المناظرة غريبة: حين تتغير النقدية من الندية، أكيد ستتحول إلى عبث

الدكتور عبد السلام فزازي باحث مغربي
المناظرة ليست ترفا فكريا تنفثه الألسن كما تنفث الافعى سمومها، ولا هي في جوهرها تنميقا لغويا وزركشة بلاغية على شكل بلاغة لا تسر الناظرين، ولا تسمع معشر من في آذانهم وقرا، ولا من طينة من لا يقرأ انطلاقا من جوانية نفس تتوق إلى ملامسة الواقع الذي بات عشقا لا يدرك، أو كما يقال: وكأننا نبحث عن قطة سوداء في بيت مظلم ولا وجود للقطة اطلاقا، فالمناظرة الحقيقية يعد فنا نبيلا من فنون الفكر والحوار. ولا من الذين يعدونه مجرد تبادل للكلمات أو صراع من أجل الانتصار الخطابي، بل هو المساحة العقلانية يُختبر فيها صدق الحجة وقوة البرهان، وهي أمور لا تدرك بضربة لازب، فالناظرة ابعاد فكرية تمنح العقل حريته في أن يتأمل، وينتقد، ويعيد تشكيل قناعاته، ويسعى بهذه الآلية ادراك ما يستعصي إليها المثقف الكاريزمي المتميز عن باقي الأنام.
إلا أن هذه الغاية السامية سرعان ما تبهت وتنهار، في زمن تافه توارت فيه القيم، وتجمت الموسوعية إلى حد الغرابة وهكذا وبعد لأي من الزمن غاب الموسوعي كما غابت عنه حتى الفردانية الفكرية، معه طبعا وفقدت المناظرة شرطها الأساس: الندية.
فالمناظرة التي لا تقوم على شرط التكافؤ بين المتحاورين، تتحول سريعًا إلى مجرد استعراض مسرحي، ويعجز اللسان ، أن سميتها مسرحا للكراكيز، ونكون حقيقة أمام مجرد تحول بالأحرى إلى منصة للسخرية والإقصاء، ومن يدري قد تتحول – في أسوأ الأحوال – إلى هراء مشاع، لا يخدم قطعيا الحقيقة ولا هو يُنمِّي الوعي، بل في ذات الفكر يُعمِّق الانقسام ويُرسّخ التفاهة، والأدهى من كل هذا يصبح عالمنا هذا مجرد بكاء على الأطلال إن بقيت دموعنا تطوعنا..
الندية: ولعله لا يمكن لاثنان نكران حقيقية ثابتة وراسخة على أن الندية تعتبر بامتياز الحجر الأساس لأي حوار حقيقي.
وإذا اتفقنا على هذه الأمور التي قد تختلف كما قد تختلف، وهنا سنتساؤل: فما الذي نعنيه بالندية؟ كذب من اعتبرها مجرد توازنإ فقط، في القدرات الفكرية أو اللغوية البلاغية واللسانيات، وانشغالها على البعد اللغوي في زمن انتصرت فيه اللسانيات وبدأت تعيد النظر النقدي في كل العلوم، بل يمكن أيضًا اعتباره توازنا في الفرص، وفي احترام الدور الوظيفي ، وفي الإنصات المتبادل، الانصات الذي لا نحترمه كما يحترمه غيرنا لانهم يعتبرونه لغة- واصفة، أو لغة داخل لغة. أجل هي اعتراف بأن الآخر، وإن خالفني الرأي، يستحق ذات المساحة التي يمنحها لعرض رؤيته، شريطة السماع له، وعلي اعتبار رأيه ليس أقل قيمة لمجرد أنه مختلف:” الم يقل عمر الفاروق ” أصابت إمرأة وأخطأ عمر”؟.
أكيد، كل منا سبق له حين أستضاف طرفا قويا على مستوى تأثيث الخطاب، وأصبح واسع النفوذ، وأمام محاور ضعيف، خجول، أو غير مهيأ، فكإنت النتيجة لا تمت بصلة لمفهوم مناظرة وهي في حل منها ومن المتلقين على حد سواء، وغالبا ما نكون أمام مشهد من طرف واحد، مشوه، فاقد للمصداقية. والأسوأ من ذلك، حين يُستغل ضعف الطرف الآخر لتصفيته معنوياً أمام الجمهور، متأبطا بحجج سريعة، أو بإغراقه في المقاطعة، أو بالاستهزاء المبطن. هذا ما عشناه في الآونة الأخيرة بين متحاورين ؛” الباحث عصيد ….
د.طلال لحلو
للأسف، في كثير من المنصات الإعلامية والسياسية والثقافية، باتت المناظرة تُوظف لا لإثراء الفكرة بعنتريات قيل عنها مناظرات، أو من أجل تصفية الحسابات لا رابح فيها ولا خاسر، بل الخاسر فيهما من خسر نفسه أمام المتلقين، أو من أجل تلميع طرف وإحراج آخر. حيث تتحول الكاميرا من عين محايدة إلى أداة انتقائية وهذا ما تفلح فيه قنواتنا بامتياز، وهي تعلم أنها تسخر من متلقينا وطنيا وعربيا ودوليا، والخاسر الاكبر هي الدول التي لم تستطع الى حد الآن حماية نفسها فما بالك حماية شرف وطن لم يعد يعيش في القرن الماضي،،، وتصبح أسئلتنا هي موازية لأسئلة خادعة و موجَّهة وبئيسة بؤس اعلامنا وجوده من عدمه أمران سيان..، لم يحاول مرة القيام بالنقد الذاتي لبكتشف أنه لا بهدف الوصول إلى الحقيقة، بل بهدف الإرباك أو التشتيت والسخط من قبل المتلقين ومع ذلك الجمهور عنده آخر ما يجب أن يفكر فيه…
وهكذا فهذه الممارسات لا تسيء فقط إلى المتناظرين، بل إلى الجمهور ذاته، الذي يُحرم من حقه في أن يشهد حوارًا جادًا ومسؤولًا. بل قد يُدفع، عن غير قصد، إلى تبني موقف عدمي لأنها تعلم جيدا أنها العدمية أصلا وفصلا: وهكذا نستخلص جميعنا أن لا فائدة من الحوار، ولا جدوى من الكلمة، وأن كل نقاش محكوم سلفًا بموازين القوة، لا الحجة، وحين أقول القوة والحجة فلا أقصد أننا فعلا نحن أقوياء ولا حتى أحرارا والدليل المحاكمات المتناسلة للاعلاميين وكان وزير العدل تجاوز بل تجاوز حقا ما يسمى روزير الاعلام، وخوفي أن تفتضح ما يسمى بالوطن وهذا ما لا يرضاه منا واحدا.
ترى لماذا لا ندافع عن الوطن معشر المثقفين والاعلاميين بدفاعنا عن المناظرات الحقيقية تلك التي تصنع الوعي، ترى هذا ليس من حقنا؟ ليس استجابة لدستو نا.؟
المناظرات دورًا محوريًا في تشكيل الفكر الإنساني. من مناظرات أفلاطون وسقراط، إلى حوارات المعتزلة في مجال العقيدة، إلى مناظرات الحداثيين والمعارضين في عصور النهضة، كلها كانت ميدانًا لصقل العقل وترسيخ ثقافة التساؤل.
الخاتمة: من أجل مناظرة ترتقي لا كي تسقط…





