دراسات أدبية

شؤون نسوية في السينريو – تغريد نديم عمران _ سوريا

امرأة تجلس في مكتبة وتقرأ كتاباً بعنوان "جميلة"، ترتدي سترة خضراء وتظهر بتركيز.

ليس الهايكو _ السينريو  مساحة للبوح الصريح، ولا منصة للاحتجاج المباشر، لكنه — في تجارب شاعرات عربيات — يتحوّل إلى حقل دقيق تشتغل فيه الأسئلة النسوية بهدوء، عبر التفاصيل الصغيرة، والأشياء المهمّشة، واليوميّ الذي غالباً ما يُستبعد من “الشعر الكبير”. هنا، تتكلم المرأة  بوصفها عيناً ترى، وذاكرة تحفظ، وجسداً يعيش الزمن.

في هايكو مريم لحلو:

نهاية الإرسال

منديل أمي

يغطي التلفاز القديم

تدخل الأم بوصفها حضوراً منزلياً صامتاً؛ منديلها أكثر من  مجرد قماش، إنه فعل رعاية وحفظ، وإغلاق لفضاء عام (التلفاز) بلمسة خاصة. الأنثوي هنا  ممارسة يومية: تغطية، صون، وإنهاء ليوم طويل.

” نهاية الإرسال ” تبدو أيضاً نهاية لضجيج الخارج، وبداية لسلطة السكون التي تديرها يد الأم.

أما خديجة وناس، فتكتب:

سوق الخضار-

طويل

حديث زبونتين

المشهد بسيط لكنه كثيف الدلالة. السوق فضاء نسوي بامتياز، وحديث   ” زبونتين ”  يُترك بلا مضمون، كأن الشاعرة تشير إلى أن مجرد هذا التبادل العابر يستحق أن يُرى ويُكتب. الهايكو هنا يمنح شرعية شعرية لما اعتادت الثقافة التقليل من شأنه بوصفه “ثرثرة”، بينما هو في الحقيقة شكل من أشكال بناء العلاقات وتبادل الخبرة اليومية.

أما ديمة ناصر فتقول:

في الطريق إليك

لا صوت لبراعم الليمون،

لكنّها تتفتّح!

الأنوثة هنا مرتبطة بالصيرورة . التفتح يحدث في صمت، بعيداً عن الأنظار، مثل تحولات كثيرة تعيشها المرأة دون إعلان. السينريو  يقترح استعارة رقيقة للنمو الداخلي، حيث لا يحتاج التغير الحقيقي إلى شاهد.

ويأتي نص تغريد نديم عمران ليُدخل الجسد الأنثوي إلى المشهد عبر لغة حسّية لافتة:

دكان العطار ؛

تتلمظ حجر البيلون

امرأة حبلى

المفردات مشبعة بالإيحاء؛ فعل “تتلمظ” ينقلنا إلى منطقة الرغبة البدائية المرتبطة بالحمل، تلك الشهية الغامضة التي تتجاوز المنطق. حجر البيلون — الصلب والأرضي — يتحول إلى موضوع اشتهاء، كأن جسد الحبلى يعيد اتصال المرأة بالعناصر الأولى: التراب، الحبوب، وروائح العطارة.

هذا السينريو   يقدّم الحمل بوصفه أكثر من حالة مثالية أو رومانسية، إنه خبرة جسدية كاملة تعيد ترتيب علاقة المرأة بالعالم عبر الحواس. هنا تتجلى نسوية تعترف بالجسد لا كموضوع للنظر، فهو  مركز للإدراك والرغبة.

وفي نص  رشيدة أيت العسيري:

صينية سمك؛

إلى فرن الحارة

ترافقني القطط

يظهر العمل المنزلي كحركة في الفضاء العام. المرأة لا تُحبس داخل الجدران، بل تمشي حاملة يومها، تتقاطع مع الشارع وكائناته. القطط تبدو كرفقة عابرة، لكنها تمنح المشهد ألفة، وتحوّل مهمة يومية إلى لحظة شعرية.

وأخيراً  تكتب مانيا فرح :

هسيس الليل

للمرة العاشرة

أعد قهوتي

نص عن السهر والقلق، وربما عن ذلك الجهد غير المرئي الذي تبذله المرأة في مواجهة أفكارها وحياتها. إعادة إعداد القهوة للمرة العاشرة توحي بذهن لا يهدأ، وبحوار داخلي مستمر. هنا  المرأةنتخلى عن دورها في رعاية الآخرين، و تواجه  ذاتها.

ختاماً

تكشف هذه النصوص أن النسوية في الهايكو_ السينريو  تعتمد على  على حساسية عالية تجاه التفاصيل، وإعادة اعتبار لما هو منزلي، هامشي، صامت، وجسدي. إنها كتابة تستبدل الصراخ بالهمس، والخطاب بالمشهد، وتعيد صياغة العالم من زاوية أقل ادعاءً وأكثر قرباً من الحياة.

في هذا الأفق، لا يصبح الهايكو_ السينريو  مجرد شكل شعري مقتضب..

الهايكو هنا  طريقة مختلفة للرؤية؛ رؤية تلتقط ما اعتدنا المرور عنه، وتمنح التجربة الأنثوية حقها في أن تُرى _ ببساطتها، وعمقها، وغناها الخفي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading