مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

بناء الإنسان المتحضر✍️سالم سالمين النعيمي

A portrait of a man wearing a traditional white kandora and a ghutrah.

لفت انتباهي بشدة في وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تم تداوله على تطبيق «الواتس آب» الهاتفي عن رحلة يقوم بها مجموعة من الشباب السعودي في إحدى الدول الإسكندنافية وتصويرهم لمشهد أثار إعجابهم وهو أن أنواعا مختلفة من الفواكه والخضروات متروكة على جانب الطريق بنظام وتنسيق جميل ومكتوب على كل نوع من الفاكهة والخضار التسعيرة بدون رقيب أو وجود شخص يقوم بعملية البيع ويأتي من يأتي ويختار البضاعة التي تروق له ويقوم بوزنها ودفع السعر في سلة مخصصة للنقود وصاحب المقطع كان يردد سبحان الله مبهوراً بالتحضر والرقي والأمانة التي وصلت لها تلك الشعوب، وهو ما دفعني للتساؤل من هو الإنسان المتحضر؟ هو الذي يتمتع بالرقي الإنساني والأخلاق العالية، ويعمل ذلك وهو لا ينتظر حسنة وجائزة يظفر بها في الدنيا، أو في الآخرة، وهو متحضر كونه يراعي خيارات وحدود وحرية وممتلكات وخصوصية الآخرين ويحترم البشر كأفراد، ويطور الحس الجمالي، ولايقوم بمجرد طاعة الغرائز، ويتألم لتألم المختلف عنه، ويؤمن بالتعايش السلمي، والتسامح كأسلوب حياة لا شعارات إعلامية رخيصة.

ففي العالم العربي توضع الاستراتيجيات والميزانيات للتعليم والتقنيات المتقدمة ونشر ثقافة المعرفة والبناء المادي والنمو الاقتصادي، ويعتقد أن ذلك وحده السبيل لبناء الإنسان المتحضر، بجانب تبني جوانب شكلية عديدة من الثقافات الأكثر تقدماً، وتكريس التلقين الديني وتربية في المجمل سلطوية وجعل التمدن الحضاري عدواً لدوداً لسلامة المعتقد الديني، ووضع قوانين صارمة ومن دون مقدمات وتمهيد فرض حصار القيم الحداثية التي لا تتلاءم مع معطيات التركيبة البنيوية النفسية والقيمية للمجتمع، وبالذات جزء كبير من الأجيال الحالية التي ليس لديها رقابة ذاتية تجعل الفرد نموذجاً للإنسان المتحضر، ولو كان مثال بائع الفاكهة في الدولة الإسكندنافية في عالمنا الإسلامي لوجدت معظم من لديهم سوابق في المجتمع هم من سارقو الفواكة والخضروات. ففي المجتمع المتحضر لا تجد أن أعلى قيمة للإنسان سببها مثلاً اسمه العائلي أو منصبه الوظيفي ومن دون الاسم والمنصب لم يلتفت له أصغر المارة سناً في الشارع وفي المجتمع المتحضر لا يعتبر الفساد ذكاء ودهاء طالماً أنه لم يكتشف، أو له ثغرة قانونية أو مبرر في العرف، ويعود بمصلحة خاصة على صاحبه، ويوصف الظلم بالجرأة والشجاعة، ومبادلة العنف بالعنف فضيلة.

فالطريق لا يزال طويلاً وشاقاً أمامنا لنرتقي، ولا يوجد مجتمع متحضر يخلو من الجرائم السائدة في كل الحضارات على مر العصور، فهناك جريمة وجنحة وظلم وفساد، ولكن تلك السلوكيات لا يحاكم فيها الفقير، ويشهر به ويتم إخفاء فضيحة عزيز القوم، وتكون القوانين مطاطة حتى يخرج من ورطته في نفس القضية. فصحيح أن فكرة المجتمع المتحضر هو مجرد تصور شخصي من قبل أي فرد ومجتمع. والمجتمعات المتحضرة تقوم على التفاعل الإيجابي مع أصحاب كل الثقافات والديانات والتعامل معهم بدون ألقاب ومعطيات ثقافية ودينية ووضع اجتماعي ومالي كإنسان يستحق الاحترام، ولم تصل أي ثقافة بعد لهذا المستوى من التحضر بصورة شعبوية، وإنما ترتفع نسبة الأفراد الذين يتمتعون بتلك الشفافية الأخلاقية في التعامل أكثر في المجتمعات الأكثر تحضراً. فلا تجدهم يخصون كل عرق أو لون أو مجموعة مهنية بمسمى يحقر ويستصغر من قيمة تلك الفئة لتأصيل الطبقية والفوقية. ولذلك فإن الأشخاص الذين يديرون المؤسسات التي تساهم في تحضر الفرد وهي كثيرة ومتشابكة في المسؤوليات والواجبات، يجب أن يكونوا على قدر عالٍ من التحضر، فلا يجوز أن نضع شخصاً بالرغم من تعليمه العالي وخبرته وكفاءته المهنية في منصب القيادة، ونحن نعلم أنه متخلف عن ركب التحضر السلوكي والفكري، وفي نظرته للغير دونية وتحقيق العدالة لدية أمر شخصي وفئوي، فبناء الإنسان المتحضر يبدأ بالتربية في السنوات الأربع الأولي من حياة الإنسان ويلعب التعليم دوراً محورياً بجانب الإعلام والأدب والثقافة والرياضة ووسائل الترفيه والقيم المجتمعية والدينية في بناء الإنسان المتحضر، ولذلك تحضر قيادات تلك القطاعات حيوي لتحضر الشعوب. وحتى نضع أقدامنا على الأرض ونكون أكثر واقعية، يجب أن نقر بأن شريعة الغاب على مر التاريخ تم تحويرها لتصبح قيمة حضارية تحت مختلف المبررات والمصوغات، وأهم قيمة في التحضر هي احترام حياة الإنسان وكرامته وحريته قد حل محلها التعصب والتوجه العملي الدعائي الذي يدمي منظومة التعايش السلمي والتسامح الحقيقي، ويحيلها لأدوار ثانوية بعيدة عن الجمهور والفعل الحضاري.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading