العيب والحرام ✍️وسـام طيارة السوري
نحن لا نحيا في مجتمع مدني أو ديني.. بل في مسرح كبير، تُدار فيه حياتنا من وراء ستارٍ اسمه: ماذا سيقولون عنا؟. فلا أحد يتورع خوفاً من الله، بل خوفاً من الفضيحة. ولا أحد يكبح شهوته لخشية الحرام، بل لخشية أن يُكشف أمام أعين من يعرفونه.
ببساطة: نحن لا نعيش ما نؤمن به.. بل ما يُرضي العيون التي تُراقبنا. فصرنا نُحسن التمثيل أكثر من الحب، ونخاف العيب أكثر من الله. نصلي.. لكن بقلوب ترتجف من نظرات الناس، لا من السؤال الأبدي: “من أكون أمام روحي؟”.
العيب: ديـن جديد بلا كتاب.
في مجتمعاتنا، العيب مقدس أكثر من الصلاة، ومرعب أكثر من النار. فالعيب ليس قانوناً، ولا نصاً، ولا مبدأ.. بل شبح بلا ملامح، لكنه يتحكم بكل التفاصيل: كيف تمشي؟ كيف تضحك؟ متى تتكلم؟ مع من تجلس؟ وماذا تلبس؟ وماذا تأكل؟. فالعيب هنا.. لا يُسأل عن منطقه، بل يُخاف منه كإله صامت.. لا يُناقش. هناالعيب ليس مبدأ.. بل كابوس متوارث.
وكمثال لذلك: فتاة تُمنع من الضحك بصوت عالي، ليس لأنه خطأ.. بل لأنه “عيب”.
بينما يُمدح الشاب إن تكلم بصوت عالي، لأنه “رجل”.
الحرام: غائب تحت قناع المجاملات.
الحرام لا يهم إن لم يكن له شهود.. ولهذا، نمارس الغش ونُهندس الكذب ونُبرر الفساد، ثم ننام مرتاحي الضمير، لأننا لم “نُفضح”!. بينما نخاف أن نحضن من نحب أمام الناس، لا لأنه حرام، بل لأنه “عيب”.
الحرام فينا ليس ما يحرمه الدين.. بل ما يهدد وجهنا الاجتماعي أمام القطيع الأحمق. فيصبح الحرام لا يُدان إلا إن كُشف.. أما إن بقي مستوراً، فهو “شطارة”!.
وكمثال لذلك: رجل يسرق المال العام، ويُحاط بالتصفيق لأنه “ذكي وواصل”.. بينما الفقير يُحاسب إن رفع صوته.
الصدق الذي نخشاه
أسوأ ما في العيب، أنه لا يملك معياراً واحداً. فما هو “عيب” في بيتك، قد يكون شرفاً في بيت غيرك. وما يُحرم على الفقير، يُبارك عند الغني، لأن للمال عيباً من نوعٍ آخر: عيبٌ يُشترى بالصمت، ويُغفر له بالهدايا.
وهكذا، نعيش في مجتمع يعاقبك إن كنت صادقاً، ويكرمك إن كنت بارعاً في التخفي. في بيئة تخاف الحقيقة.. الكاذب يصبح هو (البطل).
وكمثال لذلك: شاب يُطرد من العمل لأنه قال الحقيقة، ويُكرم من يكذب بابتسامة ناعمة تحافظ على “الشكل العام”.
الخوف الذي خلق مشوهاً
الخوف من العيب شوه أرواحنا. وحول الفتيات إلى واجهات مُغلقة، والشبان إلى ممثلين بدرجة عاشقين.
أخفينا الحب، وأعلنا الكراهية.. أخفينا الحرية، وتغنينا بالانضباط.. أخفينا الخطأ.. لكننا لم نصلح أنفسنا. نخفي أرواحنا تحت ثياب تليق بالمجتمع، لا بالإنسان.
وكمثال لذلك: فتاة تُمنع من التعبير عن رأيها كي لا “تُحرج العائلة”، بينما الأخ يتحدث بكل حرية حتى وهو يهين.
نداء أخير: (لك عزيزي) أعد ترتيب مخاوفك.
كن إنساناً يخاف من الظلم لا من اللوم.. من الكذب لا من العتاب.. من الحرام لا من الهمس حوله. لا تُربي أولادك على العيب.. بل علمهم أن يخافوا من الظلم، من الجرح، من الإساءة، من الله.. لا من الناس. فالخوف من الناس لن ينقذك من نفسك.. ولن يُسكن في قلبك السلام.
وكمثال لذلك: أب يعلم ابنته أن تستر نفسها من عيون الناس، لكنه لا يُعلمها أن تستر قلبها من ظلمها لنفسها.
خـتاماً أقول:
حين يصبح العيب أكبر من الحرام.. نمشي به منتصبين في الأسواق، ونحن منكسرون من الداخل. لنُخفي الجريمة خلف ستار الشرف، ونُدين الحب باسم السمعة. ونُصلي خوفاً من كلام الجيران، لا حباً وشوقاً إلى الله.
متى سنصحو من كابوس “العيب”، ونسأل أنفسنا: هل نخاف الله، أم نخاف نظرة الناس؟
متى سنُربي أبنائنا على النقاء، لا على التجمل؟
فالنجاة ياعزيزي ليست في السمعة.. بل في “الضمير”.






