لوحة الإجازة الخطية للفنان عباس الطائي: قراءة تحليلية – د. وجدان الخشاب / العراق


حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الإنجاز: 1408ه / 1987م
إنَّ الخط العربي فن من الفنون الإسلامية التي ارتبطت بالهوية الإسلامية، فأصبحت رصيداً ثقافياً له بُـعـده الروحي والفكري والفني الذي تجـلّى من خلال تجويد الفنانين له، واستحداث خطوط جديدة، فتغيّـر دوره الوظيفي الذي اقتصر بدايةً على التدوين اليومي للمعاملات والمراسلات والتوثيق، ليصبح غاية روحانية وجمالية، وذلك لاستخدامه في كتابة الآيات القرآنية الكريمة، فأضفى هذا الاستخدام على الخط قدسية عظيمة استمدت وجودها من قدسية هذه الآيات، فاعتنى الفنانون بتجويد الخطوط العربية وضبطها حسب القواعد والأُصول، وامتلك بذلك جمال التكوين وعـظمة الدلالة.
تُـعـدُّ كتابة الخط العربي بأنواعه موهبة روحانية إلهية لا يملكها أيّ شخص، بل يملكها مَـن أجاد عليه الله سبحانه وتعالى بالعلم والصبر والإبداع، وهذا ما وجدته في شخصية الفنان عباس من خلال رحلتي هذه مع تجربته التشكيلية الخطية، فلوحته التي نال بها الإجازة الخطية من الخطاط الكبير الأُستاذ يوسف ذنون (رحمه الله) عام 1987م استغرقت (3) أشهر من العمل المتواصل والتدريب اليومي الذي لا يقـلّ عن (10) ساعات – كما أخبرني- أنجز خلالها ما يقارب الـ (60) مسوّدة قبل تنفيذها بشكلها النهائي وتقديمها للأُستاذ يوسف ذنون (رحمه الله)، واعتمد على خامة من ورق الآرت الخاص باللوحات الخطيّـة، وهو ورق كارتوني صقيل تصعب الكتابة عليه لأنّـه يتطلب دقة متناهية ومهارة عالية.
من أكثر الأشكال الهندسية شيوعاً استعمالياً في واقعنا العياني وفي اللوحات التشكيلية – ومنها الخطيّـة – هو شكل المستطيل القائم، ويرمز دلالياً الى الاستقرار والثبات والتناظر والترتيب والرصانة، ولهذا السبب اختاره الفنان عباس شكلاً للوحته هذه التي نشأ تكوينها العام على العناصر التالية:
1/ الكتل الرئيسة (الخطيّـة).
2/ الكتل الثانوية المتمثلة بالتشكيلات التزيينية.
3/ الزخرفة.
4/ الأرضية والإطار.
أول شكل من أشكال الكتل الخطيّـة في هذه اللوحة هو الشريط الكتابي والزخرفي الذي خطَّ فيه جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) بخط المحقق وهو خط مصحفي، ويُـعـدُّ من أصعب الخطوط العربية، ومشتق في الأصل من خط الثلث إلا انّـه أكثر دقّـة ورقّـة منه، وحروفه مرسلة وقليلة التقويسات، وبما أنَّ البسملة هي فاتحة السور القرآنية الكريمة من جهة، ولها قيمتها العظيمة في حياة المسلمين اليومية من جهة مقابلة، فإنَّ عناية الفنان عباس بتجويدها يتبدّى في مجموعة من الأُمور التي أسهمت في إخراجها بالشكل الذي نراه، وأول هذه الأُمور أنّه اختار خطّـها على شكل شريط، أي تسطير الكلمات بشكل تتابعي أُفـقـي، ويلاحظ المشاهد هنا أنَّه خطَّ بداية حرف الباء في كلمة (بسم) بحركة اتجاهية صاعدة قليلاً الى الأعلى، تليه أسنان قصيرة لحرف السين ثمَّ تنصيل أُفـقـي مبسوط، وبذلك أوجد تضاداً بينهما، مع عناية واضحة برسم حرف الميم الذي أخرجه بحيث تكون نهايته المرسلة مائلة نحو الأسفل ودقيقة الشكل، وبهذا أصبح حرف الميم قاعدة لخط حروف الألف واللام المتكرر من لفظ الجلالة (الله).
من ميّـزات شكل حرف الألف المفرد والمتصل في خط المحقـق أنّـه يكون عمودياً وأطول من باقي الحروف، وبارتفاع واحد في الكتلة ذاتها، وهذا ما حققه الفنان عباس في خطه لحرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في لفظ الجلالة حيث منحه طولاً مبالغاً فيه، ليحقق خاصية التكرار الشكلي مع الحرف نفسه، ومن الجزء القائم من حرف اللام في كلمتي (الرحمن الرحيم)، وأخرج كلمة (الرحمن) بحيث تستقر زاوية حرف الحاء على الجزء القائم من حرف اللام، فحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع امتداده القائم، فمنح مشهد الكلمة جمالاً ناتجاً عن اتصال حرف الحاء الأُفـقـي بحرف اللام العمودي، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وأصبح مع حرف الراء المرسل مساحة استقرار لحروف الحاء والميم وجزء من حرف النون، واعتماداً على خاصية التكرار الشكلي الايقاعي خطَّ حرف الحاء في كلمة (الرحيم) بتكرار شكله في كلمة (الرحمن)، وجعل حرفي اللام والراء قاعدة تستقر عليها حروف الحاء والياء وجزء من حرف الميم، وهذا ما أكسب مظهرها تناسقاً وتوازناً جميلاً، فضلاً عن الايقاع المتوازن اللافت للنظر، والذي تمثّـل بتكرار شكل حرف الألف وتسطيره بارتفاع واحد.
أوجدت خاصية التنصيل الأُفـقـي لحرف السين مساحة فراغية كان لا بُـدَّ للفنان من إشغالها لتحقيق خاصية التوازن، ولهذا اختار زخرفة نباتية تزيينية تمتد بشكل أُفـقـي وتتوازى مع امتداد حرف السين التي أصبحت بمثابة قاعدة لها، فحقـق بذلك توازناً للقوى المتضادة معها، والتي تمـثّـلت بالكلمات (الله الرحمن الرحيم)، واختار اشغال الفراغ الناتج عن انتهاء جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) بشكل تزييني يتمثّـل بزخرفة اسلامية نباتية (توريق) مستمدة من الطبيعة الواقعية، لكنّـه اعتمد فيها على صفتي التبسيط والتحوير، فرسمَ وردة دائرية صغيرة مع غصن صغير وأوراق، فضلاً عن الشكيلات التزيينية التي فرشها في الفراغات المحيطة بجملة البسملة، والتي تمثّـلت بالحروف الايضاحية الصغيرة، والحلية المتجسدة في الحركات الإعرابية مثل الضمة والفتحة والكسرة والسكون، والمدّة، وكذلك الزخرفة النباتية الصغيرة، وبهذا منح هذا الجزء من اللوحة تناسقاً جميلاً وتوازناً بين القوى المتضادة، وتكراراً لافتاً، فضلاً عن تحقيقه تضاداً أيضاً من خلال اختياره للشكل المستطيل الزخرفي الممتد أُفـقـياً لخط الجملة مع شكل المستطيل القائم للوحة.
تؤدي المنظومة اللونية التي يفرشها الفنان في لوحته دلالات عـدّة، ولهذا نجد الفنان يتأنّـى في اختياراته هذه معتمداً على خبرته اللونية التي ستشتغل باتجاه التكامل مع خبرته ومهارته الخطيّـة، وبما أنَّ اللون الأسود يدلّ في بعض دلالته الايجابية على الفخامة والوقار، فكان بذلك هو اللون المفـضّل للحبر الذي خطَّ به الفنانون آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والأقوال المأثورة، وهذا ما دفع الفنان عباس لاستخدام هذا اللون في خط الكلمات، لكنّـه اختار تلوين التشكيلات التزيينية والزخارف النباتية في هذا الشريط الكتابي باللون الزيتوني المتدرِّج أي اللون الأصفر المائل الى اللون الأخضر والناتج عن مزجهما معاً بنسبة متفاوتة، وهو لون يتناغم مع لوني السماء والأرض، ويؤكِـد الترابط الصميمي الدلالي بينهما وبين اللون الأصفر الفاتح جداً لخلفية الكتابة، فأسهم بإبرازها وشدِّ بصر المشاهد إليها.
واختار شكل نصب الجندي المجهول الموجود في بغداد شكلاً تكوينياً تجريدياً، ليتخذ من المساحة الواقعة تحت الشريط الكتابي لجملة (بسم الله الرحمن الرحيم) موقعاً له، ورسمه بمنظورين، الأول أمامي مباشر كتب فيه دعاء الرسول (صلّـى الله عليه وسلَّم)، والثاني منظور جانبي للأقواس، وهذا تحريف جميل عن أصل شكل النصب، وتنويع إخراجي أكسبه حيوية لافتة.
ويلاحظ المشاهد أنّ هذه شكل هذه الكتلة شغلَ مساحة أكبر من مساحات الكتل الأُخرى لأنّه مركز سيادة اللوحة، ونقطة جذب نظر المشاهد لها، فضلاً عن دلالاته التي سنتوقـف عندها لاحقاً، واختار تقسيم هذ الكتلة على (4) كتل، الأُولى هي الكتلة التي خَـطَّ فيها الآيات القرآنية الكريمة من سورة الشرح (ورفعنا لك ذكرك [4] فإنًّ مع العسر يسرا [5] إنَّ مع العسر يسرا [6]) ومنحها شكلاً قوسياً هندسياً، فأصبحت قاعدة تنهض عليها الكتل الأُخرى.
يكشف التأمّل في هذه الآيات الكريمة عن وعي الفنان عباس بدلالاتها، فاختياره لها لم يكن اعتباطياً بل كان مدروساً بعناية، حيث أفاد منها في التدليل على أنَّ رسالة الخط العربي رسالة مقدّسة، وأمانة يحملها الخطاط وينقلها عبر التعليم من جيل الى جيل، والإجازة من الخطاط الأُستاذ هي التي ستمنح طالبها فرصة هذا النقل والتعليم، فيعلو بذلك شأنه علواً كبيراً رغم العسر والصعوبة والمسؤولية التي يشعر بها طالب الإجازة في التمكّـن والتجويد والبراعة الخطيّة ليحوزها، لكنَّ الله سبحانه وتعالى سيفتح له باب التيسير لإتمامها.
إنَّ التنوّع المتمثّـل في خط أكثر من نوع من أنواع الخطوط العربية في اللوحة يمنحها ثراءً وقوة، ويدلل في الوقت ذاته على امكانية الفنان الخطيّـة، وفي لوحة الإجازة هذه كان لا بُـدَّ للفنان عباس من الالتزام بهذا الأمر، ولهذا عمد الى خط جلي الثلث لإخراج هذه الكتلة، ويلاحظ المشاهد أنَّ التركيب الثقيل (المُـكـثّـف) هو أول خاصية يتميز بها الخط هنا سواءً أكان هذا التركيب على مستوى تداخل الحروف، أم على مستوى الرفع المكاني للكلمات فوق بعضها، واستغلال المساحة المتاحة للخط بالشكل الأمثل الذي يمنحها خاصية الانسجام، فـفي كلمة (ورفعنا) يتجلّـى التركيب الثقيل في جعل الامتداد النازل لحرف الواو قاعدة لخط حرف الراء ثُـمَّ حرف الفاء، ويلاحظ المشاهد التعامل الفني الذي تعامل به مع حرف الراء المرسل الذي منحه انسيابية ورشاقة لطيفة.
أمّـا حرف العين فـقـد منحه مظهراً مختلفاً بأن خطَّـه ملفوفاً التفافاً جميلاً، وبدا تناسقه واضحاً من خلال الايقاع أو الترديد المتوازن الذي يمكن ملاحظته في شكله، وفي توافق التفافه مع الشكل القوسي للكتلة رغم أنَّه ليس الحرف الأخير في الكلمة، وكذلك فعل مع الحرف نفسه في كلمة (العسر)، ويبدو أنَّه كان قاصداً هذه المعالجة الفنية لحرف العين لكي يمنحه تكراراً متناسباً مع شكل حرف العين الآخرية في كلمة (مع)، وشكّلت جميعها تبايناً مع طريقة خط الحرف نفسه في كلمة (العسر)، والتكرار خاصية تسهم في دفع الملل عن عين المشاهد، وتؤكد مرونة الحروف العربية عند خطّـها بأشكال متعددة حسب اختيارات الخطاط التي تسمح بها نوعية الخط.
يكشف اختيار الفنان عباس لمواقع خطِّ حرف العين بهذا الشكل عن فكرته في تظهير شكل الكتلة، بحيث أننا لو حاولنا رسم خط من أعلى نقطة في أول ورود له في كلمة (ورفعنا)، وتوقـفـنا عند أعلى نقطة في آخر ورود له في كلمة (مع) لكان هذا الخط على شكل قوس، وكذلك الجزء الأسفل من هذا الحرف، فحقق بذلك الاشتغال تناسباً جميلاً، فضلاً عن الايقاع الناتج عن الشكل القوسي.
نظـرَ الفنانون العرب الى اللوحة الفنية الخطية نظرتهم الى البناء الهندسي الذي يعتمد على أعمدة البناء الرأسية، ويقابلها في الخط العربي حرف الألف والأجزاء القائمة من الحروف الأُخرى، كما يعتمد أيضاً على الامتدادات الأُفـقـية التي تكون قاعدة ومرتكزاً للبناء، ويقابلها في الخط العربي الحروف ذات الامتدادات الأُفـقـية أيضاً، فتكتسب اللوحة صفات التوازن والاستقرار والقـوّة والجمال وهي صفات البناء الهندسي أيضاً، وفي لوحة الإجازة هذه سيلاحظ المُشاهد عناية الفنان عباس بخط حرف الألف والأجزاء القائمة من الحروف الأُخرى بترويسٍ منح شكله قوة وتعريضاً، فبدا وكأنّـه يشدّ بناء الكتلة، فضلاً عن اتخاذه مرتكزاً لبعض الحروف مثل الذال والكاف في كلمة (ذكرك)، وشكلاً متراكباً ومتقاطعاً مع حرف السين في كلمة (يسرا)، ومرتكزاً على حرف العين في كلمة (مع)، وكذلك ارتكازه وتقاطعه مع حرف الراء في كلمة (يسرا). إنَّ هذه المعالجات الفنية المتقنة منحت هذه الكتلة توازناً وتناسقاً حقق بُـعـدها الجمالي بشكلٍ لافت، فضلاً عن أنَّ تراكبها وتقاطعها أنتج ايهاماً بالبُـعد الثالث وبالحركة الضمنية الوهمية أيضاً.
وتجـلّى التركيب الثقيل أيضاً في كلمة (ذكرك) حيث خطَّ الفنان عباس حرف الذال بشكل متقاطع مع امتداد الجزء القائم من حرف الكاف في كلمة (لك)، فظهرت وكأنّها متصلة بها رغم أنَّها تُـخط في هذه الكلمة منفصلة، فحقق بذلك خاصية التأليف، وهي جمع كل حرف غير متصل الى غيره من جهة، وتبايناً في شكلها عن الأصل من جهة ثانية، واشتغل باتجاه التخفيف من استقامة وصرامة حرف الألف، لأنَّ شكل حرف الذال أوجد تزوية جميلة تجانست مع رسم حرف الكاف من جهة ثالثة، وأسهم التباين بين حجمي الحرفين في منح تقابلهما جمالية لطيفة تجـلّت أيضاً في اختيار الفنان عباس لحرف الكاف في كلمة (لك) قاعدة تستقر عليها حروف الذال والكاف الأُولى والثانية المرفوعة مكانياً.
إنَّ خاصيتي التراكب التقاطع بين حروف وكلمات خط جلي الثلث يجعلها صعبة القراءة، ولكنّ التأمّـل الواعي والدقيق فيها يجعل القراءة عملية ممتعةً بصرياً وروحياً حيث ينشغل البصر بمتابعة انفراش الحروف على الأرضية محاولاً فكَّ تشابكاتها، ومتابعة يد الفنان وهي تخطّـها باحترافية عالية، فحرف النون هنا سيجده مخطوطاً بامتداد أُفـقـي مبسوط بدلاً من التقـعّـر، فأصبح بذلك قاعدة لاستقرار كلمة (مع) وبعض حروف كلمة (العسر)، وشكّلَ بامتداده هذا تقاطعات جميلة مع حروف العين والألف واللام والعين، أنتجت ايهاماً بالبُـعد الثالث من جهة، وحركة ضمنية ايهامية من جهة مقابلة، أمّـا حرف الياء في كلمة (يسرا) فقد منح بدايته شكلاً رأسياً صاعداً توافق تماماً مع الشكل الرأسي الصاعد لحرف الألف، ولكنه تباين معه في الطول، وهذا ما منحه حيوية ومسحة جمالية.
يفترض الانفتاح الشكلي أي بداية خط الحروف والكلمات في كتلة محددة عناية الفنان بإغلاقها لكي يبدو شكل الكتلة كالنسيج المحبوك بأناقة ودقّـة، ولهذا اختار الفنان عباس خط كلمة(يسرا) بحيث تكون كلمة (العسر) قاعدة لها، فالرفع المكاني لموقعها ارتبط بعظمة دلالاتها على تيسير الأُمور رغم عسرها أحياناً، فالكلمتان تترابطان رغم التناقض الدلالي بينهما، وآخر حرف هو الألف في كلمة (يسرا) الذي تختلف دلالته حسب دلالة الجملة التي يأتي فيها، فقد يكون للإطلاق (وغالباً في القصائد الشعرية) أو الإغلاق، وكان بإمكان الفنان عباس رسمه في آخر الكلمة لكي يحقق الإغلاق الشكلي للكتلة لكنّـه عالجه بطريقة فنية، فخطّـه بحركة اتجاهية نازلة ليتراكب ويتقاطع مع حرف الراء فشكّلَ بذلك زاويتين قائمتين على جهتي نقطة تقاطعهما من جهة، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية ايهامية من جهة مقابلة، ومنح تقويسة حرف الراء امتداداً صاعداً متصلاً مع حرف الألف نفسه فشكّلَ بذلك زاوية ثالثة، وبهذا أوجد تبايناً لافتاً للنظر بين أنواع إخراج هذه الحروف، وهذا ما يكشف عن خبرته ومهارته في معالجة أدقّ تفاصيل الحروف واخراجها بشكل فني مدروسٍ تماماً، هذا على المستوى الشكلي، ومن خلال تأمّـلي للكثير من لوحاته وجدته يوزِّع جهده الخطـيّ بين الشكل والدلالة بحيث يتآزران معاً، ولعل أبرز ما يمكنني التوقف عنده بهذا الخصوص هو اختياره لموقع حرفي الراء بشكل متراكب ومتكرر وذلك للدلالة على استمراريتهما معاً وعدم توقـفهما.
في القوسين المتقابلين اختار الفنان عباس آيات من سورة الأنبياء، ففي القوس الأول خطَّ الآية القرآنية الكريمة المرقومة (105)، والتي تنصُّ على(ولقد كتبنا في الزَّبور من بعد الذكر أنَّ الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وأخرجها بخط جلي الثلث أيضاً، ومنحها شكلاً قوسياً انسجاماً وتوافقاً مع شكل التكوين، وأفاد من خاصية التركيب والتقاطع في خط الحروف والكلمات، وأول ما يلفت نظر المشاهد لهذا الجزء من اللوحة هو التراكب الجميل الذي أحدثه في جملة (ولقد كتبنا في) حيث منح حرف القاف في كلمة (لقد) امتداداً قوسياً ساعد على جعله قاعدة لاستقرار كلمة (كتب)، وبالغ في حجم حرف الكاف بحيث تقاربت ترويسته مع ترويسة حرف اللام في كلمة (لقد)، فشكّل بذلك ما يشبه الزاوية التي قاربتها زاوية أصغر منها تشكّـلت بخط حرف الياء الراجعة في كلمة (في)، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع في حرف الألف في كلمة (كتبنا) مع حرف الدال في كلمة (لقد)، إنَّ توافر صفات توفية الحروف ورشاقتها وانسيابيتها منحت هذه التقاطعات المتراكبة حيوية لافتة، وانسجاماً جميلاً من جهة، وبُـعداً ثالثاً وهمياً من جهة ثانية، وحركة ضمنية ايهامية من جهة ثالثة.
وعالج الحروف المنتصبة المتمثلة بالألف والجزء القائم من اللام بالطريقة ذاتها التي أشرتُ إليها في الجزء الأول من هذه الكتلة، وأخرج كلمة (من) بحيث تظهر مائلة ونازلة برشاقةٍ جميلة، فأصبح حرف النون قاعدة لحرفي العين والدال من كلمة (بعد)، والألف واللام من كلمة (الذكر)، أمّـا معالجته الفنية لكلمة (بعـد) فتمثّـلت باستغلال الفراغ العلوي لكتابتها، ومنح حرف العين امتداداً مبسوطاً شغل فراغ المساحة.
تكشف الملاحظة الدقيقة للكيفية التي يتعامل بها الفنان عباس مع شكل الحروف ومواقعها عن إجادته لهذه الأشكال وتطويعها بالإفادة من خصوصية الحرف العربي الذي يمكن للفنان إخراجه بأكثر من شكل ضمن أشكال الخط الواحد، وخط جلي الثلث من الخطوط التي تتمتع بهذه الخاصية، ولهذا يلاحظ المشاهد الكيفية التي تعامل بها الفنان عباس تعاملاً فنياً مع حروف الدال والكاف والذال في كلمتي (بعد الذكر)، حيث أخرج حرف الدال بشكل زاوي، وكذلك شكل حرف الكاف، ولكنَّ المبالغة في حجم حرف الكاف كوّنت زاويتين متقابلتين مختلفتين في الحجم، كما شكّـلت تقويسة حرف الكاف عند اتصاله بحرف الراء تزوية جميلة تقاربت تماماً مع تزوية حرف الذال، فضلاً عن التزوية التي نشأت من تراكب وتقاطع حرف الألف مع حرف الكاف، وحرف الألف مع حرف اللام في كلمة (الأرض)، إنَّ هذه الزوايا بوضعياتها المتعددة أضفت بُـعداً جمالياً على الحروف فلا تشعر عين المشاهد برتابة الإيقاع بل تستمتع بتنوّعه وجماله وحيويته الناتجة عن بعده الوهمي الثالث وحركته الضمنية الوهمية.
ويستمر المشاهد في متابعته ليد الفنان عباس وهي تنفّـذ هذه اللوحة، وفكره الذي يعالج المساحات معالجة موزونة لا خلل فيها، فيعتمد على التسطير حيناً، وعلى استغلال طريقة القاعدة وما يُبنى عليها أحايين كثيرة، ومنها اختياره لحرف الضاد في كلمة (الأرض) قاعدة لكلمة (يرثها) كاملة، وذلك عن طريق المبالغة في إخراج تقويسة حرف الضاد، وتصغير حروف كلمة (يرثها) لكي يستوعبها حرف الضاد، أمَّـا كلمة (عبادي) فقد عالجها معالجة فنية، فجعل حرف العين يرتكز على تقويسة حرف الضاد، وأحدث حرف الياء الراجع تقاطعات أُفـقـية مع حروف الالف والدال والألف، فأنتجت بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية أيضاً، وأسهمت في منح هذا الجزء من الكتلة حيوية لافتة للنظر، واتخذ من حروف الألف واللام والصاد في كلمة (الصالحون) قاعدة لاحتواء بقية حروف الكلمة، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع بين حرفي الحاء والألف، والنون والألف، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة وهمية ضمنية.
ويلاحظ المشاهد أنَّ الفنان عباس عمدّ الى الإغلاق الخطي لهذه الكتلة بالشكل نفسه الذي أغلق به كتلة القوس الثاني، الذي اعتمد فيه على تراكب وتقاطع قوس حرف النون مع حرف الألف، منتجاً بذلك بُـعداً وهمياً ثالثاً، وحركة ضمنية وهمية أضفت على النص حيوية لطيفة.
في القوس الثاني اختار خط آيتين من القرآن الكريم من سورة الأنبياء أيضاً، وهي (إنَّ في هذا لبلاغاً لقومٍ عابدين [106] وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين [107])، معتمداً على خاصيتي التراكب والتقاطع التي تجلّـت في اختيار حرف النون قاعدة لخط كلمة (في)، وكذلك حرف الهاء من كلمة (هذا)، وحرف اللام من كلمة (لبلاغاً)، وكلها حروف اعتمد في إخراجها على خاصية التنصيل الأُفقي، لكنَّ خط حرف اللام من كلمة (لبلاغاً) بشكله الرأسي منح مظهره اختلافاً وتبايناً جميلاً، كما يلاحظ أيضاً التنويع الشكلي لحرف الهاء في كلمة (هذا) والذي أخرجه بشكله الوسطي وليس بشكه الذي يكتب به إن كان الحرف الأول في الكلمة، وهذا ما أضفى عليه مسحة جمالية.
إنَّ تواتر حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام منح المساحة تناسقاً وانفتاحاً جميلاً، فتباين شكلها عن شكل المساحة التي سبقتها، وتجلّت خاصية التركيب الثقيل من خلال الرفع المكاني لحرفي القاف والواو، فأصبحتا قاعدة لخط حرف الميم الذي أخرجه مرسلاً ومتخذاً حركة اتجاهية مائلة الى الأسفل، ومنتهياً بتقويسة جميلة سمحت باتخاذها قاعدة لخط حرف الباء وجزء من حرف الدال، أمّـا حرف العين فتمثلت معالجته الفنية بخطّـه بحيث تتصل بداية قوسه بنهاية قوس حرف الميم، أمّـا نهاية قوس حرف العين فاتصل بنهاية تقويسة حرف الواو، وكلّـها حقّـها الانفـصال، لكنَّ الفنان عباس كان يبغي تحقيق خاصية التأليف، وهذا ما منح مشهدها حركية وتناسقاً جميلاً، وقـوّة وتماسكاً أيضاً.
ينمُّ استغلال المساحة بتناسق وحيوية عن خبرة الخطاط في هذا الإشغال، وهذا ما يشاهده المشاهد حين يتأمّل الطريقة الإخراجية التي نفـذّها الفنان عباس في خط جملة (وما أرسلناك إلاّ)، فحرف الواو يمتدُّ بمسار اتجاهي نازل ليكون قاعدة لحروف الألف الأول والميم والالف الثاني، وحرف الراء المرفوع مكانياً كان قاعدة لحروف السين والكاف والألف، واكسب تكرار حرف الالف هذا الجزء حيوية نتجت عن خاصية التباين بين الحروف الأُفـقـية والحروف الرأسية المنتصبة، واكتملت هذه الحيوية بخطه لحرفي الألف واللام من كلمة (إلاّ ) بطريقة الالتفاف النازل والصاعد على التوالي، والمتقاطع مع حرفي اللام والألـف، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث والحركة الضمنية الوهمية.
وبالأُسلوب نفسه عالج كلمتي (رحمة للعالمين) معالجة فنية، حيث يكشف التأمل فيهما عن خاصيتي التراكب والتقاطع المتمثلة بحرف الراء في كلمة (رحمة) الذي قطع تقويسة حرف الحاء رغم أنّها وسطية، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، واستغلال هذه التقويسة لخط حرف الميم فبدت وكأنّـها جزء من حرف الحاء، وهذا ما منح مظهرها تكثيفاً وتشابكاً منسوجاً برصانة، واكتمل هذا المشهد الجميل باختيار خطَّ حرفي الميم والتاء بتقويسات ايقاعية أُفـقـية متوالية يتقاطع معها الجزء الرأسي المتكرر من حرف اللام، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وخطَّ حرف العين بتنصيل مبسوط ليصبح قاعدة لحروف اللام والميم والياء وجزء من تقويسة حرف النون المرفوع مكانياً التي يتراكب ويتقاطع حرف الألف الرأسي معها، منتجاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.
شكَّل حرفا اللام والألف بامتدادهما الرأسي مساحة محصورة بينهما استغلها الفنان عباس لتكون قاعدة ثانية لاحتواء جملة (صدق الله العظيم)، التي عالجها معالجة فنية متباينة عن معالجته للكتلة القوسية، وتمثّـلت هذه المعالجة باختيار الشكل البيضوي الوهمي لها، وكذلك خطها بقلم سُمكه يقلّ كثيراً عن سُمك القلم الذي خط به كتل الأقواس الثلاثة، كما أنَّ مساحتها صغيرة أيضاً.
هنا قد يسأل المشاهد سؤالاً:
لماذا اختار الفنان عباس هذا الموقع لخط هذه الجملة؟
للإجابة على هذا السؤال لا بُـدَّ من الإشارة الى علاقتها الدلالية الصميمية بالنص المخطوط، فهي تدل على صدق الله سبحانه وتعالى في كلِّ ما أورده في القرآن الكريم من آيات كريمة.
هنا قد يسأل المشاهد سؤالاً مكمّلاً للسؤال الأول:
لماذا عمد الفنان عباس الى التباين الحجمي والمكاني بين جملتي (بسم الله الرحمن الرحيم) و(صدق الله العظيم)؟
يبدو لي أنَّ هذا الاختيار نابع من أُمور عـدّة، أولها أنَّ البسملة تُـعـدُّ استفتاحاً للسورة الكريمة، ومدخلاً للّـوحة ثانياً، ولطلب الإجازة الخطية ثالثاً، أمّـا جملة (صدق الله العظيم) فإنّـها تدلُّ على الإغلاق بانتهاء الآيات القرآنية الكريمة عند هذه المساحة، ولكنّـها لا تمثِّـل انتهاء أو اكتمال طلب الإجازة.
استعمل الفنانون العرب خط النسخ لكتابة المصاحف والمؤلفات لكونه خطاً واضحاً ومنظّـماً، ولهذا اعتمدت المطابع عليه _ فيما بعد _ في تحرير الصحف والمجلات والنشرات الدورية، ويبدو لي أنَّ اختيار الفنان عباس لهذا الخط كان نابعاً من خبرته التي أشارت عليه بفكرة اشغال مساحة الفراغ الواقع بين الأقواس، وكذلك مساحة الشريط الكتابي الذي يقع أسفلها بكتابة دقيقة وقلم أقلّ سُمكاً من القلم الذي خطَّ به خط جلي الثلث لتبدو كلماته صغيرة الحجم، ولتحقق خاصية التضاد.
واختار نصَّ الحديث النبوي الشريف الذي دعا به الرسول (صلى الله عليه وسلّم) الله سبحانه وتعالى حين ذهب الى مدينة الطائف ماشياً، ودعا أهلها الى الإسلام ولكنهم لم يستجيبوا له، والذي يبدأ بقوله (اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي …) ليشغل مساحة الشكل البيضوي الذي ينتهي بزاوية واسعة، وهو الشكل نفسه الذي يبدو عليه نصب الجندي المجهول، فضلاً عن أنّـه الشكل الذي اتخذه النص المخطوط أيضاً.
وبما أنَّ الفنان عباس اختار التكوين السطري الخفيف المتتابع بمستوى واحد، فإنَّ القسم العلوي من هذا الشكل سيكون فراغاً، ولهذا شغله برسم مقطع صغير من زخرفة نباتية غلبَ عليها شكلها القائم، لتكون أول حالة تباين مع الكتابة السطرية الأُفـقـية للحديث النبوي الشريف.
ويلاحظ المُشاهد لهذا الشكل أنَّ الفنان عباس شغل المساحة عن طريق التوالي الخطي للكلمات دون إفراد أسطر ليمنح النص تكاملاً وقـوَّة مظهرية، كما أنَّ خصائص خط النسخ التي تتمثّل بالليونة والرشاقة والانسيابية تجلّـت في هذه الكتلة، حيث سيلاحظ عنايته بهذه الخصائص من خلال اعتماده على المد الأُفـقـي بإيقاع متكرر في الحروف التي تقع في وسط هذه الكتلة، والمتمثّـلة بحرف الباء من كلمة (ربّـه) وحرف الكاف من كلمة (إليك)، وحرف الياء من كلمة (هواني)، وحرف اللام من كلمة (الله)، وحرف الألف المقصورة من كلمة (الى)، وحرف النون من كلمة (إن)، وحرف الياء من كلمة (أُبالي).
أمّـا السطر الأخير فكان أشبه ما يكون بالإغلاق الخطي المؤقت لأنَّ الدعاء لم ينته هنا، ولكنّ التناسب
في حجمه ومساحته مع جملة (قال رسول الله صلّى الله) كان لافتاً، فحقق بذلك خاصية التوازن بينهما.
ويلاحظ المشاهد أيضاً اهتمامه بمعالجة حرف الكاف الوسطي معالجة فنية جميلة من خلال خاصية التنصيل المبسوط أُفـقـياً، والذي منح شكل الحروف تبايناً جمالياً مع الحروف المنتصبة. أمّـا حروف الألف المنفصل والمتصل والأجزاء الرأسية من حروف اللام والكاف الآخرية فلم يمنحها ترويساً التزاماً بقاعدة خط النسخ في هذا الخصوص، وكذلك التزم بخط حرفي العين والغين بشكل شبه المربع المطموس العين، وأفاد من خاصية التكرار فكرر الشكل نفسه في الشريط السطري الكتابي.
من المعروف لدى الفنانين أنَّ الفراغ في اللوحة سواء أكان بين الكلمات أو حولها إن لم يكن مقصوداً ومدروساً بعناية فإنه يُضعفها بسبب السكون الذي يوحي به، وقد يبعث على الملل في نفس المشاهد، ولهذا ابتكروا التشكيلات التزيينية لمعالجته، واضفاء الحيوية والحركية عليه، وهذه بالتالي ستمنح الشكل تماسكاً يشعر معه المشاهد بمتعة القراءة البصرية للوحة، ويتأثر بها تأثراً ايجابياً إن كان متذوقاً لفن الخط العربي، وهذا ما سيجده المشاهد لهذه اللوحة التي تجسّد عناية الفنان عباس بنشر التشكيلات التي تمثلت بالحلية أي الحركات الإعرابية مثل الضمة والفتحة والكسرة والسكون والتنوين، وكذلك علامة الشدّة، والحروف الايضاحية الصغيرة في مساحات الفراغ في هذا الجزء من هذه اللوحة، فأسهمت في منح مظهرها تماسكاً وتلاحماً.
يُـعـدُّ فن الزخرفة بنوعيه النباتي والهندسي عنصراً تشكيلياً تزيينياً، اعتمده الفنان العربي والمسلم لإشغال الفراغات البينية والمحيطية في الكتل الخطيّـة، فالنباتية منها استلهمها من الطبيعة بزهورها وأوراقها وأغصانها ناقلاً إيّـاها الى اللوحة الخطية ومعتمداً على خاصية التجريد، ومنحها شكل وحدات متكررة تتوالى لتشغل هذه الفراغات، وهذا ما يلاحظه المشاهد لهذه اللوحة حيث اعتمد الفنان عباس عليها في أكثر من موضع ، وأولها على جانبي الشريط الكتابي الذي خطَّ فيه جملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وكذلك الشريط الثاني حيث اعتمد على الوحدات الزخرفية المتكررة التي تنتظم حول مركز سيادة في الوسط وتحتويه هذه الوحدات، أمّـا المنظومة اللونية التي اعتمدها لتلوين هذا الشكل الزخرفي فقد كان اللون البني المتدرج بـ (4) درجات من الغامق الى الفاتح، واللون البني وهو لون التراب، فله صفات الأرض التي تمنح الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء والاحساس بالمسؤولية في أداء الواجبات، فضلاً عن التنظيم، من هنا يمكننا القول أنَّ اختياره لهذا اللون كان اختياراً واعياً ودقيقاً، ومرتبطاً بشعوره العميق بمسؤولية الفنان تجاه الخط العربي استمراراً وتجويداً وتجديداً، واعترافاً صريحاً بارتباطه الروحي به، وهنا قد يسأل المشاهد سؤالاً:
لماذا منح هذه الأشكال لون التراب ولم يمنحها ألوانها الطبيعية؟
للإجابة على هذا السؤال لا بُـدَّ لي من الإشارة الى أنَّ حريّـة الفنان في انتقاء منظومته اللونية تعتمد على ذائقته وخبرته ورؤيته الفنية، وكان دافع الفنان عباس في هذا الاختيار أنّ هذه الألوان هي ألوان الأصل وليس ألوان الفرع، فالأصل هو الأرض وترابها ولولاهما لما عاش الفرع أي النبات.
من ميزات الفنان المبدع الدقـة في التفاصيل، وتتجلّى هذه الصفة في هذا الجزء من اللوحة في اشتغال الفنان عباس في تظهير الخط الخارجي لهذا الشريط الكتابي والشريط الثاني أيضاً بحيث يكون جزءاً من الزخرفة، والابتعاد عن الخط المستقيم الصارم الذي يشكّل حدودهما، فامتلكت بذلك بعداً جمالياً وحيوية لافتة عبر هذا الاتصال.
يشير اللون الأخضر دلالياً الى ما تمتلكه الطبيعة من صفات لأنّـه لونها، وتتمثّـل بعض هذه الصفات بالخصوبة والاستمرارية والتجدد والطاقة والتفاؤل، ولهذا يشعر الإنسان عند تأمّـله فيه بالراحة النفسية والسلام، ولهذه الدلالات اختاره الفنان عباس لوناً لخلفية اللوحة، وفرشَ عليه مجموعة من الأشكال الزخرفية الإيرانية التي تمثّـلت بالأغصان والورود والأوراق، وأول هذه الزخارف هو الشكل الأمامي للزهرة وأوراقها التي تتباين حجماً وشكلاً عن الأشكال الزخرفية الأُخرى، وتمييزها ناتج عن موقعها المتميز أيضاً، والمتمثل في اشغال فراغ المثلث المتكوّن من التقاء وافتراق القوسين المتقابلين.
ويلاحظ المشاهد عناية الفنان عباس في اتخاذ الوحدات الزخرفية المتكررة إطاراً محيطاً بالأقواس الثلاثة، والحافتين الجانبيتين للأقواس، فأضفى هذا التأطير على مشهدها طابعاً متميزاً غنياً بالتماثل، أما بقية مساحة الخلفية فنثر عليها الأغصان وزهورها بعشوائية جميلة، لكنّـها كشفت عن خاصية التباين بين الإطار الداخلي والمساحة المحصورة بينه وبين الأقواس، والتعدد اللوني لهذه الزخرفة منحها حيوية وحرارة لافتة، وتمثّـل بالأحمر والأبيض والبني المتدرِّج، والأخضر المتدرّج.
شغل الشكل الزخرفي الجزء الأسفل من اللوحة، ونشأ من وحدات متكررة ومتموضعة على جانبي مساحة الإجازة التي تفضّل الأستاذ يوسف ذنون بكتابتها، واختار اللون الأخضر الغامق (النفطي) للأرضية التي فرش عليها الأشكال الزخرفية النباتية الايرانية، محدداً مركز سيادتها التي لوّنها باللون البني الغامق والفاتح والأخضر المتدرّج، أما الإطار الخارجي للوحة فكان تحديداً للوحة بمستطيل باللون الأبيض، يحيط به إطار ثانٍ عريض باللون البُني المتدرّج والمائل الى الأحمر، وهذا التنوّع الشكلي واللوني أسهم في منح المشاهد شعوراً برصانة اللوحة وتراص كتلها الخطية والزخرفية، وجمالية توزيعها.
وأخيراً لا بُـدَّ لي من ايراد نص الإجازة الخطية لتوثيقها:
الحمد لله خالق اللوح والقلم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم والصلاة والسلام على النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وبعد لما كان كاتب هذه الخطوط اللطيفة مَـدَّ الله في عمره وزاده علماً ومعرفة السيد عباس حسين الطائي قد حقق المستوى الطيب الذي يؤهله للحصول على الإجازة في الخطوط المختلفة لذلك أجزته بوضع اسمه تحت ما يكتب وأنا معلمه الفقير الى الله يوسف ذنون الموصلي من تلاميذ حامد الآمدي غفر الله ذنوبهم وستر عيوبهم وذلك في الموصل في أواخر جُمادى الاولى سنة 1408هجرية.





