الإبداع والتابو – د. سعيد شوقي:أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية

ثمة ثنائيات لغوية عدة ، سارت سويا في تاريخ الأدب ، أثارت جملة من الإشكالات النقدية ، مثل : اللفظ والمعنى ، التراث والمعاصرة ، إلخ .
من هذه الثنائيات : الإبداع والتابو ، التي ربما تميزت عن صويحباتها بسمة التضاد بين بعديها ، التي تقربها من الألفاظ المتضادة ، فإذا كان الإبداع انطلاقا بلا قيد أو شرط ، وحرية مطلقة بلا حدود ، فالتابو سور وحراس وسجن .
والمتتبع لحركة الإبداع عموما ، ببعديها الشكلي والمضموني ، يمكن له أن يرى تاريخها الطويل في محاولاتها المستميتة في الهروب من هذا السجن ، وكأنها بطل رواية الفراشة لهنري شارييل ، وهذا حق ، ليس فقط على أساس ثالوث التابو في: الدين والجنس والسياسة ، ولكن أيضا على أساس ما أضيفه رابعا من: تابو النوع الأدبي السائد ، وخامسا من : تابو المنهج النقدي المهيمن ، وربما أيضا ما أضيفه خامسا من: تابو الخصوصية الشخصية للأفراد .
فالتابو وإن كان يشتهر في علاقته بالأدب بأبعاده: الدينية والجنسية والسياسية ، فإننا نرى أن الأبعاد الأقرب من هذا أيضا ، والتي ربما تكون قد حاذتها، هي الأبعاد: الأدبية والنقدية والشخصية، فليس خافيا أن كل محاولات التطوير الأدبية والنقدية فرت بمحاولات مستميتة أو ربما خلسة من سجون التقاليد الأدبية النقدية أيضا. كذلك يفعل البعد الشخصي .
فهاهم الشعراء الصعاليك يصرخون من تجاهلهم ، وهاهم جماعة الجراد يتصايحون من تهميشهم : محمد متولي ، أحمد طه ، أسامه الديناصوري ، إيمان مرسال ، مجدي الجابري ، وها هو نجيب سرور يعبر جيدا – بطريقته الخاصة جدا – عن استنكاره . وآخرون وآخرون : أين أنت يا طه حسين ؟ وأين كان كتابك في الشعر الجاهلي ؟ أين أنت يا لويس عوض ؟ وأين كانت مقدمتك في فقه اللغة العربية ؟ أين كانت آية جيم لحسن طلب ؟ أين ؟ أين ؟ الأمثلة كثيرة تزجى صفحات عدة لا مجال لذكرها الآن .
إذن لم يوجد عصر لم يظهر فيه تابو ، ولم يوجد أديب قط لم يواجه بتابو ، يستوي في ذلك هوميروس حين دحض أفلاطون ما جاء في قصائده عن الإله ، وعبد المنعم رمضان حين حوكم عندما بسمل بغير الله ، يوضع المتنبي وأبو نواس ونزار قباني ومحمود حامد وأخواه ياسر شعبان وتوفيق عبد الرحمن في سلة واحدة لا أحبذ ذكر صفتها .
وبالمناسبة هل يمكن لنا أن نتوسع بالتابو عبر البعد النقدي – كما أشرت – ونتساءل : هل ما نمارسه من نقد أدبي يعد (تابو) أيضا ؟!
وإذا كان نقادنا الحداثيون وأساتذتنا في الحرفة يروجون تحت دعوى الحرية المطلقة التي لم تتحقق قط ، أن فلانا نشر هذا الجنس الصارخ في العصر الفلاني وأن هذا الشيخ نشر هذا الغزل الصريح أمام هذه العمة الكبيرة جدا التي تقبلته في حبور وفرح ، وأن علانا صاحب تفسير كذا له ديوان كذا في الغلمان والجواري ، إلى آخر هذه الحقائق التي أقرها وأستطيع تسجيل ما هو أكثر من ذلك ؛ حتى أصل إلى رجوع الشيخ إلى صباه ؛ لكنهم لم يحدثونا قط عن وضعية هذه الأعمال بين قراء زمنها ، نشرا وتقبلا : فهل وصلت هذه الأعمال إلى الناس أم ظلت حبيسة القصور الخاصة ؟ هل كانت في ذلك الوقت – وليس الآن – ضمن أدب المتن أم ضمن أدب الهامش ؟ وهل تقبلها الناس وسعدوا بها ، أم كان موقفهم موقف البسطاء المحدثين ؟
هذا إذا قررنا أن سبيل النشر فيما مضى كان مثل الآن يجد طريقه للبسطاء ( كالسكين في الزبدة ) كما يقولون ، ولم نعرف كيف كان الأدب ينسخ ، وكيف كانت النسخة الواحدة تحتاج شهورا لنسخها من الأصل . كم نسخة وجدت من ديوان أبي نواس في عصره ؟ إن ما هو متاح للعامة والبسطاء في هذا العصر لم يكن متاحا لهم كذلك فيما مضى .
ثمة مسألة لا يناقشها أحد، وهي: (علم الخواص وعلم العوام) ، فليس كل ما يعرف يقال على كافة الأصعدة : الدينية والجنسية والسياسية والأدبية والنقدية والشخصية ، فهل يسمح للصحفي أن يقول كل ما يعرف ؟ أين بن بركة ؟ كذلك هل يسمح للمفكر أن يقول كل ما يعرف ؟ أين نصر أبو زيد ؟ وهل يسمح للبورنو أن ينتشر ؟ إذا سمح بذلك ، ساعتها يسمح للأديب أن يكون كذلك ؟
إننا لا نرضى أن تهان خصوصيتنا الشخصية في أسرنا وعائلاتنا ، ولو فعل أحد بنا ذلك لقاضيناه ، وربما كان الهمز واللمز بالأبنودي في قبل وبعد لتوفيق عبد الرحمن سببا للمنع ، ربما كان ذلك ، لكننا لا نقول ربما حين نعرف أن أولاد حكمت فهمي رفعوا قضية على أصحاب الفيلم الذين شخصوا حكمت فهمي بطريقتهم الخاصة ، كذلك فعلت برلتني عبد الحميد دفاعا عن عبد الحكيم عامر .
الحرية المطلقة كذبة كبرى . لم يمارسها أحد على مدار التاريخ الحاضر والماضي ، في أي زمان ومكان ، فلا بد من وجود تابو طالما أن هناك إبداعا ومجتمعا .
ما الحل إذن ؟ هل ينبغي أن نعري الناس دينيا وجنسيا وسياسيا وأدبيا ونقديا وشخصيا، هكذا …. ؟ من أجل تحقق إبداعنا ، ألا يمكن تحقيق إبداعنا دون إزالة التابو كاملا أو حتى ترك بعضه كورقة التوت ، لا ينبغي إسقاط تجربتنا على تجربتهم ، من الحرية أن نجعلهم في حرية ، ولقد ثاروا واختاروا فليهنئوا بما اختاروا الآن.
معركتنا إذن إن كان ثمة معركة في دفع خيارهم وخيارنا في طريق الديمقراطية الحقة ، التي تتفتح فيها العقول والقلوب ، وتنطرح فيها كل الاتجاهات والرؤى ، لنرى اتجاهات أخرى غير اتجاهاتنا التي أوصلتنا إلى الضبط والمساءلة ، واتجاهاتهم التي أوصلتهم إلى التابو .
هي معركة ثقافية كبرى ، تتوجه بالأساس إلى المرتكزات الثقافية الأساسية التي ينهض عليها المجتمع ، وليس إلى البردعة ( هنسيب الحمار ونتشطر على البردعة ) ، معركتنا الأساسية مع الحمار ، حمار التخلف والجهل الذي أوصلهم إلى هذا الخيار ، الخيار نتيجة ولا ينبغي أن تكون معركتنا مع نتيجة بل ينبغي أن تكون معركتنا مع سبب ، معركة المثقف الأساسية مع تكلسات الواقع وإفرازاته القبيحة ، القضية الفرعية التي نناقشها مرتبطة أكثر بقضية أكبر تطلب الحرية ، حين نكسب هذه المعركة نكسب خيارنا . حينها يستطيع السياسي أن يقول كل شيء والمفكر أن يفكر في كل شيء والمبدع أن يبدع في كل شيء والناقد يسير في كل اتجاه ، هل نسينا ارتباط الإبداع بمفهوم البدعة في الشريعة ؟ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، سلسلة تصل بنا جميعا إلى جهنم .
إلى أولئك الذين يقاتلون من أجل حرية الإبداع، أدعوهم للمقاتلة من أجل حرية المجتمع بصفة عامة .
وأصل الإشكالية ينهض في الأساس على دعوى أن الفنان عندما يبدع إنما يعتمد فقط على قانون يتشكل من مواد فكره ووجدانه ومشاعره وتجربته ، دون الالتفات إلى أي قوانين خارجة عنه من دين أو مجتمع أو حتى تقاليد أدبية تشكلت من دم ولحم وأعصاب حثيثا عبر العصور .
هذا هو الأصل في الدعوى الذي نردده ونتفهم به طبيعة الأدب . وعلى هذا الطرح يكون الفنان إزاء تقاليد المجتمع في وضعيات ثلاث : الأولى، تكون فيها تقاليد فنه متساوقة مع تقاليد المجتمع ، والثانية، تكون فيها تقاليد فنه أصغر من تقاليد المجتمع ، والثالثة، تكون فيها تقاليد فنه خارجة وربما أكبر من تقاليد المجتمع . وعند اتفاق التقاليد نصفق ونقول : فبها ونعمت ، وعند اختلافها نقصا أو خروجا تكون المساءلة بخطاب التقصير واللوم عند النقص وبخطاب المصادرة عند الخروج .
وربما يطرح سؤال هنا ألمحنا إليه فيما مضى ونجده مشروعا هنا : هل يستحيل على الفنان أن يقيم فنه خلال التقاليد ، بأبعادها السابقة ، أقصد خلال التابو ؟ إننا إذا جزمنا بنعم فإننا نشطب بجرة قلم كثيرا من أمهات الإبداع الشهيرة التي صيغت من خلال التقاليد .
نحن إذن بإزاء إشكالية ولا أقول مشكلة كلما أخذت طريقا فيها وجدته مسدودا، فما المخرج ؟ نحن نقر بأن الفنان لا يوجد في فراغ مطلق ، بل في بيئة معينة محددة ، لها تقاليدها وقيمها والتابو الخاص بها ، ونحن نقر أيضا أن على الفنان أن يبدع كما تغرد الطيور ، فما الحل ؟
الحق أن طرف حل هذه الإشكالية ربما يتمثل في تفهم طبيعة الإبداع في علاقته مع التابو ، إذ ربما يكون من قدر الإبداع أن يوضع في هذه الإشكالية وبالتحديد مع التابو كالقط والفأر ، ومن ثم يتقاطر إلى الذهن الحل من آليات المراوغة التي تعلمها الفأر غريزة من جيناته حتى يهرب من القط .
وآليات المراوغة في نظري هل الحل الأمثل كما ألمحت لحل هذه المعضلة فعبر آليات المراوغة يمكن للفنان أن يمرر بضاعته دون جمرك التابو .
وربما يكون لنا في نجيب محفوظ أسوة حسنة في هذا الأمر، فعندما أنتج روايته أولاد حارتنا دون مراوغة استطاعت آليات التابو أن تضبطه في حالة تلبس لا تنفع معها أي حصانة أدبية ، وعندما وعى الدرس جيدا وتعلم من الفأر أعاد إنتاج المضامين نفسها عبر آليات المراوغة فكانت رواية ملحمة الحرافيش، وقصة زعبلاوي القصيرة مثلين حيين على البضاعة التي مرت من جمرك التابو دون خسارة .
وليس معنى هذا أن يلجأ الفن إلى الإلغاز أو التعمية، وهي الحال التي لم يفعلها نجيب محفوظ في رواية ملحمة الحرافيش، أو في قصة زعبلاوي القصيرة ، ولكن يعنى ذلك أن يلتفت الفنان إلى أدواته جيدا وإلى غريزته بامتياز؛ حتى يستطيع أن يواجه القط مباشرة دون الاستعانة عليه بالكلب مثلا.
وأعتقد أن وسائل المراوغة هذه قربت الفن من طبيعة الفن ؛ بمعنى أن التابو خدم الفن من حيث لا يدري ، لأن الفن نفسه لا يحب السفور .
ولقد زادت وسائل المراوغة هذه في فننا عندما كان التابو جبارا مهولا ذا أنف كبير يتنفس قيدا ، الأمر الذي جعلها تسم إبداعا كاملا نذكره بكل خير في أدبنا الحديث .
وامتدادا من هذه النقطة، هل يجوز لنا أن نقرر أن آليات المراوغة اختفت بعد أن تأسد الفأر ولم يعد يخشى التابو الذي يظنونه قد صار هو الآخر سياميا يتفق مع طبيعة السلام .
وإذا كان اللجوء إلى التابو لا يروق لبعض الأدباء فربما يسهم الحل الثاني في حل مشكلتهم؛ عبر مفردات النشر الخاص دون مؤسسات الدولة التي نراها – مهما حاولنا – مكبلة على الأقل بنصوص الدستور ، وبسطوة القائمين عليها ، وهم أنكى في أحيان كثيرة من الدستور ، فإذا كانت القضية – كما يردد التابويون – قضية أن مؤسسات الدولة التي هي أموال الشعب تتبنى نشر أدب التابو الذي لا يقره الشعب ، فبها ونعمت لأن هذه الدعوى تتضمن ترك حرية النشر باسم دور النشر الخاصة التي ليست من أموال الشعب أيضا ، إذن فليترك النشر لدور النشر الخاصة ، التي ربما امتازت عن مؤسسات الدولة بحرية حركتها في الخارج أو حتى في حريتها في المسافة القائمة بين مقرها والمحاكم . وهذا مكسب عظيم . يضاف إلى مكسب المراوغة .
ويتمثل الحل الثالث في نظرنا أيضا، إذا لم يرق الحلان السابقان لأحد ، عبر لجان أدبية متخصصة يتم تعيينها في المؤسسات الرسمية ، يحال إليها النظر في أمور الأدب، وتبيان التابو الموظف بامتياز عن غيره ، لأن أمور الأدب طالما أقررنا بأنها ليست فكرا بل هي أدب لأدباء حقيقيين ، لا يتسترون وراء قيمة حرية التابو التي ينتصر لها كثير من النقاد من أجل تمرير أدبهم المهيض ؛ لا ينبغي أن يحكم فيها غير الأدباء ، وأذكر أنني كمتخصص لم أتأثر بالجنس السافر الموظف جيدا في الخبز الحافي لمحمد شكري ، ولقد شكلت هذه الملاحظة عندى أهمية تناقشت فيها مع عدد من الأدباء منهم الشاعر الفنان حسين أحمد إسماعيل وفوجئت بأنه يقرني على ذلك ، الحال التي لم أجدها في أبناء الخطأ الرومانسي لياسر شعبان . وربما يتساءل ذكي : أليست لجان المتخصصين التي تدعو إليها هي نفسها التي نفت د. نصر حامد أبو زيد إلى أوروبا ؟ فيزداد الحل ارتباكا .
الأمر الوحيد الذي أقر به للتابويين هو عدم تدريس أدب التابو في المدارس والمعاهد والجامعات ، لأن التلميذ أو الطالب ليس حرا ولكنه مقيد ، وإذا كنا ننادي بحرية الإبداع؛ فبالأحرى ينبغي أن نلتفت إلى حرية القراءة .
ربما أكون بما مضى قد زدت القضية حيرة وترددا فوق إشكاليتها ، إذن دعوني أطرح عليكم الحل الوحيد الصريح ، الذي لا يمكن له أن يتحقق أبدا ، وأستفتيكم فيه : هل توافقون أن تترك الحرية كاملة أمام الأديب ليكتب ما يريد أن يكتب وينشر ما يريد أن ينشر ، ويترك الأمر للناس في الحكم بالجودة أو الرداءة ، بالقيمة أو التفاهة ، ويترك الأمر للمستقبل على أساس أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض ؟ هل توافقون على ذلك ؟ هذه هي قمة المثالية التي لا يمكن أن تتحقق أبدا ، ولم تتحقق قط .
وإذا لم توافقوا ستظل القضية إذن معلقة ، ندور وندور حولها ، دون التوصل إلى حل نهائي .
أخشى ما أخشاه أن أؤجل النظر في الشكوى المقدمة من المبدعين ضد التابويين، على عادة حاكم الخرطوم في أغنية المطرب محمد منير : لما القيامة تقوم!!




