Editor-in-Chief : Dr.Azher S Saleh


Almanar Cultural Journal

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟ أوزجان يشار

606850767 10161570793966710 7369251296912890647 n 1

من زمن السيوف إلى عصر التحفيز

ليس من السهل أن يتحوّل نص كُتب في زمن السيوف والدم إلى مادة تُستخدم اليوم في التحفيز الذاتي وقاعات الأعمال. لكن هذا ما حدث تمامًا مع Sun Tzu.

ليس لأنه قابل لذلك بطبيعته، بل لأن ثقافة العصر لا تقرأ النصوص، بل تقتطعها. وما لا يُقتطع، لا يُستهلك.

ما يجعل قراءة سون تزو اليوم إشكالية، ليس قِدم نصه، بل حداثة سوء فهمه. فالعالم الذي كتب فيه فن الحرب كان عالمًا تُخاض فيه الحروب فعلًا، بينما عالمنا المعاصر يعيش مفارقة أعقد:

نحن لا نحارب، لكننا نفكّر كما لو أننا في حرب دائمة.

هنا تحديدًا تبدأ عسكرة الحياة، لا بوصفها حدثًا عسكريًا، بل بوصفها نمط وعي.

سون تزو وسياقه التاريخي: الحرب كواقع لا كاستعارة

سون تزو، أو سون وو، عاش خلال فترة الربيع والخريف في الصين القديمة، في مرحلة كان فيها الصراع المسلّح حالة دائمة لا استثناء.

نحن لا نتحدّث عن “تحديات” ولا “منافسة”، بل عن دول تنهار، وجيوش تُباد، وقرارات واحدة تغيّر مصير أجيال.

في هذا السياق التاريخي الصارم، وضمن عصر تشو الشرقي، كُتب فن الحرب.

لم يُكتب لإلهام الفرد، ولا لرفع المعنويات، ولا لبناء “عقلية منتصرة”، بل كدليل عملي لقادة جيوش، حيث الخطأ لا يعني الفشل النفسي، بل الخراب الفعلي.

سون تزو كتب في زمن كانت فيه الحرب حقيقة مادية لا تحتاج إلى استعارة.

الجيوش تتحرّك، المدن تُحاصر، والقرارات تُتخذ على أساس البقاء أو الزوال.

لذلك، كان منطقه واضحًا:

إذا كانت الحرب واقعة لا مفر منها، فيجب إدارتها بأقصى درجات العقلانية، لأن أي انفعال زائد يعني دمًا إضافيًا.

تشير السجلات التاريخية، مثل سجلات المؤرخ الكبير لسيما تشيان، إلى أن سون تزو خدم في مملكة وو، وساهم في انتصارات عسكرية حاسمة، أبرزها معركة بو جو عام 512 قبل الميلاد ضد مملكة تشو.

هذا يعني أننا أمام رجل لم ينظّر من برج عاجي، بل كتب من قلب التجربة.

وحتى مع وجود نقاش تاريخي حول دقة بعض التفاصيل المتعلقة بوجوده، فإن أثر الكتاب نفسه لا يمكن إنكاره، إذ ظل يُدرّس في الأكاديميات العسكرية، ثم انتقل لاحقًا إلى مجالات السياسة والإدارة.

الأفكار الأساسية في فن الحرب: علم التجنّب لا التمجيد

لكن المشكلة لا تبدأ هنا.

المشكلة تبدأ حين يُقرأ هذا النص خارج شرطه الأول:

الحرب واقع دموي يجب تقليصه، لا تمجيده.

في فكر سون تزو، الحرب ليست بطولة، بل فشل يجب التعامل معه بعقل بارد.

أفضل قائد ليس من ينتصر في المعركة، بل من يمنعها من الأساس.

لهذا يضع سون تزو في قمة هرمه الاستراتيجي فكرة “النصر دون قتال”.

هذه العبارة، التي تبدو اليوم شاعرية أو سلمية، هي في حقيقتها تعبير عن قسوة عقلية عالية:

إسقاط العدو دون استنزاف الدولة.

كسر تحالفاته، شلّ إمداده، تحطيم إرادته السياسية أو النفسية، قبل أن تُرفع السيوف.

ليس لأن الحرب شر أخلاقي، بل لأنها مكلفة.

حين قال إن “الحرب فشل في الأصل”، كان يضع حدًا واضحًا بين الضرورة والاعتياد.

الحرب، في نظره، استثناء قاسٍ، لا قاعدة للحياة.

معرفة الذات والعدو: أداة كبح لا تحريض

من هذا المنطلق، تأتي أفكاره الأساسية، التي غالبًا ما يُساء فهمها أو تفريغها من معناها.

“معرفة العدو ومعرفة الذات” ليست شعارًا تحفيزيًا، بل عملية تقييم صارمة.

معرفة الذات تعني أن تعرف حدودك بدقّة:

عدد جنودك، قدرتك على الإمداد، طول النفس الذي تملكه، ونقاط ضعفك التي لا يمكن تعويضها.

ومعرفة العدو تعني تفكيكه كمنظومة:

كيف يتحرّك، أين يضعف، متى يخطئ، وما الذي لا يستطيع تحمّله طويلًا.

هذه المعرفة ليست لضمان النصر فقط، بل لتجنّب الدخول في معركة خاسرة من الأساس.

في فن الحرب، هذه المعرفة تُستخدم لتجنّب المعركة غير المتكافئة.

هي أداة كبح، لا تحريض.

الخداع: وظيفة عسكرية لا أسلوب حياة

الأمر ذاته يتكرّر مع مفهوم الخداع.

حين يقول سون تزو إن كل الحرب قائمة على الخداع، فهو لا يشرعن الكذب كسلوك إنساني، ولا يدعو إلى التلاعب في العلاقات اليومية.

الخداع عنده أداة عسكرية محددة الوظيفة:

تقليل زمن الصراع.

إرباك الخصم ليخطئ، فينهار بسرعة.

الخداع هنا ليس قيمة، بل وسيلة قاسية لتقليل القتل.

سون تزو استخدمه كأداة استثنائية في ظرف استثنائي، هدفها تقليص الخسائر.

المرونة: قسوة القرار لا نعومة الشعار

المرونة، التي شبّهها سون تزو بالماء، تُستخدم اليوم كشعار عام عن “التكيّف مع التغيير”.

لكن في النص الأصلي، المرونة ليست تحسينًا تدريجيًا، بل استعدادًا لتغيير القرار جذريًا.

لا توجد خطة مقدسة.

لا توجد وصفة ثابتة.

الأرض تتغيّر، الطقس يتغيّر، العدو يتعلّم.

من لا يغيّر، يُهزم.

هذه المرونة ليست مريحة، بل قاسية، لأنها تتطلب التخلّي عن قناعات سابقة.

الاستراتيجية والتكتيك: وحدة الرؤية قبل صخب الحركة

ويضيف سون تزو بعدًا آخر غالبًا ما يُهمَل:

وحدة القيادة والتنسيق بين الاستراتيجية والتكتيك.

الاستراتيجية بدون تكتيك طريق بطيء للنصر،

والتكتيك بدون استراتيجية ضجيج يسبق الهزيمة.

هذه ليست حكمة عامة، بل توصيف دقيق لفشل عسكري متكرر:

الانشغال بالتفاصيل دون رؤية شاملة.

كل هذه الأفكار، حين تُقرأ كنظام واحد، تكشف أن فن الحرب نص تحذيري قبل أن يكون نصًا إرشاديًا.

التوظيف المعاصر: من التجنّب إلى العسكرة

أما اليوم، فنحن نعيش وضعًا مقلوبًا:

الحرب غائبة في معظم تفاصيل الحياة اليومية، لكن لغتها حاضرة في كل شيء.

العمل حرب،

السوق حرب،

العلاقات حرب،

النجاح حرب،

وحتى تطوير الذات يُقدَّم كمعركة مستمرة.

في هذا السياق، يُستدعى سون تزو لا لأنه يناسب الواقع، بل لأنه يمنحه شرعية فكرية.

تُستخدم مفاهيمه لتغذية خطاب يقوم على الصراع الدائم، وكأن الإنسان الحديث لا يستطيع فهم ذاته إلا باعتباره مقاتلًا.

لكن المفارقة العميقة هنا أن سون تزو نفسه كان يحاول، بكل أدواته، تقليل منطق الحرب لا تعميمه.

إعادة التدوير: من التحذير إلى التحفيز

في الثقافة الحديثة، خضع سون تزو لعملية إعادة تدوير.

جُمله القصيرة قُطعت من سياقها، وأُعيد تقديمها كحِكم تصلح لكل زمان ومكان.

تحوّل الحذر إلى تحفيز،

والمنع إلى تشجيع،

والتحذير إلى دفع أعمى نحو المواجهة.

في المحتوى المعاصر، تُختزل المعرفة إلى “ثق بنفسك”.

يُسقَط التحليل، ويُبقى على الشعور.

وهذا انقلاب خطير في المعنى.

سون تزو لم يكن يثق بالمشاعر، بل بالأرقام والتقدير الواقعي.

الثقة غير المبنية على حساب، في منطقه، ليست شجاعة بل تهوّر.

الخداع والهيمنة: حين تصبح الحياة ساحة حرب

الأمر ذاته ينطبق على مفهوم الخداع حين يُنقل إلى الخطاب التحفيزي أو الإداري.

يتحوّل إلى تبرير لسلوك عدواني دائم، وكأن العالم كله ساحة حرب.

في الحياة المعاصرة، صار الخداع جزءًا من “الذكاء الاجتماعي”،

ووسيلة للبقاء في بيئات تُقدَّم باعتبارها ساحات تنافس شرس.

وهكذا، يتحوّل الإنسان من كائن أخلاقي يتفاعل،

إلى كيان استراتيجي يخطّط،

حتى في أكثر العلاقات حميمية.

الانتصار دون قتال: المفهوم الذي فُقد معناه

أما فكرة “الانتصار دون قتال”، فقد فقدت معناها الأصلي بالكامل.

في النص الأصلي، تعني تحييد العدو قبل أن تبدأ الحرب.

في النسخة الحديثة، تُستخدم أحيانًا لتجميل الانسحاب القسري،

وأحيانًا أخرى لتبرير الهيمنة الصامتة.

وفي الحالتين، يغيب جوهر الفكرة:

الانتصار الحقيقي هو تقليل الدمار، لا إعادة تعريفه لغويًا.

عسكرة الحياة: حين يتحوّل الاستثناء إلى هوية

ثقافة التحفيز، التي تتغذّى على لغة الحرب، لا تستطيع قبول هذا المنطق.

فهي تقوم على فكرة الدفع المستمر، والتقدّم مهما كان الثمن، وتحويل كل عائق إلى “معركة يجب كسبها”.

أصبح الإنسان مُطالبًا بأن يكون دائم الاستعداد،

دائم الدفاع،

دائم الهجوم،

حتى في المساحات التي لم تكن يومًا ساحات صراع.

عسكرة الحياة الحديثة لا تعني حمل السلاح،

بل تبنّي عقلية الاصطفاف الدائم.

كل موقف يُقرأ باعتباره تهديدًا أو فرصة للهيمنة.

كل علاقة تُفهم كميزان قوة.

كل فشل يُفسَّر كهزيمة يجب الثأر لها.

في هذا المناخ، تُقتلع أفكار سون تزو من سياقها الأصلي،

وتُعاد زراعتها في تربة معاكسة تمامًا لما أراده.

النقد المعاصر والقراءة السياقية

تشير تحليلات حديثة في مجالات الإدارة والاستراتيجية إلى أن استخدام فن الحرب في بيئات الأعمال غالبًا ما يكون مضللًا، لأنه يفترض أن السوق ساحة حرب صفرية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتداخلًا.

كما ينتقد باحثون آخرون هذا الإسقاط، معتبرين أن تحويل العمل إلى معركة دائمة ينتج استراتيجيات عدوانية غير مستدامة.

وفي المقابل، يُقرّ آخرون بقيمة سون تزو، لكن بشرط صارم:

القراءة السياقية لا الاقتباس السريع.

الخلاصة: درس ثقيل في عصر القلق

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة:

سون تزو لا يُساء فهمه بقدر ما يُستخدم ضد نفسه.

يُستدعى اسمه ليقول ما لم يقله،

ويُقصى حين يقول ما لا نحب سماعه.

لأنه يقول بوضوح مزعج:

ليست كل معركة جديرة بالخوض،

وليس كل تقدّم شجاعة،

وليس كل انسحاب هزيمة.

الإنسان الحديث لا يعيش حربًا حقيقية، لكنه يعيش توتّر الحرب.

يعيش لغة الاصطفاف، ومنطق الغلبة، وهاجس الخسارة.

لهذا تبقى قراءة سون تزو الحقيقية غير شعبية.

لأنها لا تمنحك شعور المقاتل،

بل تضعك أمام سؤال مزعج:

لماذا تعيش وكأنك في حرب، بينما لم يُجبرك أحد عليها؟

سون تزو لا يمنحك شعورًا بالقوة،

بل يدرّبك على تجنّب الخسارة.

سون تزو لا يعلّمك كيف تنتصر في الحياة،

بل يعلّمك كيف تمنع الحياة من التحوّل إلى ساحة قتال دائمة.

وفي عصرٍ باتت فيه العسكرة ذهنية لا عسكرية،

يصبح هذا الدرس، بكل ثقله،

أكثر ما نحتاجه…

وأقل ما نرغب في سماعه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading