حين بدأ الإنسان رحلته على الأرض أصبح السكن في مكان آمن من أول متطلباته، مكان حميميّ ينتمي إليه، وتشدّه مشاعر من الحنين والشوق إليه إذا ما ابتعد عنه، بل أصبح دالّة على الشخص نفسه. ويمتلك بابه حضورًا لافتًا سواء أكان هذا الحضور في الواقع العياني، أو في الذاكرة الشخصية، لما يؤدّيه من وظيفتين مزدوجتين ومتضادتين معًا: الوصل والعزل، فهو المنفذ الذي ينفذ منه الداخل المُرَّحب به، وهو المصدُّ القوي لغير المرغوب به، من هنا يتشكّل حضوره واقعيًا، ومن هنا أيضًا انطلق الباب في رحلة طويلة بين أجناس الإبداع شعرًا وقصة ورواية ومسرحًا، كما سجلَّ حضورًا غير محدود في صفحات الفن التشكيلي، لكنَّ صور وطبيعة هذا الباب تسجِّل اختلافًا كبيرًا حسب رؤية المبدع الذي اتخذ منه موضوعًا مفردًا، أو جزءاً من موضوع لعمله الإبداعي.
يحضر الباب في لوحة {وجوه وعتبات} – التي نفّذها الفنان السوري عصام يوسف بحجم (110/160سم) – ابتداءً من عنونتها، لكنه الحضور غير المقروء كتابةً لكونه مرئيًا في اللوحة ذاتها، حيث اشتغل الفنان عصام باتجاه تفعيل جزءٍ من الباب وهو العتبة، أي المنطقة الصغيرة الواصلة ما بين الرصيف والباب، لتكون دالةً على الباب نفسه من جهة رمزية؛ ولأنها أول مساحة يخطو عليها الداخل أو الخارج من الدار من جهةٍ واقعية. وبما أنَّ البيوت مقفلة من حيث سياجاتها فكان لا بُدَّ للإنسان من اختراع منافذ ضوئية لها، وفي الوقت ذاته منافذ للتواصل مع ما يقع خارج هذه البيوت، فكانت الشبابيك هي الأداة، ومن خلال مسار هذا البحث سأكشف عن دلالاتها التي أرادها الفنان.
سأُحاول قراءة الأبواب في هذه اللوحة بوصفها عنصرًا من عناصر التكوين، وفي الوقت ذاته مدخلاً لدلالاتها، حيث عمد الفنان عصام الى موضعة مجموعةٍ من الأبواب في الجزء الوسطي من اللوحة، تمظهرت بأشكال عديدة فمنها ما ينتصب عموديًا، ومنها ما بدا مائلاً وكأنَّه آيل للسقوط، ففي الواقع العياني لا بُدَّ للأبواب من الانتصاب عموديًا؛ لتؤدي وظيفتها في حماية البيت، لكنَّ الفنان عصام حين منحها وضعًا مائلاً كان قاصدًا دلالة السقوط، رغم ما منحها إيّاه من مظهر متماسك غالبًا. واعتمدت هذه الأبواب في ظهورها على إطار يحيط بها، ثمَّ دفّة واحدة أو دفّتين، واستغلَّ الفنان عصام القسم العلوي من الباب في رسم مساحة مقوّسة {نصف دائرة هندسية} تتموضع عليها الزخارف بشكل جمالي، وتتكرر هذه الزخارف، فهي حينًا أشكال حلزونية، وحينًا نباتية، وحيناً دائرة وسطية تخرج منها شعاعات، فتبدو تمثيلاً رمزيًا للشمس، من هنا سيمكنني القول أنَّ الفنان حدد هوية هذه الأبواب، فهي أبواب شامية عربية يمكن لنا أن نجدها في البيوت القديمة في أيّة مدينة عربية.
عندما يحدد الفنان موضعة عناصر تكوينه، يهتمُّ بما يقع في مقدمة اللوحة ثمَّ يتدرَّج للوصول الى البُعد الثالث، وبسبب تراكم طبقات الهواء والغبار تفقد عناصر التكوين الواقعة في هذا البُعد الكثير من تفاصيلها لتبدو شبحية أو ضبابية، لكنَّ المسح البصريّ المتأمل لهذه اللوحة يكشف عن اغفال الفنان لهذه المسألة، حيث ظهرت بعض الأبواب القريبة من مقدمة اللوحة ضبابية التفاصيل، مثل الباب المُلوّن باللون الأزرق والقريب من مقدمة اللوحة، وكذلك الأبواب الواقعة في يسار اللوحة، في حين بدا الباب الصغير الواقع في يمين اللوحة أكثر وضوحًا زخرفيًا رغم صغر حجمه، ووقوعه في البُعد الثالث.
واتخذت الأبواب ألوانًا متعددة، فاللون الأزرق المطفأ المتدرِّج كان مؤشِّرًا على سكون مَرَضي، لكنَّ الزخارف المُلوَّنة منحته شيئا من الحيوية، فيما اتخذ بعضها الآخر ألوانًا متعددة؛ ليؤشِّر ظلاً وضوء، مما منح المتلقي فرصة للشعور بالحركة والحيوية حين ينقل بصره ما بين الألوان وظلالها.
إنَّ شكل الأبواب وهو يتكرر في الظهور حوالي {30} بابًا يتفوّق على أشكال البيوت والعتبات والشبابيك، التي كان حضورها قليل جدًا، ويبدو لي أنَّ هذا الظهور القليل كان منطلِقًا من رؤية الفنان عصام أنَّ الأبواب تمتلك رمزية كافية تشكِّل تعويضًا فاعلاً عن البيت بأكمله.
يشير امتداد الأبواب من منتصف اللوحة حتى بُعدها الثالث الى بُعد زماني واضح، فالأبواب المتموضعة في اللوحة تحمل سمات الأبواب القديمة، إذًا موضوع اللوحة يمتلك امتدادًا تاريخيًا، فهو ليس بالموضوع الحديث المطروح حاليًا، وهنا سيسأل المتلقي: ما هو موضوعها إذًا؟
لوضع جواب افتراضي لهذا السؤال لا بُدَّ من قراءة العنصر الثاني من عناصر تكوين هذه اللوحة وهي المرأة، حيث يشير ظهورها المعتمد على خاصية التكرار الى أهمية هذا الحضور، ولهذا سأبدأ بقراءته شكلاً أولاً، دلالةً ثانيًا، حيث يكشف المسح البصري لهذه النساء عن تشابه كبير من حيث التفاصيل العامة، فبعض النساء ظهرت أجسادهن بشكل نصفيّ أو أكثر قليلاً، وبلا تفاصيل الوجه، حيث كان اشتغال الوجه من قِبل الفنان عصام إمّا تظهيره بدون تفاصيل، أو تظهير بعض تفاصيله مثل العيون، ولكنَّ هذه العيون بدون تفاصيل بل هي مساحة صغيرة من السواد موضعها الفنان في ثلاثة وجوه فقط، الأول للمرأتين المتجاورتين والواقعتين يمين اللوحة وفي مقدمتها، وأيضاً للمرأة في القسم السفلي من يسار اللوحة، وبدا لي أنَّ فكرة الفنان هنا هو دعوة النساء الى اغماض أعينهن عن الواقع الحالي، والعودة الى أعماق أنفسهن لاكتشاف ما فيها من قدرات وطاقات، أمّا الوجوه التي اتخذت لونًا واحدًا {الرمادي} وبدون تفصيلات، وملابسهن اتخذت الألوان الزرقاء والرمادية المطفأة فهو اشارة من الفنان الى النساء اللواتي فقدن أدوارهن في حياة حقيقية مُنتجة، فأصبح واقعهن المجتمعي مهمشًا ومستلبًا غالبًا، في حين منح غالبية نساء اللوحة وجوهًا بلونين أو أكثر، فجزء منه اتخذ اللون البرتقالي الذي يحيل دلاليًا الى النور والثورة والتمرّد، أمّا الجزء الثاني فاتخذ اللون الأصفر مع لمسات خفيفة من الأبيض، واتخذ الألوان ذاتها لملابسهن، وهذه دلالات ايجابية تؤشِّر الطاقة والحيوية والقدرة الفاعلة على العطاء، وبما أنَّ المرأة سجّلت حضورها المميز في كثير من لوحات الفنان عصام فهو ينظر إليها نظرة ايجابية تمامًا، ولوحاته تطالبها بتفعيل حضورها وتخطي العتبة؛ لأنَّ الأبواب المغلقة عليها تحرمها حقَّ الحياة، والمشاركة ببناء مجتمع أفضل.
إذًا موضوع اللوحة ينفتح على الوضع المجتمعي للمرأة العربية تحديدًا {بدلالة الأبواب العربية}، ورغم أنَّ الدعوات الى تحريرها نالت الكثير من الطروحات والكتابات إلاّ إنّها لم تزل تعاني من القيود والعقبات، وربّما لهذا السبب رأى الفنان أن تكون اللوحة أُفقية وليست عمودية، فرغم أنّها تضجُّ بالألوان والحركة إلاَّ إنَّ أُفقيتها أشارت بوضوح الى أنَّ وضع المرأة العربية لا يزال ساكنًا وراء الأبواب المغلقة، وهو ليس السكون الكامل بدليل أنَّ الفنان عصام منح النساء موقعة أمامية، فبَدونَ وكأنهن يشاركن بمسيرة جمالية تتخطى الحواجز، ولهذا كان حريصًا على تظهير الشمس البرتقالية دلالة النور والحيوية والحركة في القسم العلوي الأيمن من اللوحة في فضاء بارد مشغول باللون الأزرق الفاتح جدًا.
أمّا الزاوية اليسرى فاختار الفنان عصام أن يشغل الفضاء باللون البرتقالي المحمر؛ ليمثِّل تكرارًا توكيديًا للبرتقالي في بقية عناصر التكوين، تجاوره مساحة لونية بالأخضر الهادئ المُتدرِّج، وهو أيضًا تكرار لوني.