاجئُ روحي كلَّما اغترَبتْوهم مياهي.. وهم زرعي وبنيانيالقادسيةُ كانوا خيرَ ذادتِهاوخيرَ من توَّجوها بالدمِ القانيفي (الشّيب)، في (الفكَّةِ) الغراء.. وقفَتُهُمتبقى منارَ شجاعاتٍ وشجعانِوما تزال لـ (تسواهن) هلاهلُهاوالهور مازال محروساً بعلوانِ!يا أمَّ روحي، وقد أحيَيتِ قافيتيبما أعَدتِ لها مِن زهوها الفانيوعُدتِ ستّين عاماً بي.. وها أنذاطفلٌ إليكِ حَبا في عامة الثاني!________________
هوامش:
علي الغربي، والمجر : من أقضية محافظة ميسان.
مسعود : هو مسعود عمارتلي. مغني العمارة الشهير.. وأشهر أغانيه (وين رايح وين.. وين الوعد وين).
السيباط : سرير يُرفع بعمودين.. وهو مشهور في العمارة.
المطبج : مزمار مزدوج يُصنع من القصب.
السرية : محلة في العمارة عاش فيها الشاعر طفولته.
الفيصلية : مدرسته الابتدائية التي درس فيها.
أنور خليل، وكاظم التميمي: من أشهر شعراء العمارة.. توفيّا.
لميعة : لميعة عباس عمارة. الشاعرة المشهورة.. وفي البيت إشارة إلى ديوانها (لو أنبأني العراف).
الشيب والفكة : موقعان في العمارة دارت فيهما أشرس المعارك بين العراقيين والإيرانيين.
تسواهن : بطلة الأهوار المشهورة.





