فنون تشكيلية

صراع أزلي:قراءة في لوحة { ولادة } للفنان حامد الراشدي ✍️د . وجدان الخشاب / العراق

   في واقعه العياني المعاش يتأثر الفنان بمؤثرات عدّة تأخذ طريقها إلى خزينه الذاكراتي، لتظهر فيما بعد في نتاجه الفني، وبما أنَّ الفنان حامد الراشدي أكاديمي يتعايش مع القراءة ويعايشها فإنَّ الفلسفة لا بُدَّ لها من الظهور في نتاجه الفني بشكل أو بآخر، وهذا ما سنجده واضحًا في لوحته هذه بوصفها موضوعًا لهذه المقالة.

   يشير الناقد ا. ف. فايفلد إلى أنّ التكوين هو ربط ومزاوجة وترتيب مختلف عناصر النتاج الفني، ولهذا سنقف أولاً مع عناصر تكوين هذه اللوحة المتمثلة بـ: الأرض، 6 بيضات، السماء، الغيوم. إنَّ هذه العناصر – رغم محدوديتها – تؤشر بُعدًا فلسفيًا ربما نستطيع الكشف عنه من خلال الاشتغال في حيّز استنطاق هذه العناصر، ولنبدأ أولاً مع أرضية اللوحة، هذه الأرضية المستمدة من الادراك البصري سواء للفنان أو لغيره، فالأرض المتشققة عطشًا مشهد يمكن أن تقع عليه العين في الواقع العياني المعاش، لكنَّ الفنان هنا كان يشتغل بوعي عالٍ باتجاه منح هذه التشققات حدودًا فاصلة بخطوط سوداء تؤشر الفراغات الحاصلة جرّاء التشقق، إضافة إلى التشعبات الخفيفة المرئية داخل هذه التشققات، وهذه الخطوط أدّت دورها في تفعيل مشهد الأرض المكتسي بالخطوط المتكسرة والمتقاطعة، التي تشي بالصراع والقسوة من جهة، وبالمقاومة والتحمّل من جهة ثانية، إنّها تصارع بحثًا عن الماء الذي كان لفقدانه أثره الأساس في ظهور هذه التشققات، مما يؤشر بالتالي عدمية واضحة للحياة الطبيعية بكل أشكالها المعروفة، ورغم ذلك فهي تقاوم وتستمر بالبقاء، إنّها الأرض التي لا يمكن أن تُلغى أو تموت، وهذه الفكرة التي أراد الفنان هنا إظهارها، تبدو واضحة حين نجد أنَّه عمد إلى منح هذه الأرض اليابسة الجافة القاسية لمسات لونية خفيفة، تشتغل باتجاه تبديد قسوتها التي ستلتقطها عين المتلقي لحظة وقوعها عليها.

   هنا لا بُدَّ لنا من التساؤل: لماذا عمد الفنان إلى منح وجه الأرض لمسات لونية، ولم يترك لها لونها المغبر المائل إلى السواد، هذا اللون الذي سيكون ناتجًا طبيعيًا لشدة العطش؟

للإجابة عن هذا التساؤل لا بُدَّ لنا من الإشارة الى الدور الذي يلعبه الوعي، فالألوان إنّما هي اشارات يتركها الفنان عامدًا لمتلقيه؛ ليوحي له أنّ هذه الأرض رغم عطشها الشديد إلاّ أنّها حُبلى بكل ما هو حي، تؤشر هذه الحياة تعددية المنظومة اللونية التي أعلنت وجودها على وجه الأرض، ورغم أنّها ألوان فاتحة إلاّ أنّها شكّلت توازنًا واضحًا بين الموت عطشًا والحياة ألوانًا.

   يشير الباحث فيليب سيرنج في كتابه { الرموز في الفن _ الاديان _ الحياة } إلى أنَّ القدماء وجدوا في البيضة مبدأ للحياة، حيث كان يُعتقد في كثير من البلدان أنَّ هناك بيضة كونية، وأنَّ العالم إمّا أن يكون قد تولّد من بيضة بدئية، وإمّا أنّه يُمثّل كبيضة والأرض صغارها.

   والبيضة أيضًا رمز عرفه المصريون القدماء، حيث تسمية البيضة تُطلق على الأكفان الداخلية للمومياء رغبة في بعث وتجدد حياة الفرعون الذي يُلف بها، فالمصري القديم عندما وجد داخل البيضة قرصً ذهبيًا مثل الشمس – مصدر الحياة من وجهة نظره – احتفل بها، وعدّها رمزًا للربيع فصل تجدد الحياة.

   وهذا ما نجده أيضًا في أعياد الميلاد لدى المسيحيين، حيث يُعدّ البيض الملوّن جزءاً من الاحتفالات بوصفه رمزًا للبعث والقيامة، وعند الرومان كان البيض أفخر هدية يقدمها الآباء لأبنائهم في أعياد رأس السنة الميلادية، وهذا ما نجده في كثير من دول العالم، وفي ديننا الاسلامي تُعدُّ البيضة رمزًا للمرأة، إذًا يستثمر الفنان حامد في هذه اللوحة رمزية البيض في الذاكرة الجمعية البشرية، هذه الرمزية التي تؤشر دلالات البعث والتجدد الحياتي كما تؤشر الأمل والرجاء بالانبعاث. من هنا يمكننا القول أنَّ البيض في هذه اللوحة هو المعادل الدلالي للأرض اليابسة.

   إنَّ المتلقي حين تقع بصيرته على اللوحة للوهلة الأُولى، سيجد أنَّ الفنان اعتمد التوزيع العشوائي للبيض على أرضية متشققة، ولكنَّ التأمل فيها سيحيله إلى حالتين من التشكيل لهذه الكُتل الست:

الأُولى: أنَّ محاولة ربط هذه البيضات بخط واحد، سينتج شكلا متماثلا تقريبًا مع الأشكال التي كوّنتها التشققات الأرضية:

الثانية: أنَّ محاولة ربط كل ثلاث بيضات معًا، ستكون نتيجتها ظهور مثلثين منفصلين،

إذًا سيكون ناتج الحالة الأُولى تكرار شكلي، يحيل المتلقي إلى دلالة تشتغل باتجاه الاعلان عن أنَّ الجفاف والعطش موجودان رغم وجود رمز الحياة والتجدد والانبعاث.

أمّا ناتج الحالة الثانية فيمثل تضادًا واضحًا لرمز الرقم { 6} الذي كان يُمثَّل قديمًا بمثلثين ملتحمين، يمثلان رمزًا لاتحاد عنصري الطبيعة { الماء والنار }. وبما أنَّ الباحثين في علم الأرقام أشاروا إلى أنَّ الرقم { 6 } هو رقم العطف والانسجام والسلام، ويرمز أيضًا إلى الزواج والتجدد والارتباط بالكون، فإنَّ انفصال المثلثين في هذه الحالة سيؤكد اختلال هذه المعطيات الحياتية { الماء والنار } فالأرض عطشى لا تجد الماء، والنار { الحرارة } مفقودة لا يتدفأ بها البيض؛ ليفقس عن حياة جديدة.

   من هنا كان لا بُدَّ للفنان حامد من بعث الأمل في التجدد والاستمرار الحياتي، فوجد ضالته في منظومة الألوان التي اعتمدها للبيضات، فالبيضة الأُولى التي هي الأقرب للمتلقي تكتسي باللون الأخضر، الذي هو من الألوان الثانوية والمحمّل بدلالات الحياة والتجدد والخير والسلام والأمل، كما أنّه لون استعادة الطاقة والقوة. وبما أنّ البيضات تتخذ موضعتها مبتعدة عن مقدمة اللوحة باتجاه العمق الفراغي لها أي البُعد الثالث، فالبيضة الثانية ستكون هي البيضة الحمراء، واللون الأحمر من الألوان الأساسية والحارة، ولهذا اللون دلالاته التي هي الانفعال والعاطفة والغضب والحيوية والحركة.

    أمّا البيضة الثالثة فمنحها الفنان اللون الأبيض، الذي هو لون ناتج عن خلط الألوان بنسب متساوية، ويؤشر دلالات النور والنقاء والصدق والأخلاق. والبيضة الرابعة منحها الفنان اللون الجويتي الناتج عن خلط اللون الأزرق مع اللون الأسود بنسبة متفاوتة، لكنّه يؤكد ارتباطه بالسماء والماء، ويعبِّر عن التأمل والتفكير، والصفاء والهدوء والسكون والراحة، والبيضة الخامسة تتخذ اللون الأصفر وجودًا، هذا اللون المرتبط بالشمس والنور، ويرمز إلى الفرح والتفاؤل والحيوية وشفافية النفس، كما أنّه من الألوان الحارة لارتباطه بالضوء وألوان النار التي هي مصدر الحرارة، ليعود مرة ثانية إلى اللون الأبيض الذي منحه للبيضة السادسة.

   يوشِّر اعتماد الفنان على هذه الألوان وعيًا عاليًا بضرورة توليد التباين اللوني: فالأخضر والأحمر وكذلك الجويتي والأصفر ألوان متكاملة ومتقابلة في الدائرة اللونية، وهذا التباين سيخلق حركية وحيوية للوحة ويبعدها عن الجمود، فضلا عن أنّ دلالاتها تجمع كل المؤشرات التي تحوِّل البيضة إلى رمز للإنسان بصفاته وانفعالاته وصراعه الوجودي في هذا الكون.

   تمنح الكتلة للأشكال صلابتها، كما تمنحها وجودًا متميزًا عن العالم الذي تنتجه اللوحة، من هنا نؤشر حضور كتلة الأرض، هذا الحضور المتميز الذي اتخذ موضعته ليشكِّل ثلاثة أرباع حجم اللوحة تقريبًا، فالأرض مكان العيش والاستقرار، والبيضة رمز الحياة المتجددة، من هنا نؤشر الترابط العميق بينهما، ولكنَّ كتلة الأرض بصلابتها تكشف حضورًا شكليًا متضادًا مع الشكل البيضوي للبيضة الذي يتصف بالنعومة والأُنوثة، ولهذا نجد الفنان منح البيضة شكلها البيضوي الطبيعي أولا، والقيمة اللونية المشرقة ثانيًا، والملمس الناعم ثالثًا، ولكن السؤال الذي لا بُدَّ أن يُسأل هنا: لماذا جعل الفنان البيضة تتخذ موضعة عمودية، وليست أُفقية كما في الواقع العياني ؟

والجواب يشير إلى أنَّ الموضعة الأُفقية توحي بالاستقرار والسكون والراحة والموت، أمّا الموضعة العمودية فتؤشر دلالة القوة والنهوض والحركة بعيدًا عن الاستقرارية الأُفقية الرتيبة.

إذاً البيضة تحمل دلالتين متضادتين هما: النعومة والقوة في الآن ذاته، النعومة المتمثلة بشكلها وملمسها واشراقة ألوانها، والقوة بدلالة التموضع العمودي أولاً، وتكرارية الوجود ثانيًا ودلالات ألوانها ثالثًا.

   في هذه اللوحة تُشكِّل الأرض والبيض ثنائية ضدية مع مُكوِّن الربع الأعلى، حيث تتموضع السماء والغيوم، فلا يمكن في الواقع العياني أن توجد أرض بلا سماء بوصفهما مُكوِّنان وجوديان، ولكن الغيوم بعيدة جدًا رغم أنَّها مُحمَّلة بالماء، إلاّ أنّها لم تمطر ولم تسقِ الأرض التي تشققت بفعل العطش المزمن الذي أصابها، وهذا ما يؤشر مستوى صراعيًا مضافًا إلى ما سبق، فالأرض تعيش صراعها طلبًا للماء، والبيضة تعاني صراعها طلباً للدفء والحياة، والشمس تشرق خجلى وتصارع هي الأُخرى، لتؤدي دور المانح للدفء إلاّ أنَّ الغيم يكاد يحجب الدفء الذي تبثه اشعاعاتها المحدودة، من هنا يبدو لي ضرورة التوقف لقراءة الضوء والظل في هذه اللوحة بوصفهما عنصرين من عناصر اللوحة الفنية بشكل عام.

   أشارت الديانات والفلسفات إلى ما يحمله الضوء الظلام، أو النهار والليل من قيمة رمزية للصراع ما بين الخير والشر، ولهذا أكّدت طروحات الفلاسفة قديمًا وحديثًا إلى الترابط الحاصل ما بين النور ودلالات الصدق والخير والقيم النبيلة والحياة المتجددة، وبالمقابل أكّدت هذه الطروحات أنَّ الظلام إنّما يترابط مع الشر والخوف والقلق والموت، من هنا كان للفن انطلاقته في الافادة من هذه الطروحات في النتاجات الفنية؛ لما تحويه من رمزية عالية يبثّها الفنان تاركًا للمتلقي متعة اكتشافها عبر الإضاءة والظل الذي يتحقق من خلال الألوان.

   في هذه اللوحة اختار الفنان أن يكون مصدر الإضاءة الشمسية ساقطًا من الجهة اليمنى العليا للوحة، بدليل مناطق الإضاءة والإظلام الواضحة على كل بيضة، وكذلك سقوط الظل على الأرض من الجهة اليسرى الجنوبية، فإذا كان مصدر الضوء جانبيًا فسيكون حجم الظل أكبر من حجم الكتلة المضاءة، وهذا ما نجده بوضوح في حجم ظل البيض الساقط على الأرض بسبب الإضاءة الجانبية.

   وتؤشر الإضاءة على الأرض وجودها في مساحة صغيرة قياسًا إلى حجم اللوحة، فبدت التشققات واضحة المعالم؛ لأنّها قريبة من مقدمة اللوحة، ولكنّها تبدأ في التلاشي كلّما تقدمنا إلى العمق؛ لأنَّ البعد الثالث سيؤدي دوره فتظهر الكتل بدون تفصيلات واضحة وهذا ما نجد له تطبيقًا في تشبيح الفنان للأرض وقلّة تفصيلاتها كلما ابتعدنا عن مساقط الضوء، ولهذا نجد أنَّ الضوء والظل يعيشان صراعهما من أجل الظهور، هذا الظهور الذي يؤشر ايجابية الضوء، وبالمقابل يؤشر سلبية الظل.

   آن لنا إذًا أن نقول أنّ هذه اللوحة أوقفتنا في ضوء يكشف عن الصراع ما بين الموت والحياة، الوجود أو اللا وجود، والأمل الذي لا يحقُ للحياة أن تفقده، هذا الأمل الذي اشتغل الفنان باتجاه تذكيرنا به من خلال رمزية البيض وتمسكه بالحياة وقوفًا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading