الميتا سرد في «المرأة التي فقدت ظلها»: بين وعي الكتابة وتمرد الشخصيات

موسى ابراهيم ابو رياش
الميتا سرد (الخيال الما ورائي أو القص الما ورائي) من أبرز التقنيات السردية الحديثة، وتعمل على زعزعة الفاصل بين الواقع والمتخيل، وتكشف عن وعي النص بنفسه كعمل سردي. وتتخذ هذه التقنية عدة أشكال مثل تدخل الكاتب في السرد، أو مناقشة آليات الكتابة داخل النص، أو التفاعل بين الشخصيات والسارد نفسه، أو كسر الجدار بين القارئ والسارد، أو إعادة تشكيل البنية القصصية بطرق غير تقليدية. وتهدف هذه التقنية إلى تعميق التفاعل مع النص، والتأمل في طبيعة الحكاية ودورها في تشكيل الإدراك والواقع، وإحداث وعي نقدي لدى القارئ، وجعله جزءا من التجربة السردية بدلا من كونه متلقيا سلبيا.
تُستخدم تقنية الميتا سرد في القصة القصيرة، لإعادة التفكير في طبيعة السرد وعلاقته بالحقيقة والخيال؛ فهي تضيف بُعدا فلسفيا وتأمليا ونقديا للنصوص، ما يسمح للقارئ برؤية الحكاية كعملية إبداعية متغيرة وليست مجرد سرد خطي تقليدي، ويصبح مشاركا في فهم آليات الكتابة والتخييل. كما أنها تُعزز عنصر المفارقة واللعب السردي، ما يخلق تجربة قراءة ديناميكية وتفاعلية، وتحث القارئ على إعادة التفكير في طبيعة الحقيقة والخيال داخل العمل الأدبي.
وتتضمن المجموعة القصصية «المرأة التي فقدت ظلها» للسوري أحمد حسين حميدان عشرة نماذج قصصية على الأقل، وظف فيها القاص الميتا سرد بأساليب متنوعة، حيث تتداخل الحكايات مع تأملات الكاتب في الكتابة نفسها، وتتجلى في بعض القصص مظاهر التلاعب بالسرد، وكسر الإيهام السردي، وإقحام الكاتب أو الراوي في نسيج القصة. وتتناول هذه المقالة عشر قصص توفرت فيها تقنية الميتا سرد ضمن ثلاثة عناوين فرعية.
وعي الشخصيات بذاتها
تعتمد قصة «بطل القصة» على فكرة الصراع بين الكاتب والبطل، حيث يرفض البطل الامتثال للنهاية التي اختارها له الكاتب، ما يجعله شخصية مستقلة ذات وعي ذاتي، لها إرادة مستقلة. هذا التمرد يكسر وهم السيطرة المطلقة للكاتب على الشخصيات، ويجعل القارئ متورطا في لعبة السرد التي تتجاوز التقاليد القصصية المتعارف عليه، ويضع القارئ أمام تساؤلات حول العلاقة بين الخيال والواقع.
في قصة «البطل المفقود» تتجسد فكرة البحث عن البطل، الذي اشترط وحذَّر وهدَّد، ثم نفَّذ تهديده، ويتحول البحث عن البطل إلى بحث عن معنى القصة ذاتها، ويصبح القارئ شريكا في ذلك، ويتورط في مواجهة مع طبيعة السرد وحدوده.
تتناول قصة «الرواية الخالية» فكرة الكتابة عن أحداث لا يمكن الإمساك بها، حيث تتحول الرواية إلى مساحة خالية، وتبرز الميتا سرد عبر التأكيد على غياب السرد بدلا من وجوده، ما يدفع القارئ إلى التساؤل عن طبيعة الكتابة ودور الكاتب في تشكيل الأحداث، وعن جدوى الكتابة في ظل الدم المراق والقتل اليومي والتدمير الممنهج. وقبل كل ذلك، عن موقف الكاتب السلبي، الذي اكتفى بدور المتفرج، فيما شخصيات روايته فضلت التظاهر والاحتجاج والتمرد، وغادرت صفحات روايته إلى غير رجعة، وهي مفارقة موجعة توجه سهامها الحادة للكتّاب الذين يتمترسون خلف كتاباتهم، ويظنون أنهم مناضلون بالكلمة والورق الذي لا يقرأه أحد.
تستخدم قصة «معارك هذا المساء» تقنية الميتا سرد، لإبراز التداخل بين الواقع والتخييل، فثمة معركة بين الكاتب وشخصياته التي ترفض الانصياع له بالتمرد والاحتجاج، وعندما يهرب منها إلى معركة أخرى على الأرض تتلقفه رصاصة. في هذه القصة تصبح الأحداث بناء سرديا قد لا يعكس الحقيقة بالضرورة، ويتداخل السرد مع تحليل ذاتي للحكاية، ما يكسر الإيهام التقليدي للسرد القصصي، ويعزز الوعي النقدي لدى المتلقي.
تعكس قصة «يوم أسود ليله طويل» قسوة الحرب وما تحدثه من رعب وهلع ورغبة في الهروب بأي ثمن، حتى إنَّ شخصيات القصة أيضا لم تعد تتحمل ما يجري فهربت بعيدا. وتصور هذه القصة أحداثا مأساوية بأسلوب يدرك القارئ من خلاله أنَّ السرد ليس سوى بناء انتقائي للواقع. وتم توظيف الميتا سرد عبر تسليط الضوء على كيفية تشكيل الحكايات وفق منظور السارد، مما يدعو للتفكير وتخيل ما يجري على الأرض.
التفاعل بين الكاتب والنص
تعكس قصة «الشاعر وعصافير القصيدة» أزمة الكاتب في التفاعل مع نصه، الذي يشعر بأنّ قصائده لم تعد كما كانت، وكأنَّ الزمن قد شوهها أو أفسدها. وتظهر الميتا سرد هنا من خلال إبراز القصيدة كنص داخل النص، عاكسة أزمة الإبداع والتغير المستمر في العلاقة بين المبدع ونتاجه، وتأثير الزمن والظروف القاسية على الإبداع. وترمز «القصيدة» في هذه القصة إلى «الوطن» وما تعرض له من تمزيق وتشتيت وتدمير على يد عصابة فاسدة حولته إلى خراب ومقابر وبحار من دماء ودموع.
تعتمد قصة «الشاعر والمرايا» على فكرة التفاعل بين السارد ونصه من خلال استخدام مرايا القصيدة ودلالاتها وصورها وأبعادها، التي تصبح أداة لفهم الذات عبر النص. وتتمثل الميتا سرد هنا في كون السرد نفسه موضع تأمل.
تبرز الميتا سرد في قصة «المرأة التي فقدت ظلها» من خلال تقديم الراوي شخصية تكتشف فجأة فقدان ظلها، بعد أن كانت متعددة الظلال لشخصيات نسائية واقعية تُعاني وتقاسي ظروفا مأساوية، بعد أن غادرت القصيدة التي تتغزل بها، ففضلت العودة ثانية إلى القصيدة، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الوجود والهوية. في هذه القصة، لا يكتفي السرد بنقل الأحداث، بل يتأمل في ذاته، وكأنّ القصة تدرك أنّها تُروى، ما يجعل القارئ شريكا في عملية التأويل.
تعتمد قصة «اختفاء» على فكرة الاختفاء كجزء من السرد ذاته أو كحالة سردية. فبطل القصة أصرَّ أن يشهد بما رأى وسمع، فتمت تصفيته لإخفاء الجرائم ومرتكبيها. وتطرح القصة تساؤلا حول العلاقة بين الشخصية والسرد، وكيف يمكن أن تصبح عملية السرد نفسها موضوعا للحكاية. ويتحول الغياب هنا إلى أداة سردية تستحث شجاعة القارئ وإنسانيته وضميره، وتنتقد الجبن والهروب من كشف الحقائق.
التلاعب بالحقيقة
في قصة «فوتوشوب» يرفض بطل القصة أوامر الكاتب للتظاهر احتجاجا على الغلاء وسوء الأحوال، مؤثرا السلامة والعيش مع أسرته بسلام، فيلجأ الكاتب إلى استبدال رأسه برأس أحد المتظاهرين، مما يُحدث رعبا في نفس زوجته وأولاده، ولما نظر في المرآة أنكر نفسه، فغادر البيت تجنبا للفضيحة وتجمع الجيران. في هذه القصة يتم تقديم منظور مختلف للميتا سرد من خلال فكرة التلاعب بالصور، حيث يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تشكيل الواقع، تماما كما يفعل السرد القصصي. وتتجسد الفكرة هنا في التداخل بين الحقيقي والمفبرك، حيث يلعب الراوي دور مخرج القصة وليس ناقلا للأحداث فقط، ما يدفع القارئ إلى التشكيك في مصداقية السرد ومطابقته للواقع، وفي قدرة الكاتب على التحكم في السرد.
وبعد؛ تعكس المجموعة القصصية «المرأة التي فقدت ظلها» استخداما نموذجيا عميقا لتقنية الميتا سرد، حيث تتداخل الأصوات السردية، وتتفاعل الشخصيات مع عالمها الداخلي والخارجي على نحو مثير، ويتلاعب الكاتب بالبنية السردية بطرق مبتكرة تكسر الإيهام التقليدي، والتلاعب بالمسافة بين الكاتب والنص والقارئ. ومن خلال هذه القصص، يدعو الكاتب القارئ إلى إعادة التفكير في دور السرد في تشكيل إدراكنا للعالم والواقع. وهذا الاستخدام الواعي للميتا سرد يُثري القصص، ويجعلها تخرج من إطار الحكاية التقليدية إلى فضاء أكثر تعقيدا وعمقا.
يُشار إلى أنَّ هذه المجموعة صدرت عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 2024، وتتضمن ثماني وسبعين قصة قصيرة وقصيرة جدا، يدور معظمها عن الموت بمعناه الطبي بكل أشكاله وأسبابه، خاصة تداعيات الحرب وما نتج عنها من ويلات وتشتت الأسر وتمزقها وفقدها وهجرتها. وفات الكاتب – سامحه الله – أن يتناول أشكالا أخرى من الموت نعيشها كل يوم ونحن نتفرج أمواتا على ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية؛ فالجبن موت، والخذلان موت، والعجز موت، والعار الذي نعيشه موت، والنذالة موت، واللا موقف موت، والصمت موت، ودفن الرأس في الرمال موت، والإرجاف موت، وما نحن إلا جثث متحركة برسم الدفن لا أكثر.
كاتب أردني






