حقيقة البشر بين الاختبار والانكشاف – هشام فرجي
نعيش في هذه الحياة محاطين بأشخاص نظن أننا نعرفهم جيدا، نصاحبهم لسنوات طويلة، نبني معهم علاقات قائمة على الثقة والمودة، ونشاركهم أفراحنا وأحزاننا. لكن فجأة، قد نجد أنفسنا أمام صدمة حقيقية، حين تنكشف لنا معادنهم الحقيقية في لحظة اختبار، فنراهم بوجوه مختلفة تماما، لم نكن نتوقعها. حينها ندرك أن الله أراد أن يرفع عن أعيننا الحجاب، وأن يخلصنا من صحبتهم، ويقينا شرهم الذي كنا نجهله.
في علم النفس، يقال إن الأزمات هي المرآة الحقيقية للشخصية. فحين تسير الأمور بسلاسة، يمكن لأي شخص أن يظهر بمظهر الطيبة والاحترام، لكن عند أول اختبار حقيقي، تتجلى الطبائع الحقيقية. قد يظهر البعض وفاء وإخلاصا، بينما يسقط آخرون في مستنقع الغدر والخداع. وهذه الظاهرة تفسرها التربية والقيم الأخلاقية التي نشأ عليها الإنسان، حيث تؤثر تنشئته ومعتقداته في طريقة تعامله مع الآخرين.
من المنظور التربوي، فإن بناء الشخصية السوية يبدأ منذ الطفولة، حيث يغرس في الإنسان حب الخير، والأمانة، والصدق، والإحسان إلى الغير. لكن بعض الأفراد، رغم المظاهر التي يظهرون بها، يخفون في داخلهم خللا أخلاقيا تربويا، ينكشف عند أول موقف جاد. فالشخص الذي لم يرب على مبادئ الصدق والوفاء، لن يستطيع أن يصمد أمام مغريات الدنيا، وسيسقط سريعا عند أول فرصة لتحقيق مصلحته الشخصية على حساب الآخرين.
من الناحية الدينية، نجد أن الإسلام تحدث عن هذه الظاهرة بوضوح، حيث قال الله تعالى: “أَمْ حَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” (العنكبوت: 2). فالاختبارات جزء من سنن الحياة، وهي التي تميز الصادق من المدعي، والصالح من الفاسد. وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الناس معادن، كما في قوله: “الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا” (رواه مسلم). وهذا يعني أن الأصل في البشر يظل ثابتا، لكن الظروف هي التي تزيل الغبار عن حقيقة النفوس.
قد نشعر بالألم عندما نكتشف أن من وثقنا بهم لم يكونوا أهلا لذلك، لكن الحقيقة أن الله يختار لنا الخير دائما، حتى وإن كان ذلك على هيئة خيبات أمل. فالخذلان ليس النهاية، بل هو بداية جديدة نحو علاقات أكثر صدقا، ووعي أعمق بمن يستحق أن يكون قريبا منا. علينا أن نتعلم من تجاربنا، وألا نندم على رحيل من لم يكن جديرا بالبقاء، فالله يخرجهم من حياتنا رحمة بنا، ليجعل مكانهم من هم أكثر صدقا ونقاء.
لكي لا نقع ضحية لصدمة انكشاف النفوس، علينا أن نكون أكثر وعيا في اختيار من نثق بهم، وألا نغتر بالمظاهر. كما ينبغي أن نعتمد على القيم الأخلاقية والدينية كمرجعية في الحكم على الأشخاص، لا على المشاعر وحدها. فالحياة مدرسة، وأهم دروسها أن نحسن الاختيار، وأن نؤمن بأن كل خذلان هو في الحقيقة حماية من الله، وكل اختبار هو فرصة لتمييز الصادق من المخادع.
فلنتعلم أن لا نحزن على من خذلنا، بل لنشكر الله لأنه كشف لنا حقيقتهم قبل فوات الأوان.






