مقالات نقدية

     البديل الغرائبي للخطاب الواقعي – اسامة غانم

4a 300x279 1

     سوف نتسلل الى نصوص مجموعة ” بار دي لو مي ” للقاص حسين رشيد عن اقرب واقصر طريق لندلف الى وسطها ، واكتشاف مضامين الرؤية المحملة والمثقلة بـ ” سكيتشات ” الموت المتوزع مجاناً على الإنسان العراقي ، وذلك عن طريق الاهداء ، الذي يقول :

الى

غيمة هطل مطرها فجراً

سقى الاجساد الوحيدة في عتمة المقبرة .

487839271 2162300250877490 231814230676359314 n

بهذا الاهداء الذي يتميز بغموضه وايجازه . والذي قد يكون خفي عن البعض ، ومعلوم عند البعض الآخر ، وهو قولٌ موجزُ في كل لمحةٍ دالةٍ عن معانٍ كثيرة . ولهذا يكون علينا ايجاد عنصرٍ يهتدى به لكشف المعنى الخفي الذي يُبطنهُ الرمز المتواجد في الاهداء . وفي هذا يقول تودوروف ” يُصبحُ نص ما أو خطاب ما رمزياً بدءاً من اللحظة التي نكتشف فيه معنى غير مباشر عبر استعمال التأويل “1 . يُوكدُ بذلك على ارتباط الرمز بالتأويل وصلته القوية به ، لأنه لا يدرك الرمز الا تأويلاً . وفي ذات اللحظة يظهر صلة الرمز بالمعنى غير المباشر. ومادام النص منفتح ويشارك في تعددية إنتاج الدلالات – التأويلية ، سيكون النص تركيباً من الشفرات والدلالات المستعارة .

هنا ، يجب أن تكون قرأتنا للمجموعة ، قراءة متداخلة في آن واحد ، بمعنى ان يقوم المتلقي  بقراءتين في نفس اللحظة ، باستخدام جملة من المعايير التي يمكن تأشيرها ، وفصلها ، والتلاعب بها ، وذلك يتم عن طريق الرمز والغرائبية ، بمعنى ان على القارىء ان يقوم بقراءتها في ذات اللحظة قراءتين : قراءة بصرية / لقطة – صورة ، وقراءة سردية / الكتابة ، أي مخيلة بصرية ومتن سردي ، أي لقطة سينمائية والسرد المكثف ، لهذا قام حسين رشيد بأطلاق تسمية ” سكيتشات ” بمعنى سكيتش / رسم اولي – مخطط ، لتصبح بعدئذ : رسم اولي سردي ، أي قراءة بصرية – سردية : متوازية ، متداخلة ، مفتوحة . أن الاستراتيجية لهذه الاسكيتشات هي اللأنتهاء ، وابراز بشاعة الصورة الوجودية ، وبؤس الإنسان العراقي ولامعقولية التعامل معه ، مثل سكيتش ” بيوض فوق جدار المزرعة ” ، اعتماداً عل خلفيات سياسية – اقتصادية – تاريخية .

   وقد وضع القاص تحت عنوان المجموعة كلمة ” سكيتشات ” ، وهذا يدل عل ان القاص قد قام بمنح مجموعته تجنيس اسمه ” سكيتشات ” ، لسبب بسيط هو ” ان المغامرة في كتابة السكيتش ، تتأتى من المراهنة على جعل المعتاد واليومي مبتكراً وأصيلاً ، يحقق الدهشة ويولّد الصدمة . لان السكيتش يتحول بالسرد من فضاء بصري تلقائي الى مولّد فني موضوعي لما هو صادم وغير معتاد يلفت الانتباه “2 . أي على تحويل الواقعي اليومي الى غرائبي مدهش ، ان الاستراتيجية لـ نصوص ” بار دي لو مي ” هي اللانتهاء ، هي الانفتاح على كافة الوجوه الستة التي يمتلكها زار لعبة الطاولة ” النرد ” ، بمعنى أن الوظيفة الأساسية لهكذا نصوص تتوهج في قدرتها على تمثيل الواقع غير الطبيعي وغير المعتاد ، وهي بذلك تصبح متميزة ومختلفة عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى .

عليه اصبح السرد في هذه النصوص متقطعاً ومجزءاً، والأنساق الزمانية فيه متداخلة قلقة ، لذا اضحتُ المعاني خفية ومحتجبة وراء المعاني المباشرة ، وهي تحتاج الى التأويل كي تنكشف وتتضح مقاصدها .

  قسم القاص مجموعته الى قسمين اثنين ، القسم الاول قبل الاحتلال الامريكي ، أي وضع البلد في زمن الحصار وعلاقة الاجهزة الامنية والحزبية مع المواطن البسيط والفقير ، وحقيقة هذه العلاقة القلقة والمتوترة وغير الطبيعية ، سماها ” تنطفىء الايامُ ” وهي لقطات سينمائية/مشاهد إنسانية مؤلمة ، رصدت بانتقائية ذكية ، مثل برقيات مستعجلة ، فكانت نصوص ” الملائكة تسمع الاصوات / أعمارُ معلقةُ بطابور الحرب / ليالٍ حُبلى بالأرقامِ/ طالعُ الحرب في وجه القمر/نوافذ الجدران المحفرة / صورة شخصية للحياة / هكذا يبدو هادئاً / ابتسمْ كي لا تُعدمَ/ نياشين لا تَعرفُ الموتَ/ الساعة الأخيرةُ بالمقلوب/ قاب عمرين أو أكثر/ بيوض فوق جدار المزرعة ” :

-بعض تلك الاجساد كان في الرمق الأخير من وآخر يتسلى به القناصون لإثبات مهارة القنص ومن منهم يصيب أجزاء الراس وكأنهم اطفال يلهون بحصاة تُرمى على علب فارغة – ص 23.

– ان حال صباح يختلف فهو الاخُ الأوسطُ بين ثلاثة إخوةٍ ، اخذتهم العسكرية وابعدتهم عن لقاء بعضهم بعضاً ، فكل واحد منهم في قاطع عمليات مختلف ، فصباح في القطاع الجنوبي ، وصلاح في القطاع الشمالي ، وفلاح في القطاع الاوسط ، وهو اصغرهم سناً إذ اتم دراسته الجامعية وأجبر على ان يكون ضابطاً مجنداً في الجيش – ص 30 .

– رفعت الجثث الثلاث بأكياس غامقة اللون ، وأخذت الى مكان مجهول في بادىء الأمر ، انصرف الجنود الى قاعاتهم رغم أن الفجر كان مكتظاً بالإعدامات – ص 37.

– ضابط التحقيق يوجه سؤاله الى ابي علي : لماذا كسرت صورة السيد الرئيس ، لا تحاول ان تنكر لدينا اثبات بذلك ، ونعرف اين اصلحت الصورة ، لكن لماذا كسرتها ؟ – ص 58.

– ان المتهم بقتل (ابو المود) بريئاً من التهمة فقد كان وقت وقوع الجريمة بحالة مرضية ، لمن المسؤول الحزبي الذي نفذ عملية القتل قد خيره بين تحمل مسؤولية الجريمة وينال عقاباً مخففاً ثم عفواً ، أو ستوجه له تهمة العمالة والتآمر على الحزب والثورة وينفذ فيه حكم الاعدام – ص88.

  وهذا الفجر الذي كان مكتظاً بالموت والاموات تهطل عليه الامطار في عتمة المقبرة التي كان قد تسلل اليها فاشست خلسة يرتدي ملابس كلها لون واحد حتى القبعة من اجل الا تتفتح زهرة واحدة فيها . وهنا تبين لنا هذه المقاطع انها تجمع بين فن الفوتوغراف وفن السرد النثري ، في تشكيلة بصرية – سردية تولد جمالية تتمثل في لوحات / لقطات ، في منتهى الجمال ، وهذا الاشتغال التجريبي تنبه اليه بعض النقاد الانكليز ” في مجموعة ( الاثنين أو الثلاثاء ) من تأثيرات الفنون البصرية في كتابة القصة القصيرة . ولعل آخر الدراسات حول هذه المجموعة كانت عام 2018م بأطروحة الدكتوراه الموسومة ( فرجينيا وولف والرسم الأدبي : المشاهد والشخصيات والسياسة والطباعة في قصة الاثنين أو الثلاثاء 1921) للباحثة إيمي نيكول بروملي من جامعة اسكتلندا ، وفيها وجدت أن فرجينيا وولف اهتمت بشكل السكيتش كإستراتيجية سردية بين الأدب والرسم والفوتوغرافيا “3 .

اما القسم الثاني ، اطلق عليه ” ارواحُ الطيورِ ” ، تتسم بنفس مواصفات النصوص السابقة من حيث التقنية والاشتغال ، باختلاف واحد انها ” حدثت ” تحت الاحتلال الامريكي ، الذي صاحبته الانفجارات والقتل على الهوية ، والاغتيالات ، والخطف ، والمخبر السري ، وظاهرة تفشي المخدرات في المجتمع ، والانحلال الاخلاقي ، فكانت نصوص ( البوصلة تشير الى السماء / رائحةُ الأرواح التائهة / عتمةُ الاجساد الضائعة / ابواب الاحلام الصدئة / ذاكرةٌ السماءِ معباةٌ بالأرواح / مازالت الاصوات تسمع /  خافت كالضوء البعيد / غرقٌ الزهورِ البيضاء / حين يشعٌ عطرٌ الغبشِ / جثتان وحلم سمكة / لذّةٌ منتهيةٌ الصلاحية ) .

-وجاء في الأنباء المتداولة ان كرم بعد أن اوقفته سيارة الشرطة وهو يحمل الراس اختفى مع الراس ، فربما تكون السيارة تابعة لجهة مسلحة خارجة عن نطاق السلطة ، وربما هرب من سيارة الشرطة وظل يركض في الشوارع وهو يحمل الراس دون وعي حتى اسقطته إطلاقة جندي امريكي – ص 100.

– بعضهن لا يبالي كثيرا لمتعة الجسد والجنس ، فقط يستمتعن بالمشاهد ثم يحذفن المقطع ، ومنهن على العكس من ذلك أن لم يقمن بعملية الاستمناء وداعبة عضوهن يقمن علاقات سرية عمادها الجنس ، ومنهن من لجات الى الأعضاء الذكرية الاصطناعية بعد أن شاعت تجارة الاستيراد والبيع والتأجير لما فيها من أرباح بسبب الطلب المتزايد عليها – ص 103.

– خشيته من هكذا موقف خلقت منه شخصاً حذراً جداً ، ينظر في مرآة السيارة يراقب حركة الدراجات النارية التي تمر بقربه ، أو تلك المركونة بل حتى دراجات المطاعم ( الدلفري ) باتت تخيفه إذ يتصور أن القتلة يمكن ان يستخدموها ، بعد يومين من حادثة اغتيال ناشط مدني شارك بتظاهرات تشرين – ص 106.

– بضع خطوات صعودا على كتف نهير لمياه اسنة ، لتترأى بعض الجثث المرمية ، لم تعد اقدام قاسم وميثم تقوى على الوقوف من هول لمشهد ، كانت جثة مصطفى ما تزال ساخنة بضع إطلاقات في الصدر ابتسامته مخلوطة بدمعة مورقة ، وسط غمامة الحزن كان شقيقه يتصل بقاسم ، بعد اتصال ثالث وا بصوت هاتف آخر يرن كان في جيب أحد الضحايا الذي أهيل عليه التراب فقط ، سحبه ميثم على مهل طالع واجهة الهاتف كان المتصل بسم ( أمي الحنونة) – ص 112.

– أحكم وضع الهاتف من أجل التقاط الصورة ، وقبل ان يضغط على زر التصوير وإذا بجثة تلوح له ، أبعد الهاتف عن عينيه ، لا شيء أمامه ، رجع الى شاشة الهاتف وإذا بالجثة تلوح له مرة أخرى ، وهذه المرة تحاول مخاطبته ، كرر الأمر مرات عدة حتى كاد يصيبه الجنون ، أغلق الهاتف وأعاد تشغيله وذهب للكاميرا واذا بالجثة تناديه ، لكنه استغرب من بقاء الجذع في مكانه على الرغم من تموج ماء النهر – ص 138.

  وتميز كل قسم منهما ، بانه يقص على لسان سارد واحد فقط في جميع النصوص وهو الذي : يسرد – يقص – يحكي – يروي ، ولأن السرد وجه من وجوه عمل تواصلي بين الراوي والمروي له ، وهما يكونان داخل النص حصراً ، فلا بقاء لهما خارج النص ، لأن السرد هو ” دراسة القص واستنباط الأسس التي يقوم عليها وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقيه . لا يتوقف علم السرد عند النصوص الأدبية التي تقوم على عنصر القص بمفهومه التقليدي ، وانما يتعدى ذلك الى أنواع أخرى تتضمن السرد بأشكال مختلفة ، مثل : الأعمال الفنية من لوحات ، وأفلام سينمائية ، وإيماءات ، وصور متحركة ، وكذلك الإعلانات أو الدعايات “4. وهذا ما تحقق في الاشتغال السردي المتمثل في شكل السكيتش عند القاص حسين رشيد ، أما الذي يكون خارج النص فهو : المؤلف والقارىء ، رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة لكليهما ، أي بمعنى اختلاف زمكانية المؤلف وزمكانية القارىء. وهنا ، تبرز لنا بعمق علاقة الراوي بالقصة التي يرويها : هل هو يسرد مَا عاشه من أحداث أم هل هو يسرد أفعال الآخرين ؟ وفي هذا يتخذ السرد في النصّ السرديّ صيغ مختلفة .

ورغم ما يثيره النقاد من مسألة استقلال السرد في سياق مناقشة العلاقة بين السرد وعالم الواقع . فالقص ، باعتباره عالماً من الكلمات ، لا يقيم مع الواقع علاقة مباشرة بل غير مباشرة ، فهي لا تخضع لقوانين الحدث والإدراك بل لقوانين اللغة والكتابة ، وما مقدار العلاقة بين النص والواقع الحقيقي ، وكم هو متحقق منها ؟ أم هل العلاقة بينهما غائبة كما يرى بارت ، ولكن الاشتغال كله يكون على / في اللغة ، أي على مغامرة اللغة في الداخل والخارج . فاللغة هي التي تحدد كل العلاقات القائمة وكل القوانين التي تنشأ من خلالها .

اعتمدت نصوص ” بار دي لو مي ” عل لغة بصرية حادة ومفرطة في الواقعية المتجاوزة جميع الحدود ، حيث تكون قد وقعت خارج هذه الحدود تماماً ، لأن مشاهدها اصبحت مرعبة وغرائبية ، واقعية متخيلة ، بل ليس للواقع من شيء الا الاسم فقط لأنه كله اصبح : مخيلة مدهشة ، ملتهبة ، منفلتة ، وفي هذا يكون تمثيل الواقعي ليس هو الواقع نفسه . وقد وضع الخطاب السردي لهذه الاسكيتشات الذي يهتم بالمساحات الزمنية القصيرة وبالشخصيات والاحداث ، وفيه نرى أن ” كتابة التاريخ عمل خيالي ، يسَطر الأحداث مفهومياً من خلال اللغة لتشكيل عالم – نموذج ، ولكن كون التاريخ ذاته ينطوي – مثل المتخيل – على حبكات مترابطة تتفاعل فيما يبدو على نحو مستقل عن القصد الإنساني “5 .

   وبما أن السكيتش كما قلنا انفاً ، هو رسم اولي – مخطط ، بمعنى هو رسم اولي سردي ، أي قراءة بصرية – سردية . وتظل الصلة القائمة بين المكتوب السردي والصورة مجال بحث جمالي ومعرفي دائم لما تحمله قراءة النصوص البصرية المتنافذة مع النصوص الكتابية وفحص علاقة المرسوم اللغوي بالسرد ، وفي هذا هنا يلتقي هذا المفهوم مع مفهوم المنمنمة التي هي نوع من التعبيرية في الرسم واقترنت بالفنون التي طرقت مواضيع أدبية وعلمية . وقد اهتمت الدراسات المعاصرة بمعرفة فنون المنمنمات ولاسيما في منابعها الأولى ، وظهر من بواكيرها اسم يحي الواسطي بدلالات الريادة خلال نمنمته لمقامات الهمداني الخمسين . لتلتقي وتندمج بالسكيتش الذي هو اجناسي نصوص حسين رشيد ، ليصبح اسكيتش – منمنم في لوحات صغيرة على الورق ، وعادة ما تكون رسوماً توضيحية للكتب أو المخطوطات ، ولكنها ايضاً أعمال فنية منفصلة في بعض الاحيان .

والذي جعلني اذهب الى رسوم الواسطي ، هو ان هذه الرسوم كانت تمثل خطاباً جديداً يعتمد تماماً على  ” الرؤيا البصرية “والتفسير المباشر للأشياء تاركاً الاعتماد على القراءة التي تحتاج الى حد ادنى من الثقافة ورموز الحروف ، ولهذا يكون ذلك خطاباً ثقافياً إنسانياً .

وقد تحقق اجتمع السكيتش / المنمنمة في سكيتشات حسين رشيد ، حيث كانت اجتماع لاجناس مختلفة في توليفة متداخلة تؤدي وظيفة واحدة .   

الهوامش والاحالات :

*حسين رشيد – بار دي لو مي ” سكيتشات ” ، اهوار للنشر والتوزيع ، بغداد / العراق ، 2024م .

1-المنجي بن عمر – الرمز في الرواية العربية المعاصرة ، اصدار المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية ، برلين / المانيا ، 2021م ، ص 74.

2- حسين رشيد – بار دي لو مي ” سكيتشات ” ، اهوار للنشر والتوزيع ، بغداد / العراق ، 2024م ، ص 17.

3- م . ن . ص11.

4- د. ميجان الرويلي   د. سعد البازعي – دليل الناقد الأدبي ، المركز الثقافي العربي : الدار البيضاء / المغرب ، بيروت / لبنان ، ط الثالثة ، 2002م ، ص174.

5- ليندا هتشيون – الميتارواية التاريخية : التناص والمحاكاة الساخرة وخطابات التاريخ ، ترجمة : السيد إمام ، مجلة فصول مج 25 / 2 العدد 98شتاء 2017م .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading