الرواية بين نعيها الزائف ووعدها بالحياة✍️عماد خالد رحمة – برلين

منذ عقود، ظلّت العبارة النواحية التي تُعلن “موت الرواية” في الغرب الأوروبي كجدارٍ من الإحباط يسدّ أمام الروائيين الناشئين أفق الحلم. كان هؤلاء، مدفوعين بجرأة الخيال وحرارة الإبداع، يتطلعون إلى انتزاع مكانهم في هذا الفن الراسخ، لكنهم اصطدموا بخطاب “علموي” يروّج لفكرة أن الرواية فقدت وظيفتها لصالح وسائط الاتصال الحديثة التي تقدّم المعلومة السياسية والتاريخية والنفسية بسرعة أكبر وفاعلية أوسع.
هكذا انكمشت المساحات التي كانت الرواية تسيطر عليها، وتحوّل العالم إلى شاشة تومض بالأخبار والصور، بينما ضاق أفق الروائي وتراجعت شهوة الاكتشاف لديه. أضف إلى ذلك فتور القراءة وتقهقر جمهور الأدب أمام سطوة التلفاز، حيث صار المسلسل المشوّق بديلاً عن النص المكتوب. وكما قال جان بودريار، فإن الانفجار الخارجي للمعلومة، مقروناً بانفجار المعنى، جعلنا نشعر بتخمة معرفية بلا جهد، وكأننا نحيا في عالم مكتفٍ بذاته إلى درجة العقم التخييلي.
إن استعادة الرواية لدورها تتطلب وقتاً ورغبةً في تحويل المعلومة إلى تجربة، والتجربة إلى معرفة، على نحو يُصلح الخراب الذي تسببت فيه هيمنة السلطة الإخبارية. فهي، كما يرى ميلان كونديرا، “فن الاستكشاف الذي لا يمكن للخبر العاجل أن ينجزه”.
لكن هذا الفن وُوجه بعقبات داخلية أيضاً:
1. الارتهان لواقعية ضيقة تحارب التخييل نفسه.
2. الانغلاق داخل حدود الهوية الوطنية الضيقة، ورفض الانفتاح الكوسموبوليتاني.
3. العداء لأي جمالية شكلانية، تحت ذريعة الالتزام الأدبي.
يصف كارلوس فوينتس هذه المواقف بأنها “ذرائع أيديولوجية” أقامت قطيعة بين الرواية وحريتها الفنية، قبل أن تتلاشى مع الزمن، تاركة درساً ينبغي أن يُستوعب لا أن يُنسى.
أما التحدي الأكبر فيكمن في سؤال: ماذا تفعل الرواية أمام تاريخٍ مشحون بالصراعات والهويات المتناحرة؟ قد تتحوّل، في يد بعض الكتّاب، إلى أداة تمجيد لهوية جماعية تصطف مع خطاب سياسي أو إعلامي، لكنها بذلك تعيد إنتاج الصراع بدل تجاوزه. المطلوب، إذن، أن تكون الرواية نصاً نقدياً تحررياً، يفتح حقل الممكن كما حلم به إرنست بلوخ في “مبدأ الأمل”، ويخلق “حاضراً جديداً” عبر إعادة حبك التاريخ وتفكيك الهوية، لا تكريسها كقدر محتوم.
الرواية الحقيقية لا تعيش في معزل عن الحياة، ولا تختبئ وراء زخارف البلاغة الميتة، بل تنغمس في حركة المجتمع وتاريخه، وتعيد صياغة اللغة كأداة للفهم والإدراك، لا كوعاء جامد للمعلومة. فهي، كما يقول باختين، “فضاء للحوار اللامنتهي”، حيث الأصوات تتقاطع، والحقائق تتنازع، والمعنى يبقى مفتوحاً على احتمالاته.
يبقى السؤال: هل تنحاز الرواية إلى اتجاه الحياة، فتستمر كفنٍ للتغيير وإعادة الخلق، أم تستسلم لمنطق النعي الزائف وتتحوّل إلى أثر من الماضي؟ الجواب رهن بقدرة الكتّاب على مقاومة الإغراء الإخباري واستعادة سلطة الحلم.





