السرد الأدبي

حينَ تبوحُ القهوة….. دعد عبد الخالق/لبنان

امرأة مبتسمة ترتدي فستاناً مزخرفاً بنقاط بيضاء على خلفية سوداء، تجلس في مكان ذو إضاءة خافتة.

جلستُ أمام فنجان قهوتي، أحتسيه على مهلٍ كأنني أُطيل لحظة الهروب من ضجيج الحياة… كانت المرارة فيه أليفة، تشبه تلك التي استوطنت صدري منذ زمن، لا تؤذي، لكنّها تُنَبّه.

تطاير البخار مثل أحلام معلّقة، وحين سكنت الرشفة الأخيرة في قاع الفنجان، وجدتني أحدّق في ما تبقّى من النقاط السوداء، تلك التي لم تُذَب في السكر، ولم تَذُب في النسيان.

في رأسي، كانت الأفكار تتزاحم بلا نظام، تتصادم كأمواجٍ في ليلٍ بلا ميناء، تحمل أسئلةً بلا أجوبة: لماذا؟ متى؟ إلى أين؟

كلّها علامات استفهام كُتبت على جدار القلب، وظلّت معلّقة مع وقف التنفيذ…

مددتُ بصري إلى ما تبقّى من قهوتي، وأيقنت أن الإنسان إذا ضاق به الحال، اختلق لنفسه عزاءً من الخيال، وراح يقرأ في الفنجان أسرارًا لا يفكّ رموزها سوى قلبٍ أنهكه الانتظار.

وهكذا فعلت…

رأيت في إحدى الزوايا وجهًا غائبًا، يشبه من تمنّيت حضوره، وفي انحناءة رماد القهوة طريقًا طويلًا، يتلوّى كأنّه يعكس مسيري المليء بالمنعطفات.

رأيت عينًا تحدّق بي من الأعماق، كأنها تحاسبني، أو ربّما تُنذرني، وطيورًا صغيرةً تشقّ السواد، ترفرف نحو البعيد، كما لو كانت أحلامي المتعبة تبحث عن فسحة نجاة.

في الفنجان قرأت حكاية عمري، كما لم يكتبها أحد.

رأيت سطورًا لم تُروَ بعد، وأمنياتٍ تنتظر مواسمها، وخيباتٍ تستريح على ضفاف القلب…

وكان القدر هناك، مطلًّا من وراء النقاط، يبتسم بسخرية، كأنه يقول: “كلّ ما خططتِ له، أنا أكتبه بلونٍ آخر.”

لكني لم أستسلم…

بل غمست إصبعي في آخر ما تبقّى، ورسمتُ به قدري كما أريده أنا، لا كما أراده السكون.

رسمتُ طريقًا فيه نور، ويدًا تمسك بيدي، وسماءً تمطر حلمًا، لا وجعًا…

ربما لن يتحقّق شيء من كلّ ما رأيت، وربما كانت تلك النقاط مجرّد بقايا قهوة، لكنني خرجت من جلستي تلك أخفَّ روحًا، أغنى أملاً، وأقرب إلى نفسي.

ففي لحظة ضيقٍ، يصبح فنجان القهوة مرآة، وتصبح الأوهام مرفأً مؤقتًا نرسم فيه قدَرًا نتمنّى أن يُنصفنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading