أغنية لتحطيم أنف العالم – عبد العظيم فنجان

أتدربُ ، مذ عرفتكِ ،على أن أكون خاسرا .
أضفتكِ ، مذ أول لهفة ، إلى مفقوداتي ، قبل أن يحصلَ ذلك ، وأفقدكِ فعلا .
لم أحبكِ إلا لأن الحبَّ تنشره الصبايا ، على حبال الغسيل ، لتتبخرَ ، من أرواحهن ، الطعناتُ تحت الشمس . ولم أغرم بكِ ، إلا لأنكِ مخمورة ٌ بالألمِ وبالتوبيخِ ِ ، حدّ الثمالة .
وها إني أشربُ خمرَ غيابكِ ، واضعاً وجهَكِ على طاولة مخيلتي لأسكرَ :
أسكرُ من أجل أن أجرجرَ العالمَ من شَعره ، وأرميه بين قدميكِ : يصفعونكِ في البيتِ ، فأسقط ُ ، بدلاً عنكِ ، في الشارع . أما أمُّكِ فلن يغفرَ لها الشِّعرُ ، وستفرّ الجنةُ ، من تحت أقدامها ، نحو الشيطانِ ، لأنها تراني ، عندما تبكين ، طافراً من بين دموعكِ ، فلا تحرّك ساكنا .
تطبخكِ وجبة من تعاليم ، وتبني ، من صفعاتها على خديكِ ، مطبخا تأكلكِ فيه العائلة ُ ..
أحبكِ .
اقسمُ بالقمر ، وهو يرفرفُ جريحا فوق رؤوس العشاق ، إثرَ انفجار عبوّة ناسفة في قلبه .
اقسمُ بالخوف : ينشرُ راياتِه فوق رؤوس متظاهرين ، في مسيرة ٍ لا يعرفُ فيها أحدٌ أحداً .لا يعرفون لِمَ هم هكذا محمولون على أكتاف الهتافات بدون فائدة .
احبكِ حتى الأخيرِ .
حتى الأخيرِ ، حتى الأخيرِ ، رغمَ أننا نعيشُ مرحلةً ما بعده .
حتى عندما يأتي يومٌ ترشّنا فيه خراطيمُ المياه بدموع الحكومة ،
حتى في وشايات الأصدقاء على بعضهم البعض ، من أجل عضّةٍ من تفاحتكِ المنهوبة منذ أول غابة .
ماذا أكثرُ من هذا شِعراً ؟
ماذا أكثرُ من هذا جنوناً ؟
غير أني لا أعرفُ كيف أحبكِ دون أن أسكرَ .
دون أن أبيتَ ليلتي عند عتبة اسمكِ ، فلا تمرين إلا وأنتِ مبتورةَ العواطف ، في سيارة طوارئ .
أحسبُكِ تنادين الأقاصي من مستوصف الزمن ، وتحسبينني أنادي الشِعرَ ، ممتطياً حصانَ الرصيف ، لكنني أغنيّكِ أيتها الشقيةُ .
أخسرُكِ يومياً ، وأكتبُ :
إذا كنتِ امرأةً ، فكوني امرأةً حقا ، لأنني إذا ما سكبتُ عليكِ من مياه فرحي ، فلن تفيضَ على وجهكِ إلا صفعاتٌ أخرى ، يزرعها الأصدقاءُ على خديكِ ، واحداً تلوَ الآخر ، فتدفعني لأشربَ من أقرب غيمة ترفرفُ فوق رأسكِ :
أسكرُ
كي أحطمَ أنفَ العالم ،
فلا يتحطم سوى رأسي ، وأنا أضربه بالحائط .
لكِ
أن تختفي في شِعري دائما ،
ولي
أن أقطعَ المسافةَ بين القصيدة والشـِعر حافيا .
أمشي على شظايا مرآة هاويتي المنثورة طول الكتابة ، فألمحكِ تقفزين ، من جملةٍ إلى جملةٍ ، وخلفكِ يقفزُ ثعلبٌ ، سيواصل لعبته ، حتى وأنا أحذفه من هذا المقطع .
غير أني مللتُ .
مللتُ أن أحبكِ بهذا الشكل ،
حتى صرختُ ثانية :
إذا كنتِ امرأة ، فكوني امرأة حقا .
فخرجتِ من غرفة النقاط :
مشيتِ ، كالحِبر ، في عروق الحروف ، ولم أجد لكِ معنىً عندما وضعتُ كلماتكِ ، تحت عدسة مكبرة :
يحتلني غيابـُكِ ، واقترابي يجعلك تفلتين من قبضة الحضور .
أحبكِ .
اقسمُ بكل ما فقدتُ من أصدقاء في الحروب ، وبكل جرعة خذلان أخذتها ، وأنا جالسٌ على شرفة الحب في الشوارع الخلفية .
أضمّكِ إلى مفقوداتي ، وأغنيكِ ،
ثم أضحكُ جزعا ، لأن اللعبة هذه لا يفهمها أحدٌ سواي :
أنا الخاسرُ مذ قلتِ : أحبكَ ، لأنني خالي الوفاض إلا من عطش الرحيل ، ولستُ بنادمٍ .
أنا الرابحُ الأزليُّ مذ تدرّبتُ على اضطرابكِ بين مقبض الوردة وغصن الخنجر ،
ولستُ فرِحاً :
لا فرق ،
ففي الحالتين يصفعكِ أحدٌ ما ،
فأسقطُ ، بدلا عنكِ ، في الشارع :
تجمعني أمُّكِ مع دموعكِ ، لأعودَ مثل نهر ٍ ، ترمين زوارقكِ الورقية إلى مجراه ،
ولا أفعلُ شيئا سوى أن أسكرَ :
أرفعُ قبضتي عالياً لأحطم أنف العالم ،
فأرتطم بأول حاجز .
يركلني الجندُ على مؤخرتي فأطيرُ ،
كقنبلةِ تنويرٍ في ساحة حرب .
أراقبكِ تغرقين غياباً ، وأراقبني أفيضُ حباً لكِ ،
يوما بعد آخر ، حتى آخر ركلة ..





