الحكاية الأخيرة قبل أن تنام شهرزاد- الشفيع علي الفكي
في صباح من صباحات شهر يونيو وجدته جالسا علي خرقة من القماش وبجواره حبال من الصوف أمام المنزل الذي يعمل حارس ليلي له منذ سنوات فاقت الأربعين ، يداعب حبات مسبحته المصنوعة من ثمار اللالوب دونما خوف وكأنه يحصي سنوات عمره التسعين سبق وان اخبرني بأنه علي مشارف إتمامها لم أقطع عليه تسبيحة ووصاله مع السماء ، كان صوت الحبات وهي ترتطم ببعضها بدفع المرء الي الإنصات ، لم يكن يبدو عليه أي من علامات الخوف والذعر كان هادئا وكأنه جسد قد فارقته روحه ولم يهوي علي الأرض ، و ضعت أمامه كوبا من شاي كنت قد صنعته له بنفسي دونما ان يطلبه مني اعتدت إن أفعل ذلك لعلمي بحبه لمنقوع أوراق نبات الشاي الكيني ، و ضعت كوب الشاي أمامه و جلست بجانيه فلم يحرك ساكنا كدت أمسك بكتفيه بكلتي يدي واهزه لأتأكد من أنه علي قيد الحياة ، رفعت صوتي مناديا عليه فالتفت ناحبتي وقال أتظنني لم أكن أعلم بوجودك ،مازال بصري علي حدتته و سمعي يكاد يصطاد دبيب النمل ، لم أشيخ بعد ولم تتعطل حواسي يا صغيري أدركت انك خائف فلم أرد إن ازيد من خوفك ، قال لي أحدهم وهو يركض أدخل الي منزلك أيها الشيخ العجوز لقد اشتعلت الحرب و الطائرات تحلق في سماء المدينة و المدافع تدوي علي الأرض و الجنود يمسكون برشاشاتهم و يطلقون النار علي الجميع بما فيهم النساء و الشيوخ و الأطفال ، ضحكت من الطريقة التي يتحدث بها كان يركض كديك مذعور أكلت النيران ريش جناحيه ، لقد شهدت الحربين الكونيتين الاولي والثانية ولم استلقي بعد تحت الازهار يظللني شاهد قبر كتب عليه هنا يرقد البطل فلان ، كنت حينها في الصحراء الليبية عند الحدود مع دولة تشاد أرعي غنم لأحد تجار المواشي تركته و ذهبت وحاربت مع العثمانيين وعدت بعد انتهاء الحرب عندما حاصر مهدي الله ود أحمد خرطوم الترك و الأغاريق ، كنت ضمن جيشه الذي كان مرابطا خلف النهر لايام قبل أن ينقض علي الكافر غردون في قصره فيفصل أحد الجنود رأسه عن جسده ويحمله في مخلاة الي سيدنا المهدي في أمدرمان، كان وقتها الخواجات والأرمن والشوام واليهود هم سكان المدينة وبيوتهم من الحجر ويشتغلون في تجارة الأقمشة والذهب والغلال والبعض منهم موظف لدي الحكومة البريطانية ، شاهدتهم يتركون محلاتهم مفتوحه ويهربون بإتجاه النهر ، كنا نصطادهم كالأرانب دونما مقاومة ، نقتل من نقتل ونضع نساءهم الجميلات في سجن الحجر ، وعندما جاء كتشنر بن الشيطان بمدافعة وبوارجه الي أمدرمان وقصف قبتها وهزم جنود خليفتها في معركة كرري وعبث بها فسادا لأيام ثلاث






