المثقف العربي بين غواية السلطة وواجب الحقيقة: تفكيك إشكالية الدور في زمن الانكسار التاريخي✍️عماد خالد رحمة – برلين

في لحظات التحوّل التاريخي، حين تنكسر البنى القديمة وتتداعى مسلّمات الواقع، يبرز المثقف لا كحاملٍ لمخزون معرفي فحسب، بل كضميرٍ يقظ، يقرأ المجريات بعيون النقد، ويفكّك آليات الخداع والاستبداد، ويستشرف أفقاً جديداً للوعي الجمعي. وإذا كان القرن العشرون قد قدّم للمثقف العربي ساحات النضال القومي والتحرّر الوطني، فإنّ العقد الأخير، الذي وُسم بـ”الربيع العربي”، كشف بحدة عن أزمة وظيفته، وارتباك موقعه بين الشارع والسلطة، وفضح عجزه عن استثمار اللحظة التاريخية التي كان يمكن أن تعيد له دوره الريادي.
لقد وجد المثقف العربي نفسه أمام مرآة قاسية، تعكس لا فقط إخفاقاته في اللحظة الثورية، بل أيضاً تراكمات قصورٍ ممتدّ منذ ما بعد الاستقلال السياسي، حين أُقصيت الجماهير عن المشاركة الفاعلة في تشكيل المجال العام، وأُفرغ الخطاب التنويري من فاعليته التاريخية. وما الحراك الشعبي الذي فجّر الطاقات الكامنة للجماهير إلا حدث وقع إلى حدّ بعيد خارج الإعداد النظري والثقافي المسبق، فظهر الارتباك وتعمّق الانفصال بين المثقف وشارعه.
إنّ مفهوم “المثقف” في الثقافة العربية الحديثة مفهوم ملتبس ومركّب، جاء وافداً عبر التلاقح الفكري مع التجربة الغربية، بعد أن كان المجال العربي يعرف أنماطاً أخرى من حَمَلة العلم والمعرفة: من الفقيه إلى الحكيم إلى المصلح. ومن بين التصورات النظرية التي تمنحنا مفتاحاً لتحليل هذا الدور، نجد مفهوم “المثقف العضوي” لدى أنطونيو غرامشي، ذلك الذي ينخرط عضوياً في البنية الاجتماعية المهمّشة، ويزاوج بين الفكر والممارسة في مشروع نقدي تحرّري، يسعى إلى زعزعة الهيمنة وكشف بنيتها الأيديولوجية.
غير أنّ الواقع العربي أفرز أيضاً أنماطاً أخرى: المثقف العام، الذي يحاول مقاربة الشأن العام باستقلالية فكرية؛ المثقف الإصلاحي، الذي يتحرّك داخل النظام بحثاً عن تحسينات جزئية؛ وأخيراً المثقف السلطوي، الذي يبرّر الاستبداد باسم الاستقرار، ويخشى أي مشروع تحوّلي جذري. وفي زمن الهشاشة السياسية والاجتماعية، تمدّدت الفئة الأخيرة، مستفيدة من امتيازات السلطة، حتى وُصف بعضهم –كما يقول مصطفى آيت– بـ”المثقف الشبيح”، وهي تسمية تكثّف صورة الانخراط في آلة القمع لا في مشروع التحرّر.
أمّا النخبة التي اختارت الصمت، تحت ذريعة الخوف أو الحذر، فقد خانت وظيفتها الأخلاقية، وأضحت جزءاً من ماكينة تزييف الوعي، بينما ظلّت اللغة النخبوية المغلقة التي يستخدمها بعض المثقفين جداراً يحول بينهم وبين هموم الناس اليومية، فتعطّلت جدوى خطابهم رغم وفرة المنابر.
بهذا المعنى، تحوّل كثير من الإنتاج الثقافي العربي في ظل الدولة الأمنية والطائفية إلى خطاب زائف، محكوم بولاءاته، ينتج خضوعاً طوعياً ويعمّق الانفصال عن الواقع. ومع هذا، تبقى فسحة الأمل قائمة، مشروطة بقدرة المثقف الحقيقي على الانحياز الجذري لقضايا الإنسان، وإعادة بناء الجسور مع المجتمع، عبر تفكيك بنية القهر، وكشف آليات صناعة الوهم، وتمكين الوعي الجمعي من أدوات التحرّر الداخلي، بما يمهّد لمواجهة القوى المهيمنة – داخلية كانت أم خارجية – بعقل نقدي ووعي تاريخي قادر على صوغ بدائل حقيقية.





