القصة القصيرة

الهروب من السيرك – أمين الساطي

رسم توضيحي لرجل مسن مبتسم يرتدي قميص مخطط، مع خلفية طبيعية.

لم يكن اسمها بيلا كما ينادونها في السيرك، ولم يكن اسم ابنها الدب الصغير ماسي، ولم تولد مهرّجةً بفراء بني غامق، ولم تكن يوماً وحشاً يعيش في الأدغال، جاؤوا بها إلى السيرك لتعيش مع المهرّجين، قلبها أقدم من الأقفاص الحديدية التي تحيط بها، تدور وترقص وتنحني كما يشير إليها المدرب، بينما يضحك الأطفال ويصفق الكبار، وعندما تخطئ يتناولها المروِّض بسوطه اللعين، مصراً على إذلالها أمام الجماهير، إنه اليد اليمنى للإله في هذا السيرك.

في ليلةٍ باردةٍ، سقط قفل القفص نتيجة إهمال الحارس، دفعت الباب بثقل جسمها، وانزلقت إلى الخارج، سحبت صغيرها بأسنانها المرتعشة وهو ملتصقٌ بها، يرتجف مع كل صرخة أو صوت عالٍ، خطواتها كانت صلاة قصيرة إلى الله، لينقذها من هذا الجحيم.

انتشر الخبر كالنار، تعالت الأصوات، دبة شرسة مفترسة هربت من السيرك، ما يشكل خطراً على أهالي مدينة تاراكلي، اندفع موظفو السيرك أولاً، ولحقت بهم سيارات الشرطة بأضواء زرقاء وصفارات تشق الليل، الناس أغلقوا أبوابهم خوفاً من الانتقام، لكن الدبة لم تكن تبحث عن الدم، كانت تبحث عن حريّتها في غابة من السنديان، شاهدتها مرة من خلف زجاج نافذة سيارة الشحن وهي في طريقها إلى هذه المدينة، لقد ذكرتها بغابات الصنوبر والسنديان وينابيع المياه العذبة التي كانت تعيش فيها، قبل أسرها ونقلها إلى السيرك.

الدبة تركض بأقصى سرعتها، ليس عرضاً لإرضاء الجمهور، بل ركض أمّ تعرف أنَّ التوقف يعني الموت أو العودة إلى القفص، أحياناً يتعثر صغيرها، فتخفّض من سرعتها، لتلتفت نحوه وتدفعه بأنفها، مصدرة زمجرةً منخفضة تقول له عليك أن تصمد وتستمر.

تدخل منطقة مهجورة خلف السيرك مملوءة بالخردة والحاويات الصدئة، ثم دوّى صوت الرصاص، اخترقت الرصاصة كتف الدبة، زمجرت المسكينة بغضب يشبه البكاء، والتفتت إلى صغيرها الذي يركض بجانبها متجهاً نحو السور وفي دمه حرية لم تروّض بعد، لما وصلت الدبة إلى السور كانت منهكة وأنفاسها ممزقة، يتابعها ضوء سيارات الشرطة قاسياً فاضحاً، لا يترك لها زاوية للاختباء.

اقتربت من السور، رفعت صغيرها بصعوبة، غرست أسنانها في جلد عنقه بثبات، واستمرت بدفعه حتى سقط على الجهة الأخرى، تدحرج ونهض مذهولاً مما يجري حوله، بدأ يصرخ، إنه لا يفهم لماذا لا تأتي أمه، من شدة هلعه اتجه نحو أضواء المدينة التي تلمع ببرود.

حاولت الدبة الوقوف لتتسلق السور، ولتلحق بابنها، لكن قوتها خانتها، فقدت رشاقتها، وشعرت بجسدها الثقيل، زحفت، سحبت نفسها بأظفارها، تاركة خطاً من الدم على الأرض، جرَّبت الوقوف من جديد، لكنها لم تستطع، تيقنت أنها بلغت نهايتها، اقترب شرطي بحذر منها، وهو يشعر بالشفقة عليها، رفع بندقيته، وأطلق الرصاصة الأخيرة، هذه المرة كانت رحيمة وسريعة، وأخيراً وجدت السلام.

بعد دقائق بدؤوا يبحثون عن الصغير، ليأخذوه إلى السيرك من جديد، فهو مازال صغيراً، ويسهل ترويضه، ومن السهولة أن يتأقلم مع مدرب أمه القديم، لكنهم عبثاً حاولوا إيجاد الصغير، لقد تبخّر في الهواء، ولم يخطر على بال أحدهم أنه قد اجتاز السور، وذاق طعم الحرية، وهرب باتجاه أضواء المدينة.

وصل الدب الصغير إلى أطراف المدينة، توقف عند أول بيت مضيء صادفه في طريقه، كانت هناك أشجار صغيرة حول البيت، فدخلها كمن يدخل وطناً ساعياً للاختباء بين ظلاله، لحسن حظه كان هناك ولد يقف خلف النافذة، يراقبه بهدوء، حدَّق في عيني الصغير الذي يشبهه، لم يخف منه، ولم يهرب، شيء ما في عيني الدب الصغير جعله يتذكر شيئاً من الماضي، ذكرى قديمة لشعور بالرعب والوحدة اعتراه بعد أن ماتت أمه.

نادى على أبيه، وأخبره بأنه شاهد طفلاً صغيراً يختبئ بين أشجار الحديقة، خرج الوالد ليفتش بين ظلال الأشجار، فوجد دباً صغيراً يرتجف من الخوف، يئنُّ بصوتٍ يشبه بكاءً لم يتعلمه بعد، أمسك بالصغير، وأدخله إلى بيته، ولفَّه ببطانية، ليشعره بالدفء والحنان، طوال الليل كان الدب يحدق في الفراغ، ويطلق هديراً خافتاً مكسوراً، لا يشبه هدير الدببة.

كان الخبر قد انتشر بالبلدة، الجميع يبحثون عن الدب الثائر الصغير، أقنع الأب ابنه بأنهما لا يستطيعان الاحتفاظ بالصغير في منزلهما. في صباح اليوم التالي، انطلق الأب وابنه في سيارتهما البيجو القديمة، وفي حضن الولد يجلس الدب الصغير، متجهين إلى مدينة إسطنبول التي تبعد نحو مئتي كيلومتر عن منزلهما، لقد أحس الولد الصغير لأول مرة منذ وفاة أمه، بمزيج من الفرح العميق والراحة العاطفية والحب غير المشروط.

عندما وصلا إلى إسطنبول اتجها مباشرة إلى حديقة الحيوانات، وقابل الوالد المسؤول عن الحديقة، وشرح له أنه وجد الدبَّ الصغيرَ في حديقة منزله، فخطر له أن يسلمه لحديقة حيوانات مدينة إسطنبول.

حضر عامل لاستلام الدب الصغير الذي كان جالساً بهدوء في حضن الولد الصغير، في البداية حاول أن يقاوم، تشبَّث بمخالبه الصغيرة بمعطف صديقه الجديد، لكن قبضة الرجل كانت أقوى من إرادته، حاول جاهداً أن يبقى، لم ينسَ هذه الساعات القليلة الجميلة التي قضاها معه، بعيداً عن أضواء السيرك ورائحة العرق والحديد العالقة في هواء الخيمة الكبيرة.

فكّر الولد أن يتمسّك بصديقه الدب الصغير، لكنَّ أباه أخبره بأن هذا المكان أفضل له بألف مرة من مكانه القديم، فتركه يمضي في طريقه، لما ابتعد عنه، لم يتمالك نفسه، أجهش في البكاء، فأحسَّ بيد أبيه تربتُ على كتفه بلطفٍ وهو يقول: “امسح دموعك، لم تعد طفلاً صغيراً”.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading