أدب عالمي

القلب المخبر – إدغار ألان بو – ترجمها عن الإنجليزية عمر تركيت


صحيح… أنا عصبي المزاج… عصبيي جدا ، غير أني لم أكن مجنونا … المرض لم يدمر حواسي ولم يضعفها، فقط جعلها أكثر حدة، كذلك زاد من قدراتي على السمع. أسمع كل ما يدور في السماء من فوقي وفي الأرض من تحتي… تخيلوا… سمعت الكثير مما يجري في الجحيم… لا تتهمونني بالجنون؟ استمعوا إلي… حاولوا .
ألم تلاحظوا ثقتي بنفسي وهدوء أعصابي وأنا أروي لكم قصتي …
مستحيل أن يعرف أحد كيف دخلت الفكرة رأسي ولكن… ولكن ما إن تبلورت حتى استحوذت على تفكيري وصارت تؤرقني ليل نهار… لم يكن لي سبب أو هدف يدفعني للقيام بما فعلته… ولكن…
كنت أحب الرجل العجوز…. لم يظلمني أبدا… ولم يسبق له أن أهانني يوما… هل تعتقدون أن الذهب الذي يملكه أغراني… لا!
ما كان يهيج تفكيري أعظم من ذلك… نعم… أعظم… إنه… إنها عينه… نعم… هي… هي عينه اللعينة… ولا شيء غيره…

عين أشبه بعين النسر، زرقاء شاحبة اللون، تضم قصة ما… حين تنظر إلي أشعر بالدم يتجمد في عروقي… بدأت الأفكار تتكون في رأسي الفكرة تلو الأخرى… نعم… قررت أن أضع حدا لحياة هذا العجوز حتى أخلص نفسي من تلك العين اللعينة…
لا تظنونني مجنونا… المجانين لا يملكون مثل ما لي من قدرات.. تمنيت لو رأيتم كيف كنت أمضي بكل ثقة وحذر وذكاء للقيام بما أنوي فعله…
كنت في غاية الهدوء… كل منتصف ليل أمسك مزلاج الباب، أفتحه بهدوء شديد. وعندما أشعر أن فتحة الباب أصبحت كافية لإدخال رأسي، أضع فانوسا خافت الضوء، وكل المنافذ محكمة الإغلاق لا يتسرب منها الضوء، ثم أدخل رأسي بكل حذر في فتحة الباب… هههه ها… كنتم فعلا ستضحون لو رأيتموني أدخل رأسي في فتحة الباب… وبعدها أمشي ببط ء شديد جدا كي لا أوقظ العجوز المسكين من نومه، ههه ها… ولكن هل تصدقون ، أن إدخال رأسي من الباب ورؤية العجوز نائما بكل هدوء في فراشه، استغرق ساعة كاملة؟
ها ها ها…. تعتقدون أن هناك مجنونا يملك كل هذه الذكاء؟
عندما تأكدت من أن رأسي كانت داخل الغرفة تماما، أطفأت الفانوس بحذر شديد جدا، لأوقف صريره. لم يبق سوى شعاع خافت جدا وقع على عين النسر المغمضة. تعذر علي إتمام ما كنت أنوي فعله …
ما كان يستثير غضبي ليس الرجل العجوز بل… بل كانت عينه الشريرة … سبع ليال طوال متواصلة، أجد عينه مغمضة… ومع ذلك كنت في كل صباح، وعندما يبدأ النهار… أذهب الى الغرفة بكل جرأة وأتكلم معه بكل شجاعة… أسأله كيف قضى ليلته.
لم يراوده شك أني كل ليلة على الساعة الثانية عشرة بالضبط أنظر إليه وهو نائم في كوخه .

وفي الليلة الثامنة تحديدا كنت أكثر حذرا من بقية الليالي… عقارب الساعة على الرغم من بطئها، تتحرك بسرعة … وفي تلك الليلة أحسست مدى قوتي وذكائي… لم أكن قادرا على كتم شعورا بالانتصار يتأجج داخلي لمجرد التفكير أنني مازلت في مكاني – أفتح الباب لم يكن العجوز ليتخيل ما أنوي فعله أو ما أفكر به… ضحكت بخبث من أفكاري الجهنمية… أظنه سمعني، لقد تحرك فجأة في السرير كما لو أن شيئا ما أفزعه… لا… لم أهرب… كانت غرفته سوداء حالكة الظلام كالفحم… والنوافذ محكمة الإغلاق خوفا من اللصوص… أعرف أنه لا يمكن رؤية فتحة الباب، واستمررت أدفعه بثبات، وبهدوء شديدين . فجأة انزلق إبهامي من على الفانوس فكاد يشتعل، حينها نهض العجوز فزعا يصرخ “من هناك ؟ من ؟…”
بقيت صامتا… مدة ساعة كاملة والعجوز بجلس منتصبا في سريره، كما لوكان يصغي لدقات ساعة الموت تتردد بين الجدران… سمعت تأوها، عرفت أنه أنين الرعب… لا لم يصرخ ، إنه ذاك الأنين الضعيف الذي ينبع من باطن الروح عندما يكبر خوفها… نعم… عرفت الصوت جيدا… فأنا أعيش مثله ، منتصف كل ليلة، يتدفق من صدري عميقا ومخيفا كلما حاولت إنهاء حياة العجوز …
شعرت بالشفقة تجاهه بالرغم من أني في الواقع كنت أضحك منه ومن طيبته الزائدة… ولكنه ظل يقظا بعد الهلع الذي سيطر عليه في المرة الأولى يتقلب في سريره، محاولا إخماد رعبه.
يردد داخله:
” لا شيء…. إنه صوت الرياح في المدخنة…. أو لعله فأر يمشي على الأرض…. بل إنه صوت صر صار الليل. نعم…. إنه…. هو…. “
انتظرت طويلا كان لا يزال منتصبا لا يحرك ساكنا…. ثم بهدوء كبير فتحت شقا صغيرا جدا في االباب ،يدخل منه ضوء الفانوس .
و استطعت أن أشعل شعاعا خافتا مثل خيط العنكبوت، انطلق من الشق ووقع على عين النسر مباشرة .كانت زرقاء باهتة .
لم أستطع رؤية أ وجهه أو جزءا من جسده. حدسا أو ربما بالغزيزة وجهت الشعاع على العين الملعونة . شعرت بالقشعريرة في عظامي، ثم تهادى إلى أذني صوت ضعيف… كان صوتا غامضا… سريعا… مثل صوت عقارب الساعة عندما تكون مغطاة بالقطن…. وكنت أعرف ذلك الصوت جيدا … إنه نبضات قلب الرجل العجوز، أشبه بصوت الطبول عندما تحفز الجنود للحرب. ومع كل ذلك جلست ساكنا وانتظرت، كاتما أنفاسي، أمسك بالفانوس، وكانت دقات قلبه البغيضة تزداد بسرعة كبيرة… كنت أسمعها جيدا، حتى أني ظننت أن الجيران سمعوا صوتها وأن القلب سينفجر… ارتفع اضطرابي… ولكنها العين اللعينه، وهذه ساعتها قد حانت !!!…

اقتحمت الغرفة والمصباح في يدي… ذهل العجوز المسكين وحاول الصراخ… نعم لقد حاول فعل ذلك… ولكنه… لكنها كانت صرخة واحدة مني واحدة فقط ترددت بين جدران الكوخ… هويت عليه وطرحته أرضا… ثم بحركة واحدة قلبت سريره الثقيل عليه……
تملكني شعور بالزهو ونوبة من الضحك… هههه… ثم أزحت السرير لأرى الجثة ولأتكد من موت العجوز ذي العين اللعينة… كان بلا حراك كالصخر… كان ميتا فعلا… وضعت يدي على قلبه أجس نبضه لمزيد من اليقين… كان خامدا فعلا….
لم تظنون أني مجنون… أخبركم للمرة الألف أن هذا ليس جنونا… نعم… نعم ليس جنونا… إني متيقن أن ظنكم السيء سيتوقف حين أحكي لكم كيف أخفيت أثر العجوز من على سطح الأرض.
أول شيء فعلت… شوهت الجثة حتى ضاعت معالمها، ثم فصلت الرأسه واليدين والرجلين عن بقية الجسد. وبعدها أخذت ثلاثة ألواح من أرضية الكوخ… وضعت الأطراف مكان الألواح.. ثم أعدت وضع الألواح بذكاء في امكنتها بطريقة تمنع العين البشرية أن ترى ما حدث… حتى عينه هو… لم يبق من الجثة ما يستدعي تنظيف الكوخ… لا أوساخ أو قطرات دم…
حين انتهيت، كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحا إلا بضع دقائق. الجو مظلم وكأنه منتصف الليل… وعندما دق الجرس معلنا تمام الساعة الرابعة سمعت طرقا على الباب… فتحت وأنا أشعر بالارتياح، لم يعد هناك ما يدعو للشك أو الارتياب. دخل ثلاثة محققين، جاءوا عقب إبلاغ جار الرجل العجوز الشرطة عن سماعه صرخة أثناء الليل، أثارت شكوكه حول وقوع جريمة في بيت العجوز. .
ابتسمت… لا يوجد ما أخاف منه الآن؟ رحبت بالرجال… أوضحت لهم أن الرجل العجوز غائب عن البلدة … وأني كنت نائما وأثناء حلمي صرخت، لم أكذب انها كانت صرختي … فتحت لهم الكوخ ليفتشوه طالبا منهم أن يبحثوا جيدا في كل مكان… ثم أطلعتهم على الكنوز التي يملكها… وكيف هي آمنة لم يقربها أحد… وفي قمة حماسي لثقتي الزائدة بنفسي أحضرت لهم كراسي إلى الغرفة… وطلبت منهم أن يجلسوا ليرتاحوا قليلا من الإرهاق… وضعت كرسيا على موضع الجثة، وجلست عليه …
كان المحققون مرتاحين. وكأن طريقتي أقنعتهم… يتكلمون في أمور أخرى وأجاوب على أسئلتهم بحماس فرح… غير أن هذا لم يدم طويلا… شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلي… تمنيت لو أخلوا المكان… ضجت رأسي بالألم ينبعث أصواتا حاة من أذني… ولكنهم استمروا يثرثرون ويثرثرون… استمر الصداع في رأسي يكبر …واستمرت الأصوات في أذني ترتفع… حاولت التكلم بصوت جاد مرتفع لأتخلص من إحساسي بالألم … لكنه استمر… وفي كل مرة يكتسي وضوحا أكبر… اكتشفت أن الصوت لم يكن في أذني…
كان صوتا منخفضا وبغيضا وسريعا مثل حركة عقارب ساعة وسط ثوب من القطن… حاولت التنفس بشدة ومع ذلك لم يسمع المحققون ما كنت أفعله… تكلمت بسرعة أكثر… وعنف أكثر… ولكن في كل مرة كانت الضوضاء ترتفع أكثر… قمت من على الكرسي وبدأت أتحدث في مواضيع بلا معنى مرفقا كلامي بحركات عنيفة … لكن الضوضاء ازدادت… أسال نفسي” لماذا لم يغادروا “. الضوضاء تزداد بسرعة كبيرة…. أوه يا إلهي ما الذي يمكنني فعله؟ صرخت… وانفعلت… ولعنت …ومسكت الكرسي… وحطمته على جوانب الغرفة… واستمر الصوت… يطن… ويطن… ويطن …وهم يثرثرون في انشراح…
يا الله… هل يعقل أنهم لم يسمعوا هذا الصوت… أكيد أنهم يسمعونه.. أنا اعتقد هذا… بل أنا متأكد …نعم متأكد… لقد علموا بكل شيء… ولكنهم كانوا يسخرون من هذا الفزع المستولي علي… هذا أكيد… لكن كل شيء يمكن تحمله إلا هذه السخرية…
أسمع الصوت… يعلو… ويعلو …
صرخت بكل قوتي في وجه الرجال الثلاثة :
“أيها الأشرار… أيها المنافقون الكاذبون” “كفى من هذا النفاق الزائف… سأعترف بما فعلته… كسروا هذه الألواح الخشبية… من هنا… يأتي هذا الخفقان البغيض.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading