مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
فنون تشكيلية

ذاكرة موشومة – قراءة في لوحة (غرق) للفنان احمد مزاحم

         من خلال اشتغالي بقراءة اللوحات التشكيلية وتحليلها، وجدتُ أنَّ بعض الفنانين التشكيليين يميلون الى عنونة لوحاتهم أثناء أو بعد اكتمالها، فيما يترك بعضهم لوحته بدون عنوان حتى إذا عرضها في معرض فنيّ، ودار نقاش حولها اختار لها عنوانًـا، وقد يقترح أحد المتلقين عنوانًا، فيوافق عليه الفنان دون تردد، ولكنَّ الفنان احمد ومن خلال تصفحي لمجموعة كبيرة من لوحاته التي نشرها على صفحته في الفيسبوك يقرن اللوحة بعنوانها، كما يقرنها بتوصيف لغويّ يشتغل باتجاه منح المتلقي مفتاحًـا أوليًـا للدخول الى عالمها وموضوعها، ومن مجموعة لوحاته كان اختياري للوحته المعنونة (غَرق) التي أنجزها ونشرها على صفحته في الفيسبوك بتاريخ 20 نيسان 2020م.

      يُعدُّ العنوان إضاءة خافتة تلقي بشعاعها؛ لتضيء وتثير عملية التواصل ما بين اللوحة بوصفها نتاجًـا والفنان بوصفه منتجًـا من جهة، وبين المتلقي من جهة مقابلة، فالمتلقي حين يستوقفه عنوان لوحة (غَرق) سيثار انتباهه الى أنَّ هذه المفردة تحيل دلاليًا الى الغوص في الماء الذي يتسبب بالموت، ولكنَّ الفنان احمد عمد الى التوصيف اللغويّ ليجرّدَ العنوان من دلالته المباشرة الى دلالته المجازية بقوله (يبحر في ذكرياته حتى أصبح غريقًا بها) فالإبحار هنا مجازيّ؛ لأنّه إبحار مكاني ذاكراتي يغوص ويقتنص الذكريات التي أغرقته على مستوى التخييل لا على مستوى الواقع.

      لنبدأ معًـا عملية إبحار قرائي لهذه اللوحة، ونتوقف مع أول عنصر من عناصر التكوين وهو خلفية اللوحة التي تحددها أبعاد هندسية محدودة لكنَّـها تتمتع بقيمة بصرية لافتةٍ لنظر المتلقي؛ لأنّها تؤدي وظيفتها في عملية التأسيس الجمالي من خلال منح العناصر الأُخرى فرصتها في الظهور، كما تظهر علاقاتها وتفاعلاتها حسب موضوع اللوحة.

     يلاحظ المتلقي هنا أنَّ الفنان احمد فرش خلفية اللوحة بالأبيض الذي يمثِّل حضور ألوان الطيف جميعًـا حسب مفهومنا البصري له، واعتمد على الشدّة في تظهيره فكان نقيًـا تمامًـا، وبما أنَّ الأبيض يحيل في بعض دلالاته التي تعارفت عليها ثقافتنا العربية الى الطهر والنقاء والتجدد، وقدرته على منح الأماكن الضيقة سعةً فإنَّ اختيار الفنان احمد له كان اختيارًا قصديًـا تجسَّد في منح خلفية اللوحة المحدودة المساحة سعةً، وفي الوقت ذاته هي إشارة مكانية الى ذاكرته التي تحددها مساحتها داخل الجمجمة من جهة، وإشارة الى بدء سرد اللوحة بهذه الذاكرة البيضاء النقية التي ستشتغل باتجاه الاسترجاع الزمني عبر عملية تذكُّر الذكريات وما يصاحبها من أبعاد نفسيةٍ متنوِّعة، وبما أنَّ الفن حسب ما طرحه قاسم حسين صالح في كتابه (في سايكولوجية الفن) هو (انعكاس أو تمثلات سايكولوجية للحالات والظواهر التي تجري في سياق وجودها الاجتماعي أو الطبيعي، وأنه الوسيلة التي يهدف الإنسان من خلالها _ بوعي حسي أو حدسي _ الى تحقيق توازنه النفسي، ذلك بالتعبير عما بداخله من مشاعر ومكبوتات ومدركات وتمثلات) فإنَّ قراءة هذه الأُمور تتطلب أولاً أن نمعن النظر في الأشكال التكوينية لها ثم نحاول بيان دلالاتها، ولذلك سنقف مع أول هذه الأشكال وهو الجسد الإنساني الذي اختار له الفنان احمد _ قصدياً _ مقدمة اللوحة موقعًـا ليثير انتباه المتلقي إليه من جهة، ولكونه منطلق سرد اللوحة لموضوعها.

         يكشف المسح البصري لهذ الشكل عن ظهوره كاملًا بحركةٍ جسدية تؤشر مظهـرًا شبه جانبي يعلن حالة الغوص في الماء، ولكنها ليست الحالة التي تعارفت عليها ذاكرتنا الجمعية عند الغوص الطبيعي بالماء ومُعدّاته، التي لا بُـدَّ للغواص من ارتدائها بل بدا الجسد وكأنّـه راكضاً أقرب منه غائصًا، وهذه احالة دلالية أولية تؤشر الغوص المجازي الحيوي بدلالة حركة الرجلين واليدين ورفع الرأس الى الأعلى، حيث أنَّ هذا النوع من الحركة الجسدية يمثِّـل إشارة توكيدية على فاعلية الذاكرة في لوحة التذكُّـر هذه؛ لأنَّ الرأس المرفوع يشير دلاليًـا الى القوة والسلطة، فهي إذًا قوة عملية التذكُّر وما تثيره من انفعالات ومشاعر ثريّـة تصاحبها.

    إنَّ التأمّـل في شكل هذا الجسد يثير الانتباه الى الخطوط الرفيعة التي تحدد حدوده الخارجية؛ لأنَّها تتمتع بانسابية عالية تضفي عليه مسحة جمالية شكليةً، وتثير ذاكرة المتلقي وتدفعها باتجاه مقارنته بجسد الشخص الرياضي وتخصيصاً جسد الرياضي الذي يُعرف بكمال الأجساد، وهذه المسحة أدّت وظيفتها في اخراجه من شكله التجريدي المحدود الى فسحة الوشوم التي وشمه بها، هنا سيطرح سؤال نفسه:

  لماذا عمد الفنان احمد الى هذه التقنية الاخراجية للجسد ليس في لوحته هذه فحسب بل في أكثر من لوحة أنجزها؟  

للإجابة على هذا السؤال لا بُـدَّ للمتلقي من الانتباه الى إنَّ اعتماد الفنان احمد على خاصية اختزال التفاصيل المظهرية الطبيعية للجسد الإنساني كان هدفه – بتصوري – هو توجيه بصر المتلقي الى الوشم الذي شغل كتلة الجسد بأكمله، والوشم واحد من أقدم الفنون التي عرفتها البشرية ومارستها، وعـرَّفته الباحثة مارجريت ترويل في كتابها ( أصول التصميم في الفن الافريقي) هو (تزيين الجسم عن طريق الحفر بالإبرة برسوم وزخارف ومنمنمات تعكس في الغالب تقاليد القبيلة، وهو ليس مجرد شعارات وعلامات اجتماعية لتحديد المركز الاجتماعي في القبيلة، وإنما هي دروس هادفة ورسالات مرسومة بغاية روحية). إذًا وظيفة الوشم لا تتحدد بالتزيين فقط، وإنّـما تحمل في ثناياها رسالةً روحية يعلنها الموشوم.

     يشير التأمُّـل في هذا الوشم الى مجموعة كبيرةٍ من الزخارف المتنوعة التي اعتمدت على الخطوط الرفيعة أساساً لها، وبما أنَّ الخطوط محددة داخل حدود الجسد فهي خطوط ثانوية تمتد لتتواصل مع الحدود الخارجية البنائية للجسد، ويتنوع مظهرها بين الخطوط المستقيمة المائلة أو المقوّسة أو غير الهندسية، وأفاد الفنان احمد من خاصية التكرار لهذه الخطوط، فتكراره للخطوط الحادة يشير دلاليًـا الى القوة وهذا ما تعلنه الخطوط التي وشم بها بعض أجزاء القدمين والساقين، وكذلك اليدين والرقبة والرأس، فيما وشم أجزاء أُخرى بخطوط مقوّسة ليمنح شكلها الزخرفي مظهرًا ناعمًـا من جهة، وكسرًا للتكرار من جهةٍ ثانية، وتحقيقًـا للإيقاع المتناوب من جهة ثالثة، هذا على مستوى التقنية، أمّـا على مستوى التلقّـي فكان هدفه هو إبعاد الملل عن عين المتلقي، وإثارة متعتها وهي تجول وتتنقل من جزء الى آخر، وعلى مستوى الدلالة فإنَّ الفنان احمد أراد اقتناص لحظة التذكُّـر بوصفها عملية جميلة يخرج بها الجسد الإنساني من حالته الواقعية الى حالة الصفاء والتأمل بالانفصال عن واقعه العياني، والدخول الى عالم أشبه بالحلم يثير في نفسه ذكريات جميلة عن أشخاص فارقهم وتربطه بهم علاقة روحية حميمة.

      ترتبط الأشكال المرسومة في اللوحة بعلاقة تكاملية يؤازر بعضها بعضاً في سبيل عرض موضوعها، ولهذا سأقف عند علاقة شكل الجسد بالأشكال التكوينية الأُخرى في اللوحة، ولنبدأ مع شكل المستطيل الذي اتخذ موضعته في الجزء الأسفل منها، ونلحظ أنه ظهر بزوايا غير متناظرة مما أفقده مظهره الهندسي المنتظم الذي يحيل في واحدة من دلالاته الى الصرامة، ومنحه دلالةً مضادة تماماً وهي حرية الحركة والامتداد.

    وتحيط بهذا المستطيل مجموعة من الخطوط الرفيعة المتموجة التي توحي بالحركة الموجية للماء، وهي تتضاد تماماً مع المساحات اللونية التي تتموضع داخله، حيث تتخذ هذه المساحات من اللون الأزرق المتدرج الى الغامق، والتركوازي الغامق مظهـرًا، وهذا رمز للبحر، ويلاحظ المتلقي هنا اعتماد الفنان احمد على فكرة حجز البحر داخل مساحةٍ محددة ليحيل دلاليًـا الى أنَّ الغرق كان مجازيًـا ويرتبط ارتباطًـا وثيقًـا بالبحر، ولكنه ليس أيّ بحرٍ بل هو نهر دجلة الذي عُرف بتسمية البحر في قصة سيّدنا يونس عليه السلام عندما ابتلعه الحوت، ودليلي في هذا هو وجود الحوت الذي اتخذ وضعًـا أُفقيًـا على مساحة البحر، وبدا حجمه كبيراً قياسًـا لمساحة البحر.

     إنَّ التحريف في مظهر الأشكال التي تعارفت عليها أبصارنا في الواقع العياني يمنحنا فرصة الاستمتاع برؤيتها، ولهذا اعتمد الفنان احمد على خاصية الاستبدال فبدلاً من تظهير شكل الحوت بمجموعة من الأقواس للدلالة على شكل القشور التي تغطّـي جسده اشتغل باتجاه منح الحوت مظهرًا مغايـرًا تماماً، وذلك بشغل مساحة هذا الجسد بالمستطيلات القائمة المتوالية التي توحي بالحركة من الأسفل الى الأعلى، والحركة حياة وتجدد، فالحوت إذًا رمز ينبض حياةً رغم مرور الزمن، ولإثراء هذه الحركة شغل بعض مساحات هذه المستطيلات بالخطوط الرفيعة التي منحتها شكلًا زخرفيًـا، فبدت هي الأُخرى موشومة، وفي الوقت ذاته بدا اتجاه حركتها الى الأمام رغم رمزيتها الزمنية الموغلة في القِـدم، وهذا ما سيلفت انتباه المتلقي الى التضاد الكامل مع اتجاه حركة الجسد الإنساني التي تتجه الى الوراء بفعل حالة التذكُّـر التي تمثِّـل استرجاعًـا زمنيًـا، فالتضاد إذًا أصبح على مستويين هما الحركة والزمن، وهذا ما أضفى عليها بُعـدًا جماليًـا.

     في الجزء العلوي من اللوحة اشتغل الفنان احمد على استغلال هذا الجزء ليكشف عن مكنون عملية التذكُّر الاسترجاعي، راسمًـا أربعة مستطيلات محاطةٍ بظلال خضراء، وبما أنَّ اللون الأخضر يحيل دلالياً الى التجدد والنمو والاستمرار فإنَّ عملية التذكُّـر مستمرة، والاسترجاع الزمني يتكرر بدون توقفٍ.

    ويلاحظ المتلقي هنا أنَّ هذه المستطيلات بدت غير متناظرة الزوايا فجرّدها الفنان بذلك من دلالتها على العقلانية والرسمية؛ ليمنحها دلالة جديدة تمثلت في التداعي الحر أي استبعاد معطيات الواقع العياني، وإظهار واقع ذاكراتي جديد ناتج عن تفاعل عميق مع الأشخاص الذين كانوا مدار عملية التذكُّـر هذه، ولهذا استعمل العيون المفتوحة والواسعة رمـزًا لهؤلاء الأشخاص، وفي المقابل كانت عيون الجسد الإنساني مغلقة وهذه عملية استبدال الرؤية التي منحت هذا الجزء ثراءً دلاليًـا وجماليًـا أيضًا.

      وتمثَّـلَ التدليل العلائقي بين الجسد الإنساني والحوت والمستطيلات الأربعة باعتماد الفنان على خاصية التكرار الوشمي لهذه الأشكال، فبدت وكأنَّـها أجزاء متكاملة لا يمكن الفصل بينها رغم اختلافاتها عن بعضها البعض.

  إذًا هل كان الغرق في هذه اللوحة تمثيلًا للموت أم للحياة؟

   إنّـها لوحة تحمل فلسفتها في جدلية الموت والحياة، فالتذكُّـر الحر قد يكون لأشخاصٍ فقدهم الإنسان بالموت، أو بالمفارقة المكانية والتي قصد بها الفنان احمد مدينة الموصل تحديدًا، مدينة النبي يونس عليه السلام وحوته، فالفراق موت مهما كان نوعه، والتذكُّـر الاسترجاعي محاولة لاستعادة الحياة عبر الامساك بالزمن الذي لا يعرف التوقف وحجزه في اللوحة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading