مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

العرّافة التي قرأت طفولتي – هديل نوفل-الجزائر

امرأة ذات شعر مجعد طويل، ترتدي قميص أبيض يحمل طباعة كلاسيكية، تبتسم في بيئة داخلية مضاءة.

إلى تلك المرأة التي قرأت فنجان أمي ذات مساء،

ولم تكن تعلم أنها كانت تقرأ عمري كلّه…

كنتُ أجلسُ مع أمي
ونسوةِ الحارة،
والقهوةُ تُدَوِّرُ أسرارَها
في فناجينهنّ
ككواكبَ صغيرةٍ
تبحثُ عن قدرٍ…
كانت العرّافةُ
تغمسُ أصابعَها في الغيب،
وتلتقطُ من قاعِ الفنجان
أعماراً مؤجَّلة،
وخيباتٍ
بحجمِ خاتمٍ ضائع.
انتبهتْ
أنني أسرقُ السمعَ
إلى المجهولِ الذي تُنثره
مثل قمحٍ على شرفةِ الكلام،
فقالتْ:
أنتِ…
أيتها الطفلةُ البريئة،
لا تكبري…
إنّه فخُّ الضوءِ في عينيكِ،
والوردُ حين يراكِ
ينسى اسمَهُ… ويتبعكِ.
يا طفلةً
تجلسُ الآنَ على عرشِ البنفسج،
وتُمسكُ دميتها
كما تُمسكُ الأمُّ الدعاءَ لأبنائها
كي لا يسقطوا
من شدّةِ الحبّ…
في شعركِ
تنامُ الفصولُ الأربعة،
وتستقيلُ الريحُ
خجلاً من ضفائركِ،
وتكتبُ الفراشاتُ
وصيّتَها الأخيرة
على كتفيكِ.
أيُّ سرٍّ بينكِ
وبين هذه الدميةِ
التي لا تفارقكِ؟
تلك التي أهدتْكِ إيّاها أمُّكِ
حين نجحتِ
وكان الفرحُ أكبرَ من الحارةِ كلّها…
كأنكِ اللهفةُ الأولى
لقماشٍ تعلّمَ فجأةً
أن يخفقَ…
ثم صمتتْ.
كأنها رأتْ
ما لم أره.
قالت:
لا تكبري…
فالزمنُ غيورٌ من براءتكِ،
والمدنُ تأكلُ ضحكاتِ الصغيراتِ
كأنها سكّرٌ مسروق.
ابقَي كما أنتِ…
مركباً من قطنٍ
يبحرُ في بحرِ الياسمين،
ووردةً
إذا تنفّستْ
امتلأ المساءُ
بعطرِ الطفولة.
يا زهرةَ الربيع،
يا قصيدةً لم تتعلّمِ القافيةَ بعد…
ليتني أستطيعُ
أن أرى العرّافةَ الآن،
بعد أن تجاوزتُ الثلاثين،
وأقول لها:
كنتِ محقّة.
كبرتُ…
وتعلّمتُ
أن الضوءَ فخّ،
وأن المدنَ
لا تحبُّ العيونَ الصافية.
كبرتُ…
وتركتُ دميتي
على رفِّ طفولةٍ بعيدة،
لكنّها
ما زالت تضمّني في المنام
بذراعين صغيرتين.
أيتها العرّافة،
علّمتِني متأخّراً
أن الحبَّ
ليس رجلاً وامرأة…
بل طفلةٌ
تضمُّ دميتها
وتحمي العالمَ
من الانكسار.
علّمتِني
أن كلَّ جميلٍ
يذهب…
لكنّه
يتركُ عطرَهُ
في القلب،
وأن الطفولةَ
لا تعودُ جسداً…
بل تعودُ
كلّما بكينا
ببراءة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading