ذات حـــلـــم – محمّد الزّواري ـ تونس

ذاتَ حُلم
كانَ في الدّفترِ طفلٌ
أَسوَد العينين
يَمضي في ثنايا الصّفحات
في ثنايا الحِبر لمّا
جفّفته الورقة
***
كانَ في الدّفترِ طفلٌ
يقتفي آثارَ أقلامٍ تُغنّي
في مَمرّات الكلاِم المُورقة
حين كان القلمُ الأزرقُ
يعتق في اليوم أُلوفَ الكلمات
غير أنّ الحِبر في القرطاس يغدو
أحرُفًا ملتصقة
***
ذاتَ حُلم
كان في الدّفتر طفلٌ حذرٌ
يكتفي بالسّير في عُمق الرّصيف
و إذا عاد إلى مَسكنه
فَكّ في الحُجرة
زِرًّا في ثِياب الكلمات
فإذا في الصّدرِ حقلٌ
مِن قَوافٍ نَزَفَتْ أرغفةً مؤتلقة
***
كَمْ ربيعًا قد تولّى حينها
هو لا يَعرِف شيئا
فاللّيالي لَهُ قد خاطت قَميصًا
مِن حريرِ الذِّكريات
مِن رُؤى مُستبقة
فإذا صار إلى مَخدعه
و رأى الأبوابَ أَمْست مُغلقة
راودته في الدُّجى تلك القصيدة
يقشعرّ الحَرفُ في أوراقِهِ
و يَهمّ الحِبرُ أحيانًا بها
غير أنّ الطّفلَ يأبى
كَيف يأبى
ذاك تُفّاحُ القَوافي قد غَدا
أَشْهى و أَشْهى
مِن لَهيب الأُمنِياتِ المُحرقة
فَيَتوهُ الشِّعرُ فيها بَين كُثبانِ الصَّحاري
و البِحارِ المُغرقة
و إذا في الكفِّ أبياتٌ تَجلَّت
كَضِياءٍ في جَبينِ الصُّبح قد ضَمّتهُ
شمسٌ مُشرقة
***
ذاتَ حُلم
كانَ في الدّفترِ طفلٌ أَسوَد العينين
دومًا يَقتفي سرَّ حُروف
تُتقِن الإفلاتَ مِن حِبرِ المَعاني
تَتَهادى في المَدى مُنطلقة





