السرد الأدبي

أغنية لتحطيم أنف العالم – عبد العظيم فنجان

470600792 1403422290921415 799560628888058919 n

أتدربُ ، مذ عرفتكِ ،على أن أكون خاسرا .

أضفتكِ ، مذ أول لهفة ، إلى مفقوداتي ، قبل أن يحصلَ ذلك ، وأفقدكِ فعلا .

لم أحبكِ إلا لأن الحبَّ تنشره الصبايا ، على حبال الغسيل ، لتتبخرَ ، من أرواحهن ، الطعناتُ تحت الشمس . ولم أغرم بكِ ، إلا لأنكِ مخمورة ٌ بالألمِ وبالتوبيخِ ِ ، حدّ الثمالة .

وها إني أشربُ خمرَ غيابكِ ، واضعاً وجهَكِ على طاولة مخيلتي لأسكرَ :

أسكرُ من أجل أن أجرجرَ العالمَ من شَعره ، وأرميه بين قدميكِ : يصفعونكِ في البيتِ ، فأسقط ُ ، بدلاً عنكِ ، في الشارع . أما أمُّكِ فلن يغفرَ لها الشِّعرُ ، وستفرّ الجنةُ ، من تحت أقدامها ، نحو الشيطانِ ، لأنها تراني ، عندما تبكين ، طافراً من بين دموعكِ ، فلا تحرّك ساكنا .

تطبخكِ وجبة من تعاليم ، وتبني ، من صفعاتها على خديكِ ، مطبخا تأكلكِ فيه العائلة ُ ..

أحبكِ .

اقسمُ بالقمر ، وهو يرفرفُ جريحا فوق رؤوس العشاق ، إثرَ انفجار عبوّة ناسفة في قلبه .

اقسمُ بالخوف : ينشرُ راياتِه فوق رؤوس متظاهرين ، في مسيرة ٍ لا يعرفُ فيها أحدٌ أحداً .لا يعرفون لِمَ هم هكذا محمولون على أكتاف الهتافات بدون فائدة .

احبكِ حتى الأخيرِ .

حتى الأخيرِ ، حتى الأخيرِ ، رغمَ أننا نعيشُ مرحلةً ما بعده .

حتى عندما يأتي يومٌ ترشّنا فيه خراطيمُ المياه بدموع الحكومة ،

حتى في وشايات الأصدقاء على بعضهم البعض ، من أجل عضّةٍ من تفاحتكِ المنهوبة منذ أول غابة .

ماذا أكثرُ من هذا شِعراً ؟

ماذا أكثرُ من هذا جنوناً ؟

غير أني لا أعرفُ كيف أحبكِ دون أن أسكرَ .

دون أن أبيتَ ليلتي عند عتبة اسمكِ ، فلا تمرين إلا وأنتِ مبتورةَ العواطف ، في سيارة طوارئ .

أحسبُكِ تنادين الأقاصي من مستوصف الزمن ، وتحسبينني أنادي الشِعرَ ، ممتطياً حصانَ الرصيف ، لكنني أغنيّكِ أيتها الشقيةُ .

أخسرُكِ يومياً ، وأكتبُ :

إذا كنتِ امرأةً ، فكوني امرأةً حقا ، لأنني إذا ما سكبتُ عليكِ من مياه فرحي ، فلن تفيضَ على وجهكِ إلا صفعاتٌ أخرى ، يزرعها الأصدقاءُ على خديكِ ، واحداً تلوَ الآخر ، فتدفعني لأشربَ من أقرب غيمة ترفرفُ فوق رأسكِ :

أسكرُ

كي أحطمَ أنفَ العالم ،

فلا يتحطم سوى رأسي ، وأنا أضربه بالحائط .

لكِ

أن تختفي في شِعري دائما ،

ولي

أن أقطعَ المسافةَ بين القصيدة والشـِعر حافيا .

أمشي على شظايا مرآة هاويتي المنثورة طول الكتابة ، فألمحكِ تقفزين ، من جملةٍ إلى جملةٍ ، وخلفكِ يقفزُ ثعلبٌ ، سيواصل لعبته ، حتى وأنا أحذفه من هذا المقطع .

غير أني مللتُ .

مللتُ أن أحبكِ بهذا الشكل ،

حتى صرختُ ثانية :

إذا كنتِ امرأة ، فكوني امرأة حقا .

فخرجتِ من غرفة النقاط :

مشيتِ ، كالحِبر ، في عروق الحروف ، ولم أجد لكِ معنىً عندما وضعتُ كلماتكِ ، تحت عدسة مكبرة :

يحتلني غيابـُكِ ، واقترابي يجعلك تفلتين من قبضة الحضور .

أحبكِ .

اقسمُ بكل ما فقدتُ من أصدقاء في الحروب ، وبكل جرعة خذلان أخذتها ، وأنا جالسٌ على شرفة الحب في الشوارع الخلفية .

أضمّكِ إلى مفقوداتي ، وأغنيكِ ،

ثم أضحكُ جزعا ، لأن اللعبة هذه لا يفهمها أحدٌ سواي :

أنا الخاسرُ مذ قلتِ : أحبكَ ، لأنني خالي الوفاض إلا من عطش الرحيل ، ولستُ بنادمٍ .

أنا الرابحُ الأزليُّ مذ تدرّبتُ على اضطرابكِ بين مقبض الوردة وغصن الخنجر ،

ولستُ فرِحاً :

لا فرق ،

ففي الحالتين يصفعكِ أحدٌ ما ،

فأسقطُ ، بدلا عنكِ ، في الشارع :

تجمعني أمُّكِ مع دموعكِ ، لأعودَ مثل نهر ٍ ، ترمين زوارقكِ الورقية إلى مجراه ،

ولا أفعلُ شيئا سوى أن أسكرَ :

أرفعُ قبضتي عالياً لأحطم أنف العالم ،

فأرتطم بأول حاجز .

يركلني الجندُ على مؤخرتي فأطيرُ ،

كقنبلةِ تنويرٍ في ساحة حرب .

أراقبكِ تغرقين غياباً ، وأراقبني أفيضُ حباً لكِ ،

يوما بعد آخر ، حتى آخر ركلة ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading