المثقّف العربي سحقته الأيديولوجيات – سيّار الجميل

كتبتُ عن المثقف وضرورة ابتعاده عن التخندقات السياسية والأيديولوجية وقد حددنا موقف بعض المفكرين الاوربيين الكبار..دعوني أكمل أسئلتي كي أكشف أجوبة واضحة ، وخصوصاً عن المفكرين العرب .. وهل هناك من دعا الى تبرئة المثقف الحقيقي من عقم السياسات والأوهام الثورية اسوة بالمفكرين الغربيين الذين أعتبرهم عقلاء ، وقد وجدت هناك مفكرين عرب يعلنون استقلاليتهم والحداثة ، ولكنهم يسقطون ما تربوا عليه طائفياً وماضوياً ويمثّلون أدواراً راديكالية ، ويلعنون الاستعمار والتبعية ليل نهار.. وأغلبهم اليوم يعيشون في عواصم غربية من دون أيّ شعور بالتناقض، بل ما زال بعضهم لم يزل يستعرض عضلاته وثوريته ، وقد توّطن في بلاد الاستعمار. أعتقد أن تساؤلاتنا معمقّة ومشروعة، وهي في صميم إشكالية المثقف العربي وحدود استقلاليته الفعلية لا المعلَنة فقط. سأحاول أن أحللّ ” الموضوع ” بهدوء ومن دون تبسيط، لأن المسألة مركّب ومعقّدة ، وربما تكون خاصة ببيئاتنا الثقافية وعند هذا الركام الئي يحرص على تسمية انفسهم بـ ” المثقفين ” ! .
أولاً: روّاد صناعة الأيديولوجيات المستوردة من الغرب
تكاد تكون سوريا ولبنان لوحدهما مصنعاً للأيديولوجيات العربية، وأغلبها قد استوردت أفكارها من الغرب ، وهناك من ساهم أيضاً بهذا الماراثون سواء من مصر او العراق .. والبضاعة سواء صنعت عربياً أم استوردت من اوروبا، فانها تمتد في تاريخها الى الثلاثينيات وما وصلنا من النازيست الالمان أو الفاشيست الطليان ممثلة بما جرى في العراق من أفكار نادي بها سامي شوكت ، ثم بدايات نشوء الشيوعيين العرب تأثراً بأفكار الكومينست البلاشفة . وهكذا تطوّرت ابان الأربعينيات الأحزاب الراديكالية الماركسية والقومية الاصلاحية على أيدي عدد من الروّاد : انطوان سعادة في قوميته السورية، ثم الاصلاحيين العراقيين المتأثرين بالاشتراكيين الطوباويين والفابيين الأوربيين، أمثال: كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل وعبد الفتاح ابراهيم الأشد يسارية وصولاً الى صانع المؤدلجين القوميين المؤرخ قسطنطين زريق سوري الأصل في الجامعة الاميركية في بيروت والغريب ان زريق كان ليبرالياً ، ولكن أغلب طلبته كانوا من الراديكاليين ممثليين بحركة القوميين العرب وروّادها جورج حبش وهاني الهندي وعبد الفتاح اسماعيل وباسل الكبيسي في حركة القوميين العرب ، ثمّ بروز ميشيل عفلق وصلاح البيطار في ولادة حزب البعث العربي الاشتراكي وأخذ أفكاره كلها من زكي الأرسوزي ، وهذا الأخير استلها من الطبيب العراقي سامي شوكت الذي لم يكن فيلسوفاً، بل ناقل أيديولوجيا، ومن ثم عبد الرحمن اليوسفي وعبد الرحيم عبيد وكانا من مؤسسي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قبل أن ينشق الحزب ليظهر تأسيس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.في المغرب ثم المهدي بن بركة وهناك في الجزائر عدد من المؤدلجين ، أمثال : مصالي الحاج وآيت أحمد ومحمد حربي وغيرهم وفي تونس ، علي جراد وحسن السعداوي للشيوعية التونسية ، وابتعد بورقيبة عن صالح بن يوسف وكلاهما تأثرا بالفرنسيين فاحتضن عبد الناصر صالح بن يوسف .
اذا كان استلال المؤدلجات الأوربية على أيدي بعض الكتاب والساسة العرب في كلّ من سوريا ولبنان والعراق يتمثّل بكل من كارل ماركس وانكلز و سيدني ويب وبياتريس ويب وهارولد لاسكي وجون ماينارد كينز وهايس ومنظر النازية ألفرد روزنبرغ والفرنسي جورج سوريل صاحب فكرة العنف الخلّاق أو ( العنف الثوري) وغيرهم ، فان الساسة والكتاب العرب في كلّ من المغرب والجزائر وتونس قد تأثرّوا جداً بكلّ من كارل ماركس ولينين وروزا لوكسمبورغ وجورج لوكاش وليون بلوم وجان جوريس وانطونيو غرامشي وغيرهم.وان الأحزاب الاسلامية استمدت ادلجتها السياسية من الاسلام السياسي الذي أقحمه جمال الدين الافغاني باسم الجامعة الاسلامية لتنبثق بعد قرابة 30 سنة من وفاته حركة حسن البنا في مصر . وأراد بعض الرؤساء العرب أن يكونوا من ذوي الأيديولوجيات، فكانت مشاركتهم تافهة وانشائية خطابية لا معنى لها، وقد أجبرت الملايين على تلقّفها وتمجيدها والمفاخرة بالرؤساء العرب الجمهوريين مثل عبد الناصر في كرّاسه “فلسفة الثورة “الذي كتبه له محمد حسنين هيكل وهذا الأخير يتبجّح بذلك ..وهناك أيضاً: معمر القذافي في(ايديولوجيته) التي ضمنّها “كتابه الأخضر” ،وصولاً الى صدام حسين الذي راح (وكان نائباً) يهذي بانشائياته الخالية من المعاني، وقد سمّاها “نظرية العمل”! ثم طواها النسيان بعد أن نسيها هو نفسه.
انّ الناس ما كانت لتعرف هذه التفاهات لولا أنها جاءت باسم رؤساء دول ! وما كان لمثل هذه الايديولوجيات سواء التي انطلقت من أروقة الجامعة الاميركية ببيروت أو التي أستلّت افكارها من فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا والسوفييت والتي تسمّت بالوطنية اوالقومية او التقدمية أو التحررية والثورية أو حتى الاخوانية الدينية ، فانخراط ملايين المؤيدين فيها لولا الجيش وانقلاباته التي حدثت في سوريا ومصر والعراق والجزائر واليمن والسودان وليبيا وعدن.. على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين لما وجدنا مثل هذه الاحزاب المؤدلجة تتزعم الدول والمؤسسات .
ثانياً : السؤال : هل دعا مفكرون عرب إلى ابتعاد المثقف عن التخندق الأيديولوجي والسياسي؟
الجواب : نعم، دعا عدد من المفكّرين العرب صراحةً إلى استقلالية المثقف، ولكن بدرجات مختلفة، ونظريًا أكثر منها عمليًا. ومن أبرزهم: عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد أركون وعبد الرحمن بدوي وفؤاد زكريا وجورج طرابيشي وطه عبد الرحمن وغيرهم . وهناك الكثير ممن انغمسوا ايديولوجيا،قومياً: ساطع الحصري وزكي الارسوزي وسليمان العيسى وخير الدين حسيب ومحمد عابد الجابري وغيرهم. أما ماركسياً يساريا فيتمثل بكلّ من حسين مروة وسمير أمين ومهدي عامل والياس مرقص ومحمود أمين العالم وغيرهم .. أما اسلامياً: سيد قطب ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي ومحمد محمود الصواف وعمار اوزيغان ومحمد البهي وموسى الصدر ومحمد عمارة والغنوشي وغيرهم ..أما ليبرالياً، فنجد أسماء مثل : جرجي زيدان وسلامة موسى وفرح انطون في حين اشتهر العديد من المثقفين العرب كونهم في خدمة اعتاب السلطة وتمجيدها وعلى رأسهم محمد حسنين هيكل وأمثاله في بلداننا العربية . .
ثانيًا: لماذا يسقط كثير من المثقفين العرب في الطائفية أو الماضي رغم إعلان الحداثة؟
وهنا نصل إلى جوهر السؤال واشكالية ” الموضوع”. ان السبب ليس نفاقًا بالضرورة، بل بنية ثقافية عميقة ، فالحداثة في العالم العربي غالبًا مستعارة لا متجذّرة . والمثقف يتبنّى مفاهيم حداثية (العقلانية، العلمانية، الديمقراطية ، النقد والتنويرية ) من دون معرفة معانيها ، لكنه لم يعش التحولات التاريخية التي أنجبتها ، فيبقى التراث والطائفة “الملاذ اللاواعي” عند الأزمات . ان الطائفية ليست موقفًا واعيًا دائمًا، بل بنية نفسية ، وقد تكون مخفية ومبطّنة وراء الأقنعة . كثيرون يظنون أنهم تجاوزوها، لكنها تظهر في الاصطفاف السياسي، واختيار القضايا والمواقف الشخصية واللغة الانفعالية ولغة الجسد والصمت الانتقائي.
ثالثاً: السؤال هو : كيف يعيش المثقف العربي ضغط السلطة والمجتمع معًا ؟ وهل وُجد مثقف عربي مستقل فعلًا؟
في الغرب، للمثقف هامش مؤسساتي يحمي استقلاليته . أما في العالم العربي: فإما أن يكون له مشروعه الفكري ويعمل من أجله طوال حياته، أو أن يتحالف مع سلطة بلده ، أو يصبح ذيلاً مؤدلجاً بانتمائه الى جماعة (حزب، طائفة، أيديولوجيا ، حركة) ، أو يتقلّب على الموائد، أو يُقصى ويُهمَّش فيلوذ بالصمت الحقيقي ثم يموت أو يهاجر أو ينتحر . أما هل وُجد مثقف عربي مستقل فعلًا ؟ فاذا كنا صارمين، فالاستقلال حالة نادرة جدًا، لمثقفين يفرضون أنفسهم على الواقع بقوة انتاجهم، فالاستقلالية لا يتملكها الّا الأقوياء، فهي ليست نموذجًا شائعًا ، فمجتمعاتنا ليس كمجتمعات أخرى في العالم . ربما يمكن القول: ان هناك محاولات استقلالية لمثقفين أكثر من وجود استقلالية ناجزة والاستقلالية عندنا غالبًا ما تمثل موقف أخلاقي فردي لا بنية ثقافية عامة .. وحتى أكثر المفكرين جرأة: لم ينجُ تمامًا من: لغته الأولى وذاكرته الجمعية وجراحه التاريخية وأرثه المسيطر الذي لا يستطيع الفكاك عنه . وهذا لا يُدان أخلاقيًا، بل يُفهم معرفيًا.
رابعاً: الاستلابات واضحة وضوح الشمس
نعم، هناك مفكرون عرب دعوا لاستقلال المثقف ، لكن أغلبهم: وقع بين خطاب حداثي واعٍ ولا وعي ثقافي طائفي أو ماضوي أو سلطوي وسياسي وايديولوجي . أما الإشكالية ، فليست في النوايا، بل في غياب شروط إنتاج مثقف مستقل: تاريخيًا ومؤسساتيًا ونفسيًا.
لقد دعوت الى ضرورة ابتعاد المثقف عن المؤدلجات دعوات صريحةً، وان يقف المثقف على مسافة واحدة من كل التيارات .. ليس كشعار بل كخيار معرفي وأخلاقي في آنٍ واحد. لقد وجدت ان هناك قيادات فكرية وسياسية عربية كانت مهمتها صناعة مثقفين راديكاليين يرددّون ما تتلوه عليهم تلك القيادات من احلام وأوهام فيحفظونها ويجترونها وبعضها يسبح في الخيال .. لقد تخّرج ابرز هؤلاء على ايدي قسطنطين زريق في اروقة الجامعة الاميركية ببيروت ، او في مقاهي دمشق على ايدي ميشيل عفلق واكرم الحوراني ، او في منتديات بيروت على يد انطوان سعادة ، أو في خطابات جمال عبد الناصر الارتجالية في الساحات ، أو في اتصالات حسن البنا الدعوية في المساجد ، أو كتابات تقي الدين النبهاني المتشدّدة في حزب التحرير الاسلامي ، أو في بيانات الشيوعيين السرية لكل من جوزيف روزنتال في مصر. وخالد بكتاش في سوريا او الرفيق فهد في العراق .. الخ وتفرعت عن هذه الجماعات زرافات ووحداناً من المثقفين في كلّ البيئات العربية
يمكنني القول ، أن المثقف هو فاعل معرفي لا داعية وأرى المثقف بوصفه منتج معرفة نقدية وطاقة مبدعة عكس الأيديولوجي بوصفه مروّجًا لمنظومة مغلقة . وأرى أن الأيديولوجيا تُغلق الأسئلة، بينما وظيفة المثقف فتحها. وعليه،انتقدت القومية المؤدلجة والماركسية العربية المؤدلجة، والإسلام السياسي بوصفه أيديولوجيا مزيفّة بأدوات تراثية استخدمت الدين مطية سياسية. انني أرفض مفهوم “الالتزام” بالمعنى السارتري خلافًا لتيار واسع في الثقافة العربية، وأرى أن: الالتزام” السياسي للمثقف أدّى إلى تبرير الاستبداد، وحوّل المثقف إلى ضمير زائف للسلطة أو الجماعة أو الحزب الثوري الذي استخدم مصطلح “التعبئة”وكلما افكر بهذا المصطلح ، أجده يقلل من قيمة المثقف ، وكأن الحزب يسعى لتعبئة المثقفين كالسردين في قناني والكبس عليهم ! لقد زدت اصراراً على موقفي عندما قرأت متأملا افكار جوليان بيندا ، واضطلعت بتجربة مع إدوارد سعيد في مرحلته المتأخرة (المثقف خارج الاصطفاف) ، وتذكرت نفسي في زمن الصبا عندما نصطف ونحن تلاميذ نتلقى الاوامر .. وخرجت بنتيجة تقول بأنّ المثقف لا يصلح للاصطفاف أبدا ولا للتخندق مطلقا !
خامسا : خلاصة موقف
ولما كنت مقتنعاً بأن التاريخ ضد الأسطرة، فقد اقتنعت تماماً بأنّ الأدلجة تقوم على انتقاء الذاكرة، بينما التاريخ العلمي يقوم على تفكيكها ونقد النصوص، وتحليل المفاهيم، وربط الأحداث ، وتشخيص السوالب وتصويب الأخطاء . وعليه، فالمثقف المؤدلج لا يكتب التاريخ، بل يكتبه لخدمة سردية مسبقة. ويبقى يدور في دائرة مقفلة ولم يتجاوز كلّ الموروثات؟ مع استقلاليته طوال حياته سواء كانت منهجية ومعرفية أكثر منها وجودية كاملة .هكذا ، ستشكل مثل هذه الدعوة مهمّة في السياق الثقافي العربي لأنها: لم تصدر عن فيلسوف تجريدي ، بل عن مؤرخ متواضع خبر كيف تُستخدم الأفكار لتزييف الوعي، كما انها لم تُقدَّم كوصاية أخلاقية بل كتحذير معرفي في زمن موت الايديولوجيات، مع ضرورة نقد الأدلجة أولا وعدم استبدال أيديولوجيا بأخرى. نعم، انها دعوة الى تحرّر المثقف من الأدلجة، وهي دعوة واضحة وصريحة ومتكررة تباعا ومؤسسة معرفيا .. وأعترف أنها تصطدم، كما غيرها، بواقع ثقافي عربي يطلب من المثقف الانحياز يورطّه في انقسامات وتقلبات وضياع وقت وفي الاوهام والتفاهات والخطب والانشائيات.





