الأسـتـاذة ✍️ أحمد عمر زعبار

شاعر تونسي مقيم في لندن
كل ما في الأمر أنّني لم أحسن قراءتها، ليس لأنها نَصٌّ معقّد، كل أنثى نص معقّد، لكنها استثناء، همس لنفسه، هي نص ساحر تتعدد فيه التأويلات ولا تحيط به.. طراوة ضحكتها.. سلاسة القوام والحركة النظرة المبتسمة في هدوء وجاذبية، حتى جسدها شاعري كأنها من ورق الورد.. استسلم لها، سلّم لها مقاليد مشاعره.. نقطة ضعفه الجمال وقد جمعت جمال كل نساء الأرض… في حضورها شيء يستعصي على الشرح أو التأويل، جاذبية سحرية، يتوقف الزمن بين يديها، ليس هناك ما يمكن أن يُضاف أو ينقص، الكمال في تجليه الإنساني، حضورها مكتمل بذاته، معها أحس أنّه حاضر بقوة وغائب أيضا كأنّه في حالة وسطى بين الوعي واللاوعي.
أرسلت ابتسامة مخدِّرة، أحس روحه ترتعش داخل جسده، كتب:
كلما
ابتسم حبيبي
اقول
عذّبني ربي فأحسن تعذيبي
وضعت قلبه بين يديها وكانت خبيرة تقبض وتطلق متى يشاء مزاجها وحساباتها.. تأسر ضحيتها ثم تتحكم في مسافات القرب والبعد، تقيس المسافات، تقصرها أو تبعدها بمقادير ونسب تحسبها بدقة وبفطرة انثوية مميزة… هو الذي لم يخن أحدا ولا أساء لمشاعر أنثى، حتى اللواتي عاشرهن كان صريحا معهن لا شيء بيننا إلا ما يطلبه الجسد، هذا القلب مغلق للإصلاح، لم يخن إلا نفسه يوم وقع في فخ جمالها ورقة ابتسامتها وسلّمها مقاليد روحه.
تذكر حواراتهما أول أيّام الخديعة، هنّأ نفسه أنه بعد كل هذا العمر اكتشف امرأة، جمال عقلها ومنطقها يكاد يوازي جمال قوامها ليتناسقا معا في كنف روح ندية بالفرح والصفاء.
قال: تحاور بعقلها بمنطق سليم وليس بأنوثتها…
لم يدرك إلاّ بعد فوات الأوان أنها كانت واعية لسطوة أنوثتها التي لا تُقاوم وأن حججها العقلية تتمكن من السامع عبر فيض أنوثتها الطاغية.
كتابها على الرف إلى جانب مئات الكتب الأخرى نظر إليه من طرف عينيه بخليط من المشاعر، الحسرة، المرارة، الألم، و….. الفرح أيضا
قال ساعة الافتراق: أعيش داخل جرح حفَرَتْه في جسدي بمتعة حتى نزفت روحي بين يديها وهي تتلهى بنشوتها:
كتب:
التي
شقتني نصفين
نسيتني، لم تعدْ
جففت روحي
وألقت بالجسدْ
يقف أما كتابها، بعض سطوره ذكريات، بعضها أحلام عايشها ورآها تتحقق على الورق،
تساءل وكتابها أمامه، كيف لم ينتبه أن رسائلها بعد صدور الكتاب صارت شحيحة تأتيه فقط ردا على رسائله.. قصيرة، جملة أو جملتين، ثم تباعدت حتى كادت تنقطع، لم تعد دافئة ولا ودية، كأنها واجب ثقيل، حتى كلماتها كانت يابسة كالحجر، ولأنه كان منتشيا، بنشر أشعارها ومقالاتها ومنتشيا فوق العادة بصدور كتابها لم ينتبه أنّه أصبح من الماضي وأنه عبء على الحاضر.
النار كما تحرق تضيء، كان يحترق وهو سعيد باحتراقه من أجل أن يضيء بعض ما حولها من عتمة، كان يتمنى أن يراها العالم بعينيه وبمشاعره، ويحب أن تقف أما المرآة وترى جمالها بعينه، يحب أن تنظر في أعماقها فترى ذاتها من خلال أحاسيسه، كان سعيدا باحتراقه، أعمته السعادة عن حقيقة أنها كانت تتدفأ بمشاعره وتستضيئ باحتراقه لتترك رماده خلفها وتسير بعد أن أضاء لها الطريق إلى من تحب دون حتى النظر إلى روحه التي تمزقت أشلاء ثم احترقت..
رفض أن يراها عادية.. رأى ولامس فيها الكمال هو الساعي أبدا إلى تجاوز النقصان، الباحث الأبدي عن الكمال، آمن دائما أن الكمال يتجسد في الجمال، وأن الجمال تجسّد فيها، رأى سر الحياة في ضحكتها حتى فتح عينيه على حقيقة أنها كانت ضحكات سخرية لا ضحكات ود ومحبة
لم يكتشف إلا بعد أن طعنته طعنتها الأخيرة التي أزالت غشاوة الحب عن عينيه أنها كانت معه كما مع الجميع تبحث عن إحساس بالأهمية، بالحضور الطاغي عبر ما يراه الآخرون فيها، تنتفخ ذاتها بمخزون المديح، وإشارات الغزل الغامضة/الصريحة، لم يستوعب أن هذا الجمال الطاغي الذي لا يحتاج إلى زيادة أو نقصان يستجدي اهتمام الآخرين ليضيء أعماقها،
من أين جاءت بكل تلك القسوة؟ كبرت وترعرعت في أعماقها على مدى سنواتها الأربعين ثم ظهرت فجأة أم أنها كانت على السطح دائما لكنه لم يستطع أن يرى، لأنّه لم يكن يريد أن يرى… رغم كل ما في روحه من حب لها ورغم كل سعيه من أجلها لم تكلف نفسها عناء مجاملته ولو قليلا… طعنات خنجر كلماتها بل أحَدُّ ألمًا.. مثلك مثل غيرك، لست معنية بك أو بصداقة خاصة، الباب أمامك وطريق الخروج لا تحتاج من يدلك عليه، لم يعد له مكان ضمن قائمة القادرين على الإضاءة، انتهى دوره… لم تكلف نفسها حتى عناء مجاملته ولو بالقول أنت أخ أقدره… بيننا ماء وملح لا يُنسى
يدخل محلّا لبيع الكتب بحثا عن زمن ليست فيه عن دقائق خالية من حضورها، يجد نفسه أمام مرآة بحجم الحائط، رآها تنظر إليه، أو هكذا تخيّل، كانت هي مرآته يرى فيها أعماقه ويكتشف جوانب في روحه كانت قصية أو مخفية، تخيّل الموقف، هي الآن مهما كان الازدحام لا ترى إلا وجهها في كل مرآة، واجه نفسه بصراحة جارحة، أنا المذنب، مقترف الخطيئة سمحت لنفسي أن أكون ظلّا لامرأة معنية فقط بنفسها، تحلم أن يكون كل الرجال ظلالا لها، ظلالا لا أكثر حتى يشع حضورها الباهر بين الظلال.





