القصة القصيرة

زينب الزبيدي – رائحةُ خبزِ خالتي بلقيس

A close-up portrait of a woman with short, dark red hair and striking makeup, gazing directly at the camera.

في كل مجازٍ من طياتِ الزمان، هناك معبر ضيق نتسربَ منه كأنّه دعاءٌ قديمٌ علقَ في ذاكرةِ الأرواح.
ولهذا وأنا أكتب عن ذاكرتي الماضية بكل ذلك التوق الماثل أمامي .
فما من شذا أستوطنَ حواسَّ الطفولة كما أستوطنت رائحة خبز خالتي “بلقيس” وتنورها الدافيء، تلك التي كانت تُباغتُ الزقاقَ كله بعبقها قبل خطواتِها، وتطرقُ قلوبَ الجيران قبل أن تطرقَ أبوابَهم. لم تكن تلك الرائحةُ حنطة في تنورٍ فحسب، بل حضناً نازفَ الحنان، يتّقد من ذاكرةٍ تضوع هي بها ولا تستطع أن تُخمدها الأيام.
فما من رائحةٍ شهية علقت في الذاكرة كما علقت رائحة خبز خالتي الطيبة.
كانت تسبقها دائماً، تتسلل من الزقاق قبل أن تصل، وتطرق أبواب البيوت حتى قبل أن تطرق قلوبها. رائحةٌ لا تشبه الخبز فقط، بل تشبه حضناً مفعم بالحنان خرج للتو من الذاكرة.
كنا نركض نحو بابها حين تفتح، فأجد الطحين يغطّي أطراف أصابعها كرمادٍ سماويّ، وهي تمسح بيدها على شعر أخي عباس دون أن تنتبه، فقد كان المفضل لها، تترك على جبينه أثراً يشبه البركة. كانت تعجن لا بالدقيق والماء فقط، بل بالقصص.
فكان لكل رغيفٍ حكاية، ولكل قرصةٍ حكمة، وكانت دائماً تقلب العجين كما تقلب الأيام، تليّنه بضحكتها، وتخبزه على نار صبرٍ لم أجد له شبه في مثيلاتها.
في بيتها، كان الخبز ينضج كما تنضج الروح… بهدوء، بلا أستعجال، ويخرج من التنور منتفحاً، مشقّقاً، كأنّه يهمس لنا : “لقد مرّ الوقت بي، ولم يُهزمني.”
وكانت تُطعمنا منه قِطَعاً صغيرة بيدها، لا بملعقة ولا على مائدة، بل كما تُطعِم الأم صغارها المتقافزين من قلب ندّي.
كبرنا ومضينا كل لغاياته، وغابت خالتي بلقيس. أُغلِق الفرن، وجفّت رائحة الزقاق. صار الخبز يُباع في أكياس بلاستيكية بلا طعمٍ، ولا حكاية تسردها وهي تقف بوجهها المتوهج عند تنور الطين.
لكنّي، كلّما مررتُ بالقرب من فرنٍ تقليديّ، أغمضت عينيّ، وتنفّست ببطء… علّ الذكرى تُفلت من تنور الزمن، وتأتيني، حاملة بيدها… كسرة واحدة… وستكفيني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading