التمكين بين الدلالة والخط العربي✍️د. وجدان الخشاب / العراق


قراءة تحليلية للوحة (يوسف) للفنان عباس الطائي
على خامةٍ من الورق نفّذَ الفنان عباس لوحته التي خطَّ فيها الآية الكريمة رقم (56) من سورة يوسف، والتي تنصُّ على( وكذلك مكّـنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره) بخط الثلث، متخذًا من البني المتدرج بين الفاتح والأغمق قليلاً لونًا للأرضية، وهو لون التراب ؛ لأنَّ الآية القرآنية الكريمة تتحـدّث عن تمكين نبيّـه يوسف في الأرض، وبما أنَّ التراب الأرضي ليس لونًا واحدًا بل خلقه الله متعدد الألوان، والأرض أيضًا ليست مستوية بل قد ترتفع في مكان وتنخفض في أُخرى، فكان لا بُـدَّ للفنان يوسف من تأكيد هذه الصفة باستعمال التدرّج اللوني، هذا من جهة، ومن جهة ثانية هو إشارة واضحة الى امتداد تمكين النبيّ يوسف على مساحة واسعة من الأرض هي مصر وما حولها، أمّـا في وسط اللوحة فكان اختياره للدرجة الفاتحة المضيئة من اللون البنيّ؛ للدلالة على أنَّ التمكين هو هبة وتكريم من الله عـزَّ وجلَّ، وأيضًا هي إشارة الى أنَّ النبيّ يوسف استعمل هذه الهبة فيما ينفع العباد على أكمل وجهٍ.
يعتمد توزيع الكتل الخطية على فكرة الفنان في منح اللوحة شكلاً اخراجيًا متناسقًا ومتوازنًا من جهة، وعلى ما يتيحه خط الثلث من امكانية التصرف بشكل الحرف وتراكبه مع الحروف الأُخرى في النص الواحد، وأول شكل يفتتح هذه اللوحة هو شكل أقرب الى الدائرة غير منظورة الحدود كتب فيها الفنان البسملة، والدائرة شكل هندسي منتظم يمثّـل رمزًا للكون وعناصره مثل الشمس والقمر والكواكب، وهو أيضًا في مستواه الرمزي يشير الى الكمال، والى الحركة الايقاعية المستمرة للحياة، وكلّـها معطيات إلهية للمخلوقات، ولكنَّ الفنان هنا اعتمد على منح هذه الدائرة غير المنظورة حيوية، من خلال اختياره لشكل نهاية حرف الميم في كلمة (الرحيم) فـمنحه امتدادًا خارجًا عن محيط الدائرة، ونازلا الى الأسفل، وكان اختياره هذا واعيًا تمامًا، حيث حقـق من خلاله عـدّة أهداف، أولها منح هذا الحرف جمالية في انسيابيته ثم التفافه، وثانيها شغل جزءاً من الفراغ بينها وبين الآية القرآنية الكريمة، فبدا وكأنه جزء منها ولا ينفصل عنها، وثالثًا حـقـق تضادًا متوازنًا مع جملة (صدق الله العظيم) التي اتخذت شكل دائرة غير منتظمة من ناحية، وكتبت بحجم أصغر من الأُولى، وكان التفاف نهاية حرف الميم فيها الى داخل الجملة، كما أنّـها اتخذت موقعها قريبًا من السطر الكتابي فبدت وكأنها جزء منه.
عُـرِفَ التركيب بأنّه تنظيم يتمثل بإخفاء جزء من الشكل من قِبل شكل آخر أمامه، وهذا ما نلاحظه في كتابة الجزء الأول من الآية الكريمة، حيث كتب الفنان الكلمات بشكل متراكبٍ معتمدًا على كلمتي (وكذلك مكّـنّـا) لتكون قاعدة لما بعدها من الكلمات، فتتفق بذلك مع دلالتها لأنَّ التمكين يأتي أولا، وتعلوها صعودًا كلمة (ليوسف) لأنّـه هو المختص بالتمكين، فهو ليس حالةً عامّـة لكل البشر، ولهذا منحها لها الفنان عباس مكانتها الخاصة، أمّـا شبه الجملة (في الأرض) فـقـد منحها مكانها في الأعلى، ليس للحفاظ على تسلسلها في الآية الكريمة فـقـط، بل أيضًا للتأكيد على أنَّ التمكين محدد مكانيًا بالأرض، وهنا تشكّل تضاد دلالي لافـت؛ لأنَّ التمكين إرادة إلهية علوية تعلو على الأرض وما فيها، وهو الانطلاق والبداية فشكّل قاعدة التكوين الخطي لهذا الجزء من الآية الكريمة.
ويلاحظ المشاهد أنَّ خاصية التركيب تطغى على هذا الجزء ففي كلمة (وكذلك) يجد أنَّ حرف اللام في كلمة (يوسف) يتخذ موقعه أمام امتداد حرف الكاف، وفي موقعٍ وسط بين حرف اللام وامتداد الكاف، مما شكَّل مظهرًا جماليًا للامتداد الرأسي، وكذلك تراكب حرف الميم في كلمة (مكّـنّـا) مع حرف الكاف لكلمة كذلك، وهذا ما جعل خاصية الاتصال واضحة، أمّـا كلمة (ليوسف) فقد عمد الفنان الى تظهيرها متراكبة مع كلمتي (وكذلك مكّـنّـا) للدلالة على الارتباط الدلالي الذي سبق لنا الإشارة إليه، ويجد المشاهد أنَّ شبه الجملة (في الأرض) أخذت مظهرها المتراكب من خلال كتابة حروف (الا) متداخلة مع حرف (ي) في كلمة (في)، واتصال حرف (ض) مع حرف الألف في كلمة (مكّـنّـا).
وهذا التراكب لم يُـخل بمجموعة من الخصائص التي لا بُـدَّ من أن يوليها الفنان عناية واضحة، فمثلاً نجد أنَّ التنسيق الكتابي، أي تعميم الحروف كلّها مفصولها وموصولها واضحًا فلم تتفاوت في التأدية الكتابية، فتحقـقـت بذلك خاصية التفريق فلم تزاحم الحروف بعضها مكانيًا، وكان لانتصاب حروف الألف واللام والكاف دورها الواضح في منح الكتابة صعودها مقابل الحروف اللينة التي تميّـزت بالرشاقة والانسيابية.
إنَّ حالة التمكين تستدعي بديةً الحركة والنشاط الذي لا يعرف السكون والخمول، بحكم المتغيرات التي تصاحبه ولكنَّ تحققه كاملا سيستدعي الاستقرار حسب تفسير الآية القرآنية الكريمة، ومن هذا الفهم العميق لمضمونها كان اختيار الفنان عباس لخط القسم الثاني من الآية القرآنية الكريمة بطريقة السطر الكتابي الذي يستقر تحت القسم الأول مكانيًا، وبعرض قلمٍ أقل من عرض القـلم الذي استعمله لكتابة الجزء الأول من الآية القرآنية الكريمة، واحتلَّ هذا الجزء مساحة مكانيةً أقل أيضًا.
يلاحظ المشاهد لهذا الجزء من اللوحة أنَّ هذه الاختيارات مدروسة تمامًا ومرتبطة ارتباطًا واضحًا بدلالات الآية القرآنية الكريمة، فـقـد أشار المفسرون لها أنَّ تأويل الأحاديث يدلّ على منح الله سبحانه وتعالى قدرة تعبير الرؤيا، وأنَّ تفسير جملة (والله غالب على أمره) تدلّ على أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبِّـر أمر يوسف، فالتعليم والتدبير بيد الله سبحانه وتعالى، والنبي يوسف هو الذي يتلقّـى ويتعـلم، وهذا التلقّـي يتطلّـب الاستقرار، وبالتالي استقرت الآية الكريمة شكلا بسطر كتابي يتمتع بخاصية التفريق، فلم تزاحم بعضها بل توالت بانسيابيةٍ عالية، ورقّـة واضحة تجـلّت في حروفها اللينة، كما تجـلّى تعـميم حروفها أيضًا وتوفيقها حيث حافـظ الفنان عباس على استقامة هذا السطر.





