مقالات نقدية

بين بساطة اللحظة وعمقها: قراءة في هايكو شفيق درويش-تغريد نديم عمران

امرأة ترتدي سترة خضراء وتقرأ كتابًا في مقهى، مع رفوف مكتبة في الخلفية.

في عالم الشعر، يمتلك الهايكو قدرة فريدة على اختزال التجربة الإنسانية في لحظة، على تصوير اللحظة العابرة كما لو كانت نافذة تطل على الحياة بكل مفارقاتها. الشاعر شفيق درويش يبرع في هذا الفن، مستندًا إلى بساطة اللغة ومفارقات الواقع اليومية، ليكشف عن العمق الرمزي للوجود البشري، دون تثاقل أو تزييف. في هذه القراءة، نستعرض ثلاثة من نصوصه التي توضح براعة هذا الأسلوب، مع التركيز على العلاقة بين الحدث اللحظي والدلالة الأوسع.

(١)

عِظةُ الأحَّدِ؛

كُلَّما تثاءبتُ

يلتفتُ الكاهنُ !

هذا السينريو  للشاعر شفيق درويش  يصوّر لحظة طريفة وواقعية بنعومة وسخرية خفيفة

ففي جو كنسي رسمي حيث الهدوء و الكلمات المنبرية التي قد تكون طويلة أو رتيبة خلال عظة الأحد

يتثاءب الشاعر  مرات بسبب الملل  أو ربما بسبب  النعاس…

يلتفتُ الكاهنُ !

 هي المفاجأة الطريفة و كأن الكاهن يراقب، أو أن التثاؤب لا يمرّ خفية، ويلفت الانتباه

هي  لمحة بشرية مضحكةفي بساطتها ، تذكرنا أن الطقوس مهما تسامت ، لا تخلو من تفاصيل صغيرة تربكنا وتُضحكنا…

أكاد أجزم أن  الشاعر اراد نصه   بهذه البساطة و لكن هذا لا يمنع ان أشارككم انطباعاً رمزياً توارد إلى ذهني ..

لا أخفيكم خطر لي لو كان الكاهن منغمساً بكليته في عظته لما انتبه لتثاؤب أحد رعايا كنيسته

وفي هذا أذكر قصة قيس بن الملوح مع كلب ليلى و جميعنا يعرفها

(٢)

صورة على الجدار

البائع النيجيري يأكل برتقالة

في يافا

نص بصري، مشهدي

أن ترى “نيجيرياً” يأكل برتقالة في يافا هو أمر لا يخلو من المفارقة.

لكنه في الوقت نفسه مشهد عادي، يومي، حقيقي. وهنا تكمن قوّته: الصورة لا ترفع الصوت، لكنها توحي

فلو كانت الصورة في أي مكان آخر غير يافا  لكان المشهد بسيطا.

لكن يافا  المدينة الفلسطينية المحمّلة بالرمز،  تجعل من البرتقالة أكثر من ثمرة، ومن البائع أكثر من عابر، ومن الصورة أكثر من مجرد ديكور.

لا توجد إدانة، ولا تمجيد، ولا تعليق. فقط عرضٌ مشهدي يعلّق في ذهن القارئ مثل صورة فعلية لا تُنسى.

(٣)

خريفُ البطريرك-

الماءُ الساقطُ إلى القعرِ

يرغي ويزبدُ

هايكو من صورتين ( توريواسه ) 

الصورة الأولى  “خريف البطريرك”

مقتبسة من رواية غابرييل غارسيا ماركيز “خريف البطريرك”، والتي تتحدث عن نهاية حُكم حاكم عجوز، في عزلة وسقوط.

الصورة الثانية : “الماء الساقط إلى القعر”

الماء، هنا  ، يرمز  للسقوط والانحدار. “القعر” يوحي بالنهاية، بالعزلة، بالانطفاء. الماء لا يُسكب بل “يسقط”، ما يدل على فقدان السيطرة.

ما يربط بين الصورتين يوضحه السطر الثالث  “يرغي ويزبد”

الرغوة والزبد هما أثر مؤقت، فوضوي، غير مستقر. يدلّ على صخب لا طائل منه، على اضطراب اللحظة الأخيرة قبل الزوال.

إكثر ما لفتني في هذا النص زمنية اللحظة

فالهايكو هنا لا يصف مشهداً عابراً فقط، بل يلتقط لحظة زمنية غنية بالدلالة.. ما بعد السقوط مباشرة، لحظة الزبد.

زمن الهايكو هنا ليس الماضي ، ولا المستقبل، بل لحظة ارتطام الماء بالقعر . وهي لحظة تجعل النص حياً رغم أنه يتكلم عن الزوال.

تجمع هذه النصوص الثلاثة بين الطرافة والواقع اليومي، بين الصورة الرمزية واللحظة العابرة، لتكشف عن براعة شفيق درويش في الهايكو العربي المعاصر. فهي نصوص لا تروي القصة كاملة، لكنها تلتقط اللحظة، تضيء التفاصيل الصغيرة، وتمنح القارئ مساحة للتأمل والتفكير. من التثاؤب الكنسي، إلى البائع في يافا، إلى زبد الماء الأخير، يظل الهايكو عند درويش تجربة إنسانية صافية، قابلة للإحساس بالعمق في بساطة اللحظة، وحتماً، تتجاوز حدود الكلمات لتصبح نافذة على الحياة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading