إيمان السيد – لَحمٌ فاسدٌ

عند المنعطف الأخير من الطريق بينما كان الغروب يحني ظهر المدينة حيث بدت الظلال اكثر انتشارًا من الضوء، كان ابني الصغير ذو الاعوام التسعة يمسك بيدي، وكأنه العالم الذي أخبِّئه في عينَي، بدأتْ الطريق تضيق كأملي في الوصول سالَمَين إلى البيت، وقبل أن يلمحَ طفلي الصغير ما وقعتْ عليه عيناي، انعطفتُ عكس الاتجاه، فرأيتُ نفس الشخص يهرول نحوي كمن كان يهرب من نفسه، كان الدَّم يسيل من زاويتَيْ فمه، وعيناه تقطران لؤمًا وخبثًا، أشعث الشعر، كثّ الحواجب، داكن البشرة، يرتدي بدلةً مدنيةً رماديَّة اللون، وربطة عنقٍ حمراء، وقميصًا أبيضَ ملطّخًا باللون الأزرق..
لدى رؤيته، شعرت بضياعٍ حصرني بين برزخَيْن، كأنِّي رأيته من قبل؟ لكني لا أذكر أين ومتى!
استدرت إلى الخلف مبتعدةً عنه، لكنه سبقني ـ لاهثًاـ إلى الأمام، رحتُ أدور حول نفسي علَّني أجد منفذًا بعيدًا عنه، أنى وليت وجهي وجدتُه أمامي، بل في كلِّ الاتجاهات، يمد أذرعه الطويلة نحونا، فصار الهواء خانقًا، فجأةً صار يصرخ بصوتٍ أجشٍّ: طعنوني غدرًا، انظري، قالها، ثم استدار إلى الخلف، فلم أرَ ما يشير إلى القتل أو الطعن، ثم عاد ليواجهني بصدره، بينما كان طفلي الصغير يمسك بتلابيي وجسده النحيل يرتجف خوفًا، وكأنَّ تيارًا كهربائيا قد مسَّه وأظافره تنغرس عميقًا في لحم أصابع يدي، هامسًا بشفتين مرتجفتَين:
“ماما أنا خايف كتير، خليني جنبك لا تفلتي إيدي الله يخليكي”فأخذته بين ذراعَي محاوِلةً أنْ أهدِّئ من روعه، بدأ الرجل ذو الهيئة المخيفة يتقيَّأ قطعًا كبيرةً من اللحم الفاسد سرعان ما انتشرت رائحتة النتة في المكان، وظلَّ على هذه الحال حتى أفرغ كلَّ ما في جوفه..
دبَّ الرُّعب في قلبي، وانا أرى وجه الرجل يتقشَّر كقناعٍ بالٍ، كدتُ أفقد وعيي من شدة الغثيان والرعب، تراجعتُ بقلبٍ وجيفٍ خطوةً إلى الوراء، فسمعت طفلي وكفه الصغيرة تشد على يدي – من زاويةٍ لم ينحسر عنها الضوء بعد – يهمس بثباتٍ :
“ماما لا تخافي ح يموت بعد شوي، لأني شفتو بآخر الطريق هدااااك – وأشار بيده إلى الخلف- عم ياكول لحم ضبع بيشبهو)
إيمان فجر السيد





