مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

صيف المبدعين✍️الكاتبة فوزية بن حورية

صورة لامرأة ترتدي نظارات وقميصاً كلية، تجلس في بيئة داخلية مع إضاءة طبيعية، وتظهر ملامحها الجادة بينما تبتسم قليلاً.

كانت سماء الصيف حديقة من الأسرار و الخيال

تتركنا عيوننا معلّقة، نسبح في الخيال، كلّ واحد منّا يحاول فكّ أسرار صعود “سارق التّبْن” إلى السّماء، نحاول فهم قدرته الخارقة على قطع تلك المسافة دون أن يسقط على رأسه أرضا .

التقيتُ الأستاذ فرج شوشان في الإذاعة لتسجيل القرآن الكريم ،بعد التلاوة اقترح عليّ المشاركة في مسرحية “رابعة العدوية ” ومن فرحي نسيت ترك معطياتي فضاعت الفرصة

تونس-الشروق-وحيدة المي

كلّ شيء يرسخ في ذاكرة الطفل حتّى تلك التفاصيل الصغيرة والتأمّلات التي تُحدث دهشته وهو يُحاول فهْم ما يحيط به وفكّ أسرار الكون. من هنا يتكوّن خزين الذّكريات ، وتحمل الذّاكرة العجيبة تفاصيل الأمكنة والوجوه والتواريخ و الأسماء و الأحداث والقصص الصغيرة، وقد اختارت الكاتبة والشّاعرة فوزية بن حورية أن تحملنا إلى رحلة إلى السّماء وهي تحاول فكّ ألغاز ” سارق التّبن ” والنّجوم في ليال صيفيّة كانت تحرّض في ذلك الزّمن النقيّ الأطفال على التأمّل والانتباه وقراءة كلّ ما يدور من حولهم حتّى تلك الأشياء البسيطة والمُعقّدة… معها حدّثتنا عن بدايات توسيع خيالها في تأمّلات صيفيّة وانتهائها شاعرة وكاتبة…

بحلول الصيف ينفرج بابا في الذّاكرة وتُفتح نوافذ وعوالم لا يمكن أن تطمسها الأيام ، تظل راسخة في الذهن رسوخ الرّوح في الجسد. ذكرياتي كانت جميلة ورائعة تفرض نفسها عليّ وتتربّع في هذه اللحظة وأنا أكتب عنها بانتشاء وحنين. كانت السّاعة تشير إلى التاسعة ليلا حين أنهينا تناولنا العشاء في الصالون الخارجي في ليلة اخترق فيها النّسيم المنعش النوافذ متسللا في حركات متأنية تتراقص لها الستائر البيضاء في هزّات رقيقة كراقصة غجرية، وأحيانا تتطاير إلى الأعلى كحمام أبيض يبسط جناحيه … كان الصالون الخارجي الشاسع يضمّنا صيفا، و تلك الستائر توحي لي بتلك الصور الجميلة، نستقبل الصيف على غير شتاء كان يجمعنا في غرفة الأكل بنوافذ محكمة الغلق خشية تسرّب الهواء البارد…

إنه فصل الصيف، الضيف اللطيف ،خفيف الظل كما تقول أمي رحمها الله. فصل يتغير فيه إيقاع الحياة رأسا على عقب حتّى التلفاز لا نهتم به ، نتجاهله تماما ما عدا أبي كان المتابع الوحيد للأخبار الرئيسية الثامنة مساء، ونشرة منتصف الليل، في حين تنصرف أختي الكبرى إلى كتاب مطالعة ، وأنصرف وأخي إلى ما بقي من صفحات بيضاء في كرّاس التمارين نلعب لعبة تعبئة المربعات ، نحدد حدود اللعبة، وننطلق أنا بقلم جاف أحمر و هو بقلم جاف أزرق نرسم علامة تقاطع داخل المربعات. كان الجو في الليل الصيفي رائعا ومنعشا ، نقضي في الرواق الخلفي السهرة و رائحة الياسمين تعبق بالمكان ، أتمدّد و إخوتي على “قياس نابلي” لا يخلو منه منزل في الوطن القبلي ، (وهو حصير من عشبة السمار)، ونظل نتمتع برؤية النجوم ودرب التبانة وكأنه طريق أبيض يشق كبد السّماء… كانت أمي تشير بسبابتها إلى السماء تحدّثنا عن ذاك الخط ،تشدّ انتباهنا وهي تسألنا عن اسمه ، تصمت وهي تنتظر منا من يذكر اسمه أو من يسألها عن أسراره… نلتفت إلى بعضنا البعض ونحن نتبادل النظرات في حيرة، ينحني أخي موشوشا يسألني عن اسمه ، لا أجيبه فيلجأ إلى الصمت على مضض. أذكر كيف كانت أمي تنتظر منا الإجابة و عيوننا معلقة في السّماء ، ثمّ نرد عليها بصوت واحد: نعم نراه ، وننتظر أن تخبرنا عنه . لا تتركنا طويلا للدّهشة لتقول إنه “سَرّاق التبِنْ” ، يقاطعها أخي جمال الشّغوف بحب الاطلاع على صغر سنه و يسألها بنظرات حائرة :” يعني الخط الأبيض هو قِطع التبن التي سقطت من حمولة السّارق؟، تضحك أمي حتى تظهر نواجذها و ترتدّ برأسها إلى الوراء وتواصل شدّ انتباهنا إلى نجمة لامعة وهي تختبر مدى قوة تركيزنا ، منّا من يجيبها بالنفي ومنّا من يجيبها بالإيجاب، تصرّ على الانتظار ، تُمهلنا الوقت وعيوننا جميعا في السّماء ولمّا لا تجد إجابة تخبرنا أنّ النّجمة الثابتة الأشد لمعانا من غيرها تسمّى ” النجمة القطبية” وهناك نجمة الزُّهرة . كان أخي نهِما ، محبّا للسّؤال يتطلّع بعنقه إلى نجمة ملاصقة للهلال وهو يعتمد على يديه إلى الوراء ويسأل عن إسمها ،تصمت أمي وتنسحب بذكاء إلى داخل المنزل لقضاء بعض الشؤون و تتركنا في الرواق الخلفي كل واحد منّا يسبح في خياله ويحاول فكّ أسرار صعود سارق “التّبْن” إلى السّماء وقدرته الخارقة على قطع تلك المسافة وكيف لم يسقط على رأسه على الأرض ، ولماذا اختار أن يعرج إلى السّماء !!.يأخذنا الخيال ونغرق في التأويل ، منّا من يقول إنه يعتمد على سلّم سحري مغناطيسي لا يُرى… ومنا من يتحدّث عن قوّته الخارقة، و نظل نتجادل في الخيال جدالا لا يأتي في النهاية بنتيجة..

كانت السّماء كبساط لامتناهي موشّى بنجوم لا يعلم عددها إلا الله، تلمع وتشعّ و أحيانا تمرّ الشّهب كالسّهام بسرعة عجيبة. كانت تقول أمي: “النجمة ترجم الشيطان الذي يسترق السّمع”، نحاصرها بالأسئلة رغبة منّا في الفهم ، ولما نلح عليها ولا تجد مخرجا تقول : “عندما تكبرون وتجتهدون في الدّراسة ستفهمون الحياة و تحصّلون المعرفة لفهم أسرار الكون ثمّ تتركنا ككل مرة للحيرة والتأويل والخيال نتساءل فيما بيننا وهي تراقبنا في صمت، نتبادل النظرات في استغراب وذهول، ولم تكن عقولنا الصغيرة تستوعب قصص سارق التّبن والشّيطان المُسترق للسّمع ..

نعم هكذا كان الصيف ، صيف الخيال واكتشاف بعض أسرار الكون ، والترويح عن النفس. فصل نتخلّص فيه من الإرهاق الجسدي والتعب النفسي وتحل محلّه عطلة مطوّلة تمنح الجسد الراحة والاسترخاء والتحرّر من ضغوط التوقيت المدرسي ، حيث يحلو اللعب و الترفيه والسّمر والمرح ولا نفوّت على أنفسنا حتّى القيلولة، فقد كانت موعدنا نحن الإخوة لممارسة هواياتنا وألعابنا ذات الطابع المعرفي الإبداعي، نستغلّها للاستمتاع وفي نفس الوقت نتعلّم منها ، وكانت أمي رحمها الله تشدّ انتباهنا للأشياء وتدعونا إلى التأمّل والتفكير وتحرّض عقولنا الصغيرة على الخيال… تلك السّماء الصيفية كانت حديقة من الأسرار والخيال مما غذّى رغبتي في الكتابة.

كتبت محاولات في الشّعر وأنا في الابتدائي باللغتين ، ثمّ راسلت برنامج الدكتور المنجي الشملي ” الأدباء الناشئين” في الإذاعة الوطنية مع الكاتبة هند عزوز رحمهما الله . ثم تدرجت نحو المشاركة في الأنشطة الثقافية في دار الثقافة بقليبيه في آخر السنة الدراسية صحبة والدي رحمه الله، ولا نعود إلى المنزل في حمام الأغزاز إلا بعد منتصف الليل… ترددت على فضاءات كثيرة ، وخاصة المكتبة الوطنية بالعطارين، كانت تشدني الفهارس التعريفية للكتب وكنت أرى اسمي في تلك الصناديق المعدنية رمادية اللون مكتوبة على الجذاذات من بين الكتاب فأحلم وأنتشي .أذكر أنني قصدت دار الإذاعة لتسجيل القرآن الكريم والتقيت الأستاذ فرج شوشان رحمه الله وبعد إنهاء التلاوة اقترح عليّ التمثيل في مسرحية إذاعية بعنوان “رابعة العدوية ” ومن فرحي نسيت ترك معطياتي وخرجت والدنيا لا تسعني من الفرح ، لكن الفرصة ضاعت في زمن لم يعرف الهواتف المحمولة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading