السرد الروائيّ المفتوح – قراءة في “امرأة الرسالة” لرجاء بكرية| د.محمّد صابر عبيد

تتباين أساليب السرد الروائيّ الحديث تبايناً كبيراً بين تجربة روائيّة وأخرى، وبين روائيّ وآخر، وبين رواية وأخرى، بحسب أدوات النظرية والطريقة والرؤية والمنهج والأسلوب التي يتبنّاها كلّ روائيّ وتخضع لها كلّ تجربة روائيّة، ولو حاولنا التفصيل في خصوصيات هذه القضية الفنيّة الشائكة وإجراءاتها لاحتجْنا إلى مجلّدات لا حصر لها، لأنّ الزخم الروائيّ الهائل الذي تنتجه المخيّلة/الماكنة الروائيّة العربيّة سنوياً تتجاوز المعقول بكثير لفرط الأعداد الأسطوريّة –غير المسبوقة- للروايات المنشورة، وهذا بلا أدنى شكّ سلاح ذو حدّين: الحدّ الأوّل يمكن وصفه إيجابياً في سياق ضرورة وجود كمّ هائل من النتاج الروائيّ يسمح بتكوين ظواهر أساسيّة في هذا الفنّ، إذ من دون وجود عدد كبير من الروايات لا يمكن التوصّل إلى مرحلة الكشف عن ظواهر خاصّة بهذا الجنس الأدبيّ وترسيخها وتكريسها، والحدّ الثاني سلبيّ يتمثّل في أنّ المتميّز من هذا الحشد العظيم من الروايات قد يكون قليلاً جداً، وسط ركام لا أوّل له ولا آخر من كتابات مجانيّة لا علاقة لها بالفنً يصنّفها أصحابها –تجوّزاً- على أنّها روايات.
تخضع رواية “امرأة الرسالة” لرجاء بكرية (دار الآداب، بيروت، 2007) في منطقها الأسلوبيّ التعبيريّ لإنشائيّة اللغة السرديّة، وهي تحمل حدثاً عاطفياً وجدانياً لامرأة تحوّلُ حياتها كلّها إلى تجربة حبّ تتفوّق على الذات والموضوع وكلّ شيء، وتفرض صورتها بما يستجيب لحالة امرأة عاشقة تنتمي إلى رسالتها انتماءً مطلقاً بلا حدود ولا حواجز ولا مصدّات، ينفتح فيها الراوي “الأنثى” على طاقة ضخّ عاطفيّ قد تعيق نموّ الحادثة الروائيّة أحياناً، ويسترسل هذا الراوي في بثّ حُزَمٍ مضيئة من مشاعره الوجدانيّة الممتدّة في بعض تجلّياتها إلى حدود التصوير الإيروسيّ، فيقدّم نموذجه السرديّ على النحو الذي يُسخّر الفضاء الروائيّ بمجمله لخدمة هذه المشاعر والإرهاصات والتمنّيات والأحلام والوقائع معاً.
يختصر عنوان الرواية التضايفيّ الخبريّ “امرأة الرسالة” طبقات عديدة من تجربة السرد والحكي والوصف والحوار، إذ بدا الراوي وكأنّه يقرأ هذه الرسالة من بداية الرواية حتّى نهايتها على الرغم من أنّ ثمة رسائل قصيرة مدوّنة في زوايا هذه الرسالة الكبيرة، فالخبر المُنكّر “امرأة” يحيل على الجنس الأنثويّ ولا يتمّ تعريفه إلا بالإضافة “الرسالة”، كي يتمّ تشكيل عتبة العنوان على أساس حساسيّة الانتماء بين طرَفَي التضايف، بحيث تظلّ شخصيّة الأنثى المُعلّقة في ثريّا العنوان أهمّ بقعة سرديّة أرجوانيّة في الرواية، إذ ستكون هي: الراوي بنمطيه الذاتيّ والموضوعيّ “كلّي العلم”، والشخصيّة المحوريّة الرئيسة الطاغية والحاضرة في طبقات السرد وظلاله وزواياه وطيّاته، ولا تظهر الشخصيّات الأخرى إلا على النحو الذي تسمح به هذه الشخصيّة وتوجّهه وتسوّغه وبما يستجيب لرغبتها داخل أفق الحادثة الروائيّة.
ترتفع عتبة الإهداء في الرواية إلى مرتبة شعريّة تقترب كثيراً من لغة الشعر وتتناغم كثيراً أيضاً مع حساسيّة اللغة السرديّة العامّة في المتن الروائيّ، ويتوجّه خطاب الإهداء نحو “مُخاطَب” مذكّر من مُرسِل مؤنّث يحيل أولاً على “امرأة الرسالة”، ويحيل ثانياً –وضرورةً- على منطقة المؤلّف الحقيقيّ “رجاء بكرية” بِحُكم التوافق والانسجام والشكل والإيحاء والتأويل، وثمّة استغراق أوّليّ عنيف في توجّه الخطاب نحو “المُخاطَب” ينتهي في خاتمته إلى نوع من الإزاحة لصالح المكان “عكا”، في نوع من تخفيف الضغط العاطفيّ عن طريق استحضار المكان ووضعه في الصدارة على هذا النحو المشحون بالدلالة والقيمة:
“إليك ثمّ إليك ثمّ إليك
هل علّقتْ قبلي امرأةٌ بدنَ شوقها جسراً لعبور العشق. أحبك.. هل سمعتها دافئة النبض هكذا كغوص نقطة في سطر؟
إلى عكّا وإليك”
يبدأ السطر الأوّل من عتبة الإهداء بتكرارٍ مُوقّعٍ ضمن آليّة تحرّض فعل التلقّي على التمركز حول ضمير المُخاطَب، بوصفه كُلاً شديد الاستحواذ “إليك ثمّ إليك ثمّ إليك”، بحيث جاءت الجملة الاستفهاميّة الطويلة اللاحقة “الشارِحة” وكأنّها زائدة ولا تضيف شيئاً “هل علّقتْ قبلي امرأةٌ بدنَ شوقها جسراً لعبور العشق. أحبك.. هل سمعتها دافئة النبض هكذا كغوص نقطة في سطر؟”، إذ ليس لها قيمة شعريّة يمكن إضافتها إلى الجملة الأولى سوى فتح أفق التعبير الإهدائيّ على مساحة سرديّة أوسع للفيض الوجدانيّ الذي يحكم اللغة من البداية، وحين يشعر الراوي الإهدائيّ بضغط الانسياح الوجدانيّ على هذا النحو يلجأ إلى حيلة سرديّة، يقلّل فيها من زخم هذا التوجّه المطلق نحو جنون الحبّ باستدعاء المكان ووضعه قناعاً أمام ضمير المُخاطَب “إلى عكّا وإليك”، بحيث تكون “عكّا” أولاً، والضمير ثانياً، في حركة ملتبِسة لا يبرهن المتن السرديّ كثيراً على صحّة فرضيّتها في الميدان.
تنطوي عتبة الاستهلال في رواية “امرأة الرسالة” على خطاب الأنوثة القادم من جوهر فكرة الحبّ في نموذجها الفِطريّ العفويّ الأبيض السليم، وهو يسعى إلى إعادة إنتاج هذه الفكرة في زمن العولمة وقد أفاض ماركيز قبل ذلك بروايته “الحبّ في زمن العولمة”، لكنّ خطاب رجاء بكرية موجِع في صراحته وجرأته ووضوحه وصدقه وتجربته، ويبرهن المتن النصيّ على خطاب الاستهلال الروائيّ برهنة كاملة على الرغم من حضور معالم العولمة في حراك التفاصيل السرديّة، وقد جاء الخطاب الاستهلاليّ أشبه بقصيدة وجدانيّة تُعلي من شأن الحبّ وتعيد إليه ألقه ورونقه وحساسيّته المرهفة الأنيقة الجاذبة:
“في القرن الواحد والعشرين يا سيّدي ستعثر على امرأة واحدة على الأقلّ يفتنها شكل الورق، هي أنا. لا تؤمن تماماً بالحضارة ولا بالعولمة، بل ربّما بالعودة قليلاً إلى الخلف. أوّل الأشياء بسذاجتها المطلقة، كي تتخيّل أوّل مرّة قبّل فيها رجل امرأة بشغف من دون أن يكون بحاجة لكلّ النظريات الفارغة في فتح شهيّة الحبّ وصناعة مقبّلاته. في عصر التخلّف يا سيّدي كان الحبّ ممارسة لا يهجس في تعريفاتها أحد. ومنذ أن أصبح علماً مستقلاً ومعقداً استقال من كتلة الأعصاب التي تتحرّك بنا، وأقالنا نحن منه. جلس في أحذيتنا اللامعة ومشى معنا إلى كلّ مكان خلاف المكان المخصّص له. ولذلك قرّرت في يوم الحضارة هذا أن أصبح امرأة تمتهتن التخلّف بفنيّة عالية وتكتب لك بأظافرها المتّسخة هذه الرسالة”
يعكس خطاب الاستهلال الروائيّ هنا صورة الصراع التقليديّ “القيميّ” البارز بين الماضي والحاضر، بين الطبيعة والحضارة، بين الأنا والآخر، وبين كثير من الثنائيّات الضديّة التي تضرب بظلّها على مساحات شاسعة من إحساس الإنسان ووعيه وانتمائه لذاته، ورسالة الرواية كما تبدو في عتبة الاستهلال ذات هويّة سرديّة خاصّة تحيل على قضية الحبّ في شغفها الأوّل، وطرافتها الأولى، وطينِها الأوّل الخالي من الشوائب، هكذا يريد الراوي الأنثويّ الصريح أن يدوّن عواطفه الراعفة بأظافر متّسخة بالولع والجنون والتحدّي.
يمكن وضع تعريف بسيط وابتدائيّ لكنّه عميق وأصيل في الوقت نفسه؛ يتلخّص في أنّ الرواية لغة زائداً صنعة، بكلّ ما بينهما من تفاعل وتلاقٍ وتعاضد وتعاشق وحراك وعمل ومهارة وحيويّة ونشاط، وأيّ انفراد لأحدهما على حساب الآخر سيسهم في انفراط عقد هذه العلاقة التي تؤلّف بنيان العمل الروائيّ الأصيل، فاللغة الروائيّة بطاقتها الشعريّة يجب أن تأتي من أعماق الصنعة واستجابة لطبيعتها وأدواتها في العمل، مثلما على الصنعة أن تتلاءم تماماً مع حساسيّة اللغة الروائيّة وتحشد ما تمتلك من أدوات داخل حدود هذه اللغة ومعطياتها وأولوياتها وقضاياها، في السبيل نحو بلوغ أعلى طبقة ممكنة من الانسجام والتفاهم والصيرورة السرديّة بينهما، للوصول إلى متن روائيّ متكامل من حيث أساسيّات البناء وضرورات التشكيل الفنيّ والجماليّ.
تشكّل اللغة الشعريّة في السرد الروائيّ مَطَبّاً أسلوبيّاً خطيراً لا يمكن الخلاص منه بسهولة إذا ما هيمن على فضاء التعبير السرديّ بانسياحٍ غير محسوب، وقد يسهم كثيراً في إفساد العمل حين لا ترتقي الصنعة السرديّة إلى مصاف شعريّة التعبير اللغويّ السرديّ، فلا بدّ من تناسق وتفاعل وتكافؤ إجرائيّ بين اللغة والصنعة يحصل على مائدة السرد الروائيّ بكفاءة عالية ودينامية مُنتِجة، وأيّ خلل في درجة التفاهم والصيرورة السرديّة بينهما سينعكس سلبياً على مستوى نجاح الرواية وقيمتها الفنيّة والجماليّة.
الرواية “امرأة الرسالة” قصيدة طويلة يحملها مونولوج داخليّ يكثّف سرده الذاتيّ بانتشارٍ وتشظٍّ وتموّجٍ وهو يصعد إلى أعلى مراحله حين يكون الراوي ذاتياً، على النحو الذي يبدو فيه النصّ أحياناً وكأنّه يخرج على أعراف السرد الروائيّ ويلج في حدود جنس أدبيّ مختلف ومغاير، فثّمة طوفان لغويّ إنشائيّ يحطّم ما يصادفه من سدود سرديّة تحاول إيقاف هذا التدفّق الهائل لصالح جسد السرد وحاجته الماسّة للتشكيل، وكأنّه جملة طويلة واحدة تبدأ ولا تنتهي من شدّة ما تحمله من كلام مشحون بالتجربة والعاطفة والانفعال والثورة والتمرّد، وهذه الرغبة الجامحة في الحكي والقول والتصريح والاعتراف والصراخ تتعالى فوق الحاجة، وترتمي في أحضان المتن بإذعانٍ يشبه على نحو ما فعلاً من أفعال الانتحار.
يتسيّد الراوي الذاتيّ الأنثويّ المهيمن على مطالع الرواية كي يضع شخصيّة “نشوة” -بوصفها الحقيقة السرديّة الوحيدة الراهنة في الرواية- موضع الاستحواذ المطلق، فهي كلّ شيء داخل حدود العمل لأنّ الشخصيّات الأخرى المُصاحِبة لها -ولاسيّما الذكوريّة بالدرجة الأساس “غسّان صقر/وائل/كاظم”- ليست سوى صدى لشخصيّة “نشوة ظافر”، تتباين في حجم حضورها وتوجيهها وتجلّيها بين طبقة سرديّة وأخرى، فهي التي تهيمن على المنظور السرديّ وتضبط إيقاعه وتوجّه مساراته وتمنح فضاءاته من بركاتها ما تشاء، فلا شخصيّة غيرها يمكن أن تحظى بقدرٍ من الحضور من غير ما تتكرّم به عليها، وهو ما يشجّعنا على اقتراح مصطلح “رواية الشخصيّة الواحدة” وصفاً لهذه الرواية.
تتحرّك شخصيّة “نشوة” بانتشارٍ سرديّ طاغٍ على مساحات المتن السرديّ في ظلّ استحضارها لشخصيّة “غسّان” بوصفها المحور الأوّل والأبرز، فهو المعشوق المحوريّ المركزيّ الذي تلتئم به وحوله انطلاقات السرد العشقيّ الأيروسيّ، وبما أنّ هذه الشخصيّة وهي تحتلّ الأولويّة في دائرة الحبّ لدى “نشوة” غير متفرّغة تماماً لهذا العشق، بسبب المسرح والارتباط الأسريّ بزوجة أجنبيّة والبعد المكانيّ بين العاشقين، على النحو الذي يضطر “نشوة” للبحث عن بدائل بحسب الظروف والمصادفات فتقع على شخصيّة “وائل” السلبيّة التي لا تفي بالغرض، ليبقى ظهورها في مسرح السرد محدوداً وهامشياً ضمن استدعاءات قليلة يُلقى الضوء فيها على ثانويّتها، في حين تظهر شخصيّة “كاظم” على مساحة أوسع وأكثر حضوراً وفعلاً وحيويّة، بحيث تستطيع أن تعوّض نسبياً عن غياب شخصيّة “غسّان” في دائرة الحدث الروائيّ.
بمعنى أنّ “غسان” هو المعشوق المحوريّ في الرواية في حين تلعب شخصيّتا “وائل” و”كاظم” دور المعشوق البديل في حالة الهدنة، إذ تنغمس “نشوة” داخل فضاء إيروسيّ مُخلِّص مع كاظم في الوقت الذي تتمنّى على “وائل” أن يؤدّي معها أقلّ ما يمكن من هذا الدور، لكنّه جبان عاطفياً حيث أكّد ذلك في زواجه الاجتماعيّ من ابنة رئيسه في العمل، فهو لا يصلح أبداً لعاشقة مجنونة بفكرة العشق مثل “نشوة” وقد وجدت في كاظم عشيقاً ناجحاً لأداء الدور المطلوب، حين ترغب بدحر شخصية غسان في داخلها وهزيمته.
تناوبتْ إطلاقاتُ السرد بين الراوي الذاتيّ الأنثويّ على لسان شخصيّة “نشوة” والراوي كليّ العلم الذي يروي من الخلف، وهو على معرفة دقيقة بمجمل الحراك السرديّ وتفاصيله الدقيقة على نحوٍ عارِفٍ وغزير وكامل وشاسع، إلى الدرجة التي لا يمكن لقارئ الرواية أن يفصل كثيراً بين نمطَي الراوي وكأنّهما راوٍ واحد في درجة من درجات السرد، لأنّ مناخ المروي ومزاجه وجوّه يكاد يكون واحداً بأدق التفاصيل وأكثرها حرارة وسخونة، إذ تبدأ الرواية بهيمنة الراوي الذاتيّ الأنثويّ، ثمّ ما تلبث أن تنتقل نحو الراوي كليّ العلم، وتعود في لقطات معيّنة نحو الراوي الذاتيّ، من دون أن يؤثّر ذلك على انسيابيّة السرد لعدم وجود فاصل ميدانيّ سرديّ بينهما، فما الراوي كليّ العلم في نهاية المطاف سوى الراوي الذاتيّ وقد تقنّع جزئياً بقناع الراوي كليّ العلم، لأسباب تتعلّق بالتنويع في رواية الحدث لاكتمال صورة اللعبة الروائيّة.
تفسّر اللقطة الأخيرة التي تسدل الستار على مسرح السرد في الرواية منهجيّة الفعل الروائيّ في “امرأة الرسالة”، وهي منهجيّة تنهض على ما يمكن الاصطلاح عليه هنا “الهذيان السرديّ العشقيّ” الذي يطغى على آليّات السرد وتقاناته وعناصره:
“توقّفت مقابل خارطة السنوات التي زحفت خلفها، وأعادت قراءة ما كتبت. كأنّها تقرأ ما تعرف أنّه يسمعه. ثمّ وقّعت نفسها كأوّل مرّة، “امرأة الرسالة”. وعلى المغلّف حفرت اسم “عكّا” واضحاً كموج قلب كأنّه آخر ملجأ للذاكرة من السلب، وللحبّ من الفقد.”
تؤول “امرأة الرسالة” في لقطة الخاتمة إلى عبارة تكتظّ بالضياع والفقدان والهزيمة “كأنّه آخر ملجأ للذاكرة من السلب، وللحبّ من الفقد”، ويظهر المكان “عكّا” وكأنّه الملاذ بعد رحلة الإخفاق العشقيّ وقد آلَ إلى لا شيء، إذ يستعيد الراوي الذاتيّ مجريات الأحداث وصولاً إلى عتبة الإهداء حيث يغيب ضمير المُخاطَب المثلّث “إليك/ثمّ إليك/ثمّ إليك”/غسّان/وائل/كاظم”، ويبقى المكان المتجذّر في الذاكرة والوعي والحلم: “عكّا” حاضراً من دون الثلاثة أو حتّى “الواحد في ثلاثة”، وكأنّ السيرة تتوقّف لحجم كارثيّتها عند هذا الحدّ كي تخرج “امرأة الرسالة” من ثوبها الورقيّ، وتكون “امرأة” نكرة بلا أيّة رسالة تُذكَر.
الفضاء السرديّ في الرواية هو فضاء قصصيّ أكثر منه روائياً بسبب انحسار حجم المحكي السرديّ في العمل، فضلاً على محدودية المكان وتمركز الرؤية حول قضيّة مُبأرة غير قابلة للانفتاح على مساحة خصبة وثرّة، وثمّة تكرارات لا حصر لها تعيد فيها العاطفةُ الأنثويّةُ إنتاجَ محكياتها في تناظر دلاليّ مشترَك، على النحو الذي يسهم على صعيد التشكيل اللغويّ السرديّ في تضييق المعجم وترشيده وموضَعَته، فهو ينفتح على الأفق الإنشائيّ لكنّه في الوقت نفسه يُحجّم حِرَفيّة التشكيل وكفاءة البناء، إذرعُنيَت الرواية بالاستجابة القصوى لثورة الجسد المقترنة بثورة الروح مهما كانت حصيلة الخسائر.
ولعلّ وجود مفردة “الرسالة” في عتبات العنوان وما جرى عليها من تنويعات وتسويغات ومبررات، عَبَرَ بالمحكي الروائيّ من ضفة “التشكيل” بطاقتها الشعريّة المعروفة، إلى ضفة “التعبير” بطاقتها الإنشائيّة الطوباويّة الكثيفة، فوصلت “امرأة الرسالة” في نهاية المطاف إلى “رسالة المرأة” في تداول سيميائيّ ممكن أو محتمَل بين طرَفَي التضايف.





