سينما ومسرح

… الى الوراء در!! شوقي كريم حسن

صورة لرجل كبير في السن ذو شعر أبيض ومجعد، يرتدي سترة كاكية وقميص أسود، مع تعبير وجه هادئ وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا.

{ حكاية مسرحية }
“إن بقاء الإنسان على أرضه هو شكل من أشكال المقاومة التي لا تُهزم.”
{ إدوارد سعيد}

(الضوء خافت، يعلو تدريجياً على جسد امرأة بملامح أنهكها الوقت، واقفة عند باب بيت متهالك. لا صوت إلا أنين ريح جنوبية تمرّ على جدران الطين كأنها تتحسس بقايا الأرواح. صمت طويل، ثم تبدأ بالكلام كمن تخاطب الغائبين في صدرها)
الأم:قالوا لي: آخر يوم،قلت: ما الجديد،،كل الأيام كانت آخر.آخر غداء لأولادي،آخر بكاء،آخر ضحكة كانت يم العتبة… وضاع الصوت.(تمسح على حائط متشقق)هاي الطينة من جبين جدي.. شلاكه موحان الحارب ويه السيد الحبوبي ونكتل هناك،عجّنها بعرقه،كان يحمل الماء بزير ويصبّه بحلمه،وما هدّ حلمه… إلا أنتم!
(صوت بعيد لآلة الشفل تقترب، كأنها تزأر. الأم لا تتحرك.)
الأم:أثاري ما يهدّون بيوت،يفلشون ظهور،يفلشون أمل،يفلشون تربية سنين… بحديدة باردة ما تعرف اليتيم.
(تفتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا وتُخرج صور أولادها الثلاثة)
الأم:أنت، عباس،چنت تكول: “يمّه لا تخافين، نِبني لك دار بحيطانها نخيل
وأنت يمة سالم… سلمت ظهرك للرصاصة حتى لا تمرّ عليّ.وسعد، آه يا سعد…كلبك أوسع من الدنيه، وهسه الدنيا ضاقت علينا.
(تسمع صراخًا من الجيران، طنين مجرفة تصفع الأرض)
الأم:كالوا لي: اطلعي حجيه… البيت راح يتهدّم،أنا طلعت من صلب رجال ماتوا حتى يبقى السكف،شلون أطلع؟
وين أروح،،لمن أخلّي ثياب عباس؟
وصية سالم ،،دمعة سعد؟وين أدفن وجعي بالشارع ،،بالخيمة..بالنسيان؟
(تجلس القرفصاء وسط الغرفة، تضم رِجلَيها، تتأمل شقًا في الجدار)
الأم:من هالشگ طلع ضوه ،ومن هالشگ دخلت غبرة الحرب،وما غلقت،لا هو ولا أنا…أنا وانت، يا بيت،نسكن واحد بنص الاخ،إذا تفلشت… أ شلون أقنع جسمي يكمّل؟
(تنهض بقوة كمن قررت النهاية وحدها)
الأم:ما أريد أُطلع،ولا أريد أُكفّن،
دعوني أموت هنا،يقرأون عني:“امرأة قررت أن لا تُقتلع.”دعوا الشفل يحفر عظامي،دعوه يكتشف أن بعض الطين لا يُنقَل…بعض الطين يسكنكم!
واليتامى،،تَرَكونا يتامى وطن.
(الضوء يبهت تدريجيًا، يغمر البيت صوت جرف ثقيل،ثم يسود الصمت)
ستارة من تراب بس البيت لگلوبنا، ما تهدّم.
(ضوء أصفر باهت يتسلل من مكان بعيد، كأنه لمبة بائسة تقاوم العتمة، يبدأ صوت الأطفال اليتاما، يتكلمون دفعة واحدة كأنهم أشباح من ذاكرة البيت، أو صدى الأرواح التي لم تُدفن بعد)
أصوات اليتامى (من داخل الظلمة):
يمّه!وينج،،ليش ما طلعتي ،،البيت وقع!بس إحنا بعدنا نلعب ،نركض ونصعد السطح،نقشمر الدنيا، وننتظرچ…يمّه،ليش سكتي،،أحجيلنه سالفة السطح،قولي: شنو يعني وطن؟
ليش اللي فلشوا البيوت ما يسمعون بچي الناس؟
(صوت الأم يأتي من تحت الركام، ليس بكاء، بل نبرة مبللة بالطمأنينة والاصرار، كما لو كانت تحكي لهم حكاية ما قبل النوم)
الأم (من تحت الركام):الوطن يمه مو شارع،ولا عمارة،ولا دفتر طابو،
الوطن صدر حنين،وإنتو حضني،
وما دام حضني ما وگع… بعده الوطن باقي.
(يسمع صوت حفر بالأيادي، أيادي الأطفال، تحاول أن تزيح الركام عنها، مع صوت تصاعدي للأمل)
أصوات اليتامى (وهم ينبشون):
يمّه، إحنا نعرف وين نلكاج،ما راح نروح،ولا راح نبچي،راح نبني دار،
حتى لو بالحلم،حتى لو طينها من دمّنا…
(صوت الأم يعود، أهدأ، مبلل بالراحة، كما لو أنها ترقد الآن في بيت جديد داخل وجدانهم)
الأم:إذا بنيتوا بيتكم،سَمّوه “ما انهدّ”،
وإذا كبَرتوا،لا تخلّون أحد ياخذه ،حتى لو صارت بيوتكم من كَلمات.
(تسود الظلمة لحظة، ينبثق ضوء بسيط من الأرض، كأن شيئًا ينبت من بين الخراب: نبتة صغيرة خضراء تنمو من الركام، يرافقها صوت طفل صغير ينشد بهدوء)
طفل صغير (يغني كأغنية ناي): دار،،داران،،،دور،،يا دارنا،لو هدّوكِ تبقين،بصدر الأمهات،بعيون اليتامى،وبصبر السنين!!
الام:-( بحزن تنوح)يادارنه شمالج
محزنه،،؟!!
(يتحول الركام إلى ضوء، البيت يُرسم من الظلال، لا جدران، لا سقف، الأرواح تتجول فيه بحرية، ضاحكة، نابضة. الضوء يمتدّ كخيط من حلم، يحلّق على أطراف الركام. تظهر ، الأم، لكنها ليست كما كانت… قامت من الطين، لا أثر للتراب على جسدها، ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، كأنها تنهض من رحم الأرض. تتقدّم بخطى وئيدة، لا تمشي، بل تنبع كالماء من بين الشقوق. تقف وسط المسرح، تفتح ذراعيها محتضنة الهواء، أو ما تبقى منه)
الأم:أنا لم أمت…بل انتبهت.وحين انتبهت، رأيتكم.كل واحد ،يحمل بيد وردة، وبالأخرى… حجر،،تقولون: نحب هذا الوطن،لكنكم تبنون الجدران من الخوف،والأسوار من السكوت،والوهم من الفقر،والخراب… من الطاعة.
(تنظر إلى الفراغ كأنها ترى السلطة وجهاً لوجه)
الأم (بصوت يرتجف من الحزم):من قال لكم أن البيوت تُهدّ بجرافة؟البيت سقفه ليس من طين…بل من أغانٍ رضعناها،ومن وجوهٍ انتظرناها،ومن ضحكة طفل يلعب بالرغيف.
(ترفع يدها، تظهر أمامها صور متراكبة: مدينة البصرة، نخل، ماء ملوّث، أطفال حفاة، شعارات مُمزقة، عَلم ممزق)
الأم:البصرة ليست علبة طين،البصرة ضمير،وإذا الضمير مات…من يعيد للأيتام صوت أمّهاتهم؟
(تلتفت نحو الجمهور ، تخاطبهم وجهاً لوجه، كما لو أن كل واحد منهم متهم)
الأم:وين كنتوا،،لما جرّفوا أحلامنا؟
لما صار اليتيم بلا كرسي بالمدرسة؟
ولما دخلت المولّدة لبيوتنا قبل الكهرباء…وين كنتوا لما ناديت؟
ما سمعتوا غير صدى أصواتكم،وما رأيتم إلا ظهوركم…
(تجلس ، تنثر الطين بين يديها، تصنع منه بيتاً صغيراً،بدائياً)
الأم:أنا الآن أبني بيتي،بطين الذاكرة،
سقف من سوالف جدتي،وبباب ما ينسد ي…كلّ ما أريده بقاء الطين حيّاً،أن لا يُباع،أن لا يُزيّف،أن لا يصير صفقة في المزاد.
(تنهض تحمل البيت الصغير بيديها كأنه طفل مولود الآن)
الأم:خذوه…لكن لا ترموه،ضعوه في قلب البصرة،اجعلوه تمثالاً لا لحرب، بل لحياتي،قولوا: من هنا مرّت أمٌ لم تبكِ،لم تهرب،بل واجهت آلة الموت بالطين.،،ضعوه قريبا من السياب
قولوا له بدر،،ما مر عام والعراق
ليس فيه حرب،،باجوع ابو غيلان
ابيوت اليتامه اتهدمت،، وانت بعدك
تغني حتى الظلام اجمل في بلادي
لانه يحتضن العراق،،!!
(يدخل الأطفال، اليتامى، بهدوء. يحيطون بها. واحد تلو الآخر يمسك بحافة ثوبها، لا يبكون، فقط ينظرون.)
الأم:تعالوا،أسمِّيكم من جديد،أعلّق على صدوركم أسمائكم التي سُرقت،
يا ابني، لا تُدعى “نازح”،أنت اسْمُك قمر.وأنتِ، يا صغيرة،لا تُدعين “يتيمة”،أنت اسمك فرح.وأنتم، جميعاً،أسماءكم نَبَتَت من النخل،
من زهر الرز،من الطين اللي ما يرضى يُهدّ.( تغني) احاه ياهل الوطن،،
(تتشابك الأيادي، الأطفال، الأم، يتقدمون نحو حافة المسرح، كأنهم يخرجون منه إلى العالم)
الأم (بصوت يرتفع ثم يلين):بيتي بعده هنا،ما دام الطين يحنّ،وما دام اليتيم يجرّ ورقة في الساحة،ليقول: “هذا علمي، لا تمزقوه.!!
(آخر جملة تقولها وهي تتوقف عند حافة الخشبة، تنظر إلى الجمهور كأنها تسلمهم الوصية)
الأم:البيوت تموت فقط…حين نصمت.
(إظلام تام، ثم ضوء بسيط على مجسم البيت الطيني الصغير وسط الركام، يُضاء وحده)
صوت خافت لطفل من الخلفية:يمّه… البيت بعده حي،،البيوت يگول معلمنه
ما تموت،، البيوت صناديگ مقفلة!!
(الركام لا يُضاء، بل يضيء نفسه. لا حاجة إلى كشافات. الطين يشتعل من الداخل… بذكريات من عاشوا فيه. الأم تجلس ، حولها الأطفال، حفاة، يرتجفون من صمت العالم. لا بيوت، لا شارع، لا مسؤول. فقط هي وهم… وضوء ينبض كقلب تحت الأرض.)
الأم:أغنية وحدها… ما تسند حايط،
دمعة وحدها،،ما تطفي نار،بس لما نوحّد الصوت،حتى الطابوق يرجف من الخوف.أقول لكم، يا وليدي،ما صرنا فقراء إله رضينا…
(تلتفت نحو طفل يرتدي قميصاً ممزقاً، عيونه أكبر من عمره.)
الأم:تعال يمّه،إنتَ… شكد عمرك؟
الطفل:ما أعرف…خاله..شنو يعني عمر!!
الأم:ليش ماتعرف؟!
الطفل:أمي ماتت،وأبويه نسيت شكله،
و محد يگلي: كل عام وأنت بخير.
(تخنقها الغصة، تضع يدها على رأسه، .)
الأم:يمّه…العمر مو أرقام،العمر وجع نعدّه بسنين الجوع،بعداد انطفاء الكهرباء،بصبر الوحدة.
الطفل:خاله، أني حلمي أصير خريج.
الأم:وتتخرج وين؟
الطفل:ما أدري، بس أريد ألبس شفقه مثل الخريجين… أضحك… ارگص،،
أغني،،ياطيور الطايرة،،!!
الأم:(تضحك بحزن)حتى الضحك صار مهنة،وما بيها شاغر.. أخ حته اغانينه
حزن،،،ياطيور الطايره روحي الهلي
بيتنه تهدم ومجتول الولي،،،!!
(تصمت، تنظر للسماء)
الأم:يا رب…شلون تتحمّل كل هذا الظلم…مو لأنك عادل،بس يمكن تعرف إحنه جبناء!نسكت، وانشوف، ونرجع انام،نخاف من الحيّة بس نربّيها على بابنا…ما مر عام والعراق ليس فيه
خوف،،
(طفل ، بصوت قوي، يكاد يكون رجلاً رغم وجهه الطفولي)
الطفل :يمّه، ليش سكتتي يوم جابوا الشفل؟ليش ما صرختي بوجهه؟
ليش ما ضربتيه، بطابوقة، بكلمة؟
الأم:صرخت…بس أنتو ما سمعتوا،
صوتي انبلع بالطين،وبين دموعكم،
وهدير مكينه ما عدهه قلب.ما صرخت بعلو صوتي،بس قلبي طاح مثل النخل إذا يبترون جذره.
(يقف الطفل ، يتقدم خطوة نحو الجمهور، كأنّه يخاطبهم دون إذن)
الطفل:أنتو… شفتوا بيتنا،، لا؟
بس شفتوا صور التهديم عالفيس،
وحطيتوا “واو” و”آه” و”فديت المساكين”،ورحتوا نمتوا.كل واحد نايم على گبر خيبته،وإحنا نايمين على برد الگاع.
طفلة (تضحك ضحكة جافة): يمّه،اليوم حلمت حلم حلو،إحنا كُلنا عدنا غرف، واسرة،وماكو چلاب تنبح علينا،وماكو واحد يطردنا لأن ما عدنا سند.،..يمه ليش يهدمون بيوتنه لان
ما عدنه أحد يگول لا،،
الأم (بصوت متهدّج):بس إنتو عدكم سند..أنا سندكم.حتى وأنه تحت التراب،بصوتي،بذكرياتي،بجروحي.
(تنظر نحو البيت الطيني، تحادثه مباشرة)
الأم:تعال، احچيلي،شلون خلّوك تتفلش؟وين راحت صرخة عباس لما انضرب،وسالم لمن ركض يشيل أخوه،
وسعد… آه، سعد،بقت رائحة عرقه عله لحايط!شلون گدروا يهدموك؟
ما شافوا الشتا جاي وانتَ تحمينا؟ما شافوا الفقر شلون كبر جوّاك وما شكيت؟!!
مجسم البيت (بصوت خافت كالريح):
أنا ما اتهدمت…أنتم اللي اتهدمتوا.
أنا باقي،بس أنتو… صرتوا أشباح خوف،
ما عدكم صوت،ولا صبر،ولا حتى طين جديد….!!
(. الأم تفتح كفّيها، تنظر إليهما كأنها تبحث عن تفسير للخراب)
الأم:كل شي بيدي…ما عاد يمسِك شي.
الطين نشف،المي ما يوصل،والأمل… اندفن قبل ما ينبُت…بصرتنه ما عذبت
محب،، احنه الظلم عذبنه!!
(، تصرخ صرخة طويلة، كأنّه استغاثة من قاع قاع الوطن)
الأم:اسمعوني!أنا أمٌ لا تطلب صدقة،
ولا موطناً ببدل الإيجار،أنا أطلب قبراً ما يتنقّل!أطلب سقفاً ما ينقضّ عليّ!
أطلب تراباً يحترم دم أولادي!
(الضوء يبدأ بالخفوت… يعود الأطفال يلتفون حولها، ممسكون بأدوات: مسطرة، كتاب، طوبة، مفتاح مكسور… كأنهم يبدأون البناء)
الأم (وهي تنظر لهم، بصوت أقل وجعًا، لكن لا يخلو من الجمر):
ابنوا داركم…بس لا تبنوها من سكوت،
ولا من نفاق،ولا من خوف.ابنوها منكم،ومن كل دمعة ما مسحتوها،ومن كل وجع خبيتوه بصدوركم .،،
(يخفت الضوء… لكنه لا ينطفئ، يبقى كجمرة وسط خشبة المسرح، لا يحترق، لا يزول. كأن البيت الطيني… صار قلبًا نابضًا.)
[ستارة بلا إسدال… لأن الوجع لم ينتهِ.
لأن البيت… لم يُشيّد بعد.]!!

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading