الأسـتـاذ أحـمـد (بوحميد) ✍️ أحمد عمر زعبار

شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن
وقف أمام المرآة، على غير عادته أطال الوقوف أمامها بنظرات فاحصة كمن يفتّش عن شيء ما، تفحص ملامحه بدقة، من أنت، قال للواقف في المرآة أمامه، لم ينتظر إجابة… نظر إلى ساعته، عليه الآن أن يلبس وجها آخر بألف قناع يَلقى به وجوها أخرى.. هو الذي يكره المجاملات ويمقت النفاق عليه أن يطرز قناع وجهه بكل أنواع المديح الكاذب أو الصمت المُوحي بالود لمخلوقات جافة تؤمن إيمانا صارخا أن الوجود خُلق من أجلها.
صباح الخير.. استقبلته كعادتها يسبقها نهداها بابتسامة مركبة، تلك هي، نُهَى المديحي، التي تكتب تاء الفعل مربوطة وتسعى بكل أنوثتها أن تكون نائبته في رئاسة التحرير وسيدة غرفة الأخبار في القناة.. تابع وكالات الأنباء ينتقي ما يصلح لنشرة الأخبار حسب توجهات القناة وتوجيهات صاحبها، يوزع المهام على الصحفيين خلال الاجتماع الصباحي، يتحمل بوجه بارد وأعصاب محترقة نفاقا يفيض من وجوه المذيعات وملابسهن ويقطر كالسم من أفواه الجميع.. حين يفقد قدرته على التحمل ينسحب إلى نفسه، يستحضر طيف حبيبته، يكتبان معا قصصا وقصائد ويروي لها تفاصيل يومه وطرائف اختارها لها بدقة… لا شيء في كون الله الواسع يساوي ضحكتها.. كأن روحه خلقت من ضحكتها ولأجل ضحكتها.. الضحكة ضحكتها والفرح في قلبه.. كان يكفيه أن يشعر أنها سعيدة حتى تغمره سعادة تدفئ روحه.. كثيرا ما كان يتساءل عن طبيعة هذا الحب الذي لم يكن الشيطان ثالثه، لأن الملائكة تحرسه، ملائكة الطهر والعفاف والجمال.. حتّى في المرات القليلة التي تطرق فيها الحديث تلقائيا عن زوجها، كان يراقب بمتعة ذلك الشعاع المتألق في عينيها وفرحا يفيض على جسدها وروحها كلّما ذُكر زوجها حبيبها، كان بدوره يغوص في مشاعر فرح لفرحها وتغلبه رغبة قوية في أن يرقص ويغني بأعلى صوته لعلها تدرك كم هو سعيد لسعادتها… حتى حين أوصت صديقها المقرّب، صَفِيّها ألا يتواصل معه ظلّ يبصق ويبصق لعلّه يتخلص من طعم الحنظل في حلقه، رأى بأم عينيه روحَه مثقوبة وممزقة ومريضة، لكنّه اختلق لها أعذارا كاذبة وصدّقها وبقي على حبّه لها… خطر بباله أنها لم تعتذر ولو مرة واحدة.. كرر بصوت مسموع ولو مرة واحدة، كلامها كان دائما حمّال أوجه لا يقدم إجابة محددة على سؤال محدد.. تقول مثلا، إذا فهمت ما لم أقصد من كلامي وأقلقك ذلك، أرجو ألا تنزعج.. أو: ربّما كان هناك سوء تفاهم غير مقصود لنتركه في الماضي وننساه.. تتهرب دائما من الاعتذار.. الآن يدرك أنه لم يكن مهمّا ولا أساسيا في حياتها للحد الذي يدفعها للاعتذار له.
الحب ليس أعمى فقط بل غبي أيضا ومهينٌ أحيانا
أيقظه من أحلام يقظته طرق خفيف على باب مكتبه.. دخل كبير المذيعين، جلس دون استئذان، أخفض صوته قليلا: أستاذ أحمد أعرف أنك لا تحبني وأني لست المفضل لديك لكن أريد نصيحتك، لا أحد يَصْدقني النصح مثلك، أر… قاطعه الأستاذ أحمد قبل أن يكمل جملته فظل فمه مفتوحا على أر..
الأدق أنا لا أحترم مواقفك وليس لا أحبك، ليس للحب أية صلة بما نحن فيه..
لم يكن الأستاذ أحمد بهذه الصراحة فعمله كرئيس تحرير في قناة معروفة يقتضي مراعاة مراكز القوة والمقامات وكتم الغيض وكثيرا من المجاملات والإتيكيت الاجتماعي، هو هادئ بطبعه وصبور إلى حد كبير لكنه لم يعد يستطيع إخفاء امتعاضه من كبير المذيعين منذ عودته من سفره في رحلة عمل للاقتراب من مجموعات الثوار والعيش معهم لأيام لإنجاز شريط وثائقي عنهم… بعد عودته كان كل حديث كبير المذيعين عن تعصب الثوار وهمجيتهم وجهلهم ورعونتهم وتعصبهم الأعمى وضيق أفقهم ووحشيتهم.. سيذبحون نصف الشعب ويأكلون لحم النصف الباقي، كان يقول… لكن الشريط قدّم صورة مختلفة لا علاقة لها بما عايشه كبير المذيعين وبما يقوله.. الشريط كان شهادة ميدانية على إنسانية ورحمة الثوار وبُعد نظرهم ورؤيتهم الوطنية لوطن حر يحترم الجميع ويساوي بين الجميع،
حين يُسأل كانت إجابته دائما: أنا أنفّذ ما يطلب مني.. كلّنا جنود هذه الثورة… حتى في صلواته في مصلى القناة كان كبير المذيعين يحرص على الدعاء للثورة والثوار بصوت مسموع فيه حشرجة بكاء وعيون جافة لا ماء فيها.
منذ أيام قليلة بعد انتهاء صلاة الجمعة والختم بالدعاء سأل الأستاذ أحمد كبير المذيعين عن موقفه الحقيقي من الثورة.
أنا الآن الناطق الحقيقي باسم الثورة، إذا انتصر الثوار فأنا موعود بوزارة الإعلام وإذا رجحت كفة النظام أعلن توبتي وأنقلب ضد الثوار، سيتلقفني النظام بالأحضان ليؤكد توبة المعارضة وعودتها إلى حضن الوطن.. ليس لدي ما أخسره (win, win Situation) موقف رابح، رابح.
لا يدري الأستاذ أحمد كيف أخفى نظرة الاحتقار التي كادت تقفز من عينيه، ادعى الانشغال بالدعاء..
عاد إليه طيفها… حتى وهو يدعو الله، يراها في كفيه المفتوحتين.
ينتبه فجأة إلى أنه مازال يبتسم كلما مرّ به طيفها فيسرع إلى ترديد كلماتها الأخيرة وتذكر مواقفها الجافة تجاهه ليزيد تصميمه على تأكيد إنكار وجودها في حياته فما دام لا يستطيع أن يكرهها فعليه أن يمسحها من ذاكرته
ألم أم غضب، الذي ينخره من الداخل؟ ربما مزيج من الإثنين، لم يتحمل وخز كلماتها أحسّ روحه تكاد تنطفأ بل انطفأت لأيام قبل أن يشعلها غضب بلا أنياب انطفأ بدوره سريعا فقد تعوّد أن يجعل من غضبه نقطة انطلاق لا منطلق انتقام هكذا قال لنفسه وهو يقاوم فكرة أنّه لا يستطيع أن يكرهها وأنه قد تجاوز كل مشاعره نحوها إلا أملا في أن تكون هي بخير.. كلّما تذكّر كلماتها الجارحة بل المهينة أخذ نفسا عميقا وزفر بقوة ليتخلص من مشاعر سوداء بداخله.
اليوم أيضا يصحو دون منبّه.. الساعة لم تتجاوز السادسة، أمسك جوّاله ككل صباح، في حركة لاشعورية تعوّد عليها همّ بالنظر إلى صفحاتها على مواقع التواصل الافتراضي ليطمئن أنها بخير، وليرسل لها أجمل التحايا المختارة بدقة، يكتبها وينقحها حتى تليق بابتسامتها الصباحية، يختار أكثر النكت خفة روحٍ لينتشي بضحكتها في خياله ويحس فرحها في جسده، لا يستطيع أن يكون سعيدا ولا حتى متوازنا إذا لم يطمئن عليها ويشعر بفرحها يسري في جسده كما في روحها، لكنه توقف… ابتسم في ما يشبه السخرية من نفسه، فتح رسالتها الأخيرة التي احتفظ بها على شاشة هاتفه، كلّما أحس بضعف ينخره من الداخل أو بحنين إليها قرأ رسالتها الأخيرة، يشحن غضبه وألمه حتى لا يتراجع، لا حقد في قلبه، لا يعرف كيف يحقد، فقط إصرار على أن من أحرق مشاعره وداس على رمادها بلامبالاة لا يستحق أن يوقد له مشاعره مرّة أخرى ليستضئ بها..
مازال يحتفظ بسكاكينها للذكرى وللعبرة ولشحذ مشاعر الغضب كلّما اقتضى الحال..
يقف مطولا أمام المرآة كأنّه يفتش عن نفسه التي لم يعد يعرفها، ردّد بصوت مسموع ما كتبته له في رسالتها الأخيرة وفي كل وخزة يتحسس مواقع الألم في جسده.
كانت كل أمانيه إقناعها أن الله حين فكّر في خلق الجمال خلقها لتكون مقاس الجمال وروحه ومعناه
ما بقي منها الآن، آلام وجراح ستحمله إلى قبره وتظل تؤلم جثته كما آلمت جسده.





