مقالات نقدية

الغياب كذات شعرية: دراسة تحليلية في قصيدة “لم أكن جسداً تماماً” لليلى عيد

في عالم مشبع بالافتقاد، تتسلّل قصيدة ليلى عيد كأنينٍ خافت، يمشي على أطراف اللغة، حاملاً معه كل ما يمكن أن يقال عن الغياب، والفقد، والتلاشي، والهوية الشاردة. هذا النص لا يُقرأ كبيان شعري فقط، بل كوثيقة وجودية، ذات نَفَسٍ تأملي، تحتشد فيه الصور الرمزية، والإيقاعات الداخلية، والنداءات البكماء، لتُعيد ترتيب العلاقة بين اللغة والشعور، بين الجسد والروح، بين الاسم واللااسم.

ففي سياق المنهج الأسلوبي نجد  بلاغة الانكسار وجماليات النفي،

حيث افتتحت الشاعرة بقولها: “لم أكن جسداً تماماً

كنتُ تعويذة تمشي”.

هذه الجملة الشعرية الأولى تحمل بُعداً نفياً مزدوجاً: “لم أكن” ثم “تماماً”. النفي هنا ليس لغوياً بقدر ما هو أنطولوجي، إذ تفتتح الشاعرة قصيدتها من موضع الهشاشة الوجودية، نافيةً الجسد بوصفه هويةً مكتملة، لتعوضه بما هو غائم، هارب، روحي: “تعويذة تمشي”. التعويذة هي كينونة رمزية، تُستدعى لشفاء، لإنقاذ، لمجهول، وهي ليست ذاتاً مستقرة، بل كائن وظيفي-شعائري.

هذه الجمالية الأسلوبية تظهر في التحوّل من المحسوس إلى المجرّد، ومن المادة إلى الرمز، ويُلحظ حضور الجُمل الاسمية المكثف، مما يُضفي على النص حالة من السكون العميق، المشبع بالحزن والتأمل.

كما نرى استخداماً واعياً للتكرار كأداة أسلوبية موحية، تقول الشاعرة ليلى عيد :  “كلّ الذين أحببتهم

غابوا كأنّهم موعدٌ في حلم”.

التكرار هنا لا يولّد مجرد إيقاع، بل يعيد تثبيت الخذلان الكوني الذي تعانيه الشاعرة ليلى عيد . التراكيب تميل إلى الانزياح البلاغي، معتمدة على التلميح أكثر من التصريح، وهو ما يجعل القصيدة متعددة القراءات والتأويلات.

في مجال المنهج الرمزي – وبنيان اللغة وماهيتها ككفن يتقن البوح.

فوجدنا أنّ  القصيدةتمتلئ برموز غنية ، بخاصة تعبير “تعويذة”، هنا تشير إلى الذات الهاربة من المحدودية الجسدية، الحاملة لأثر سحري غامض ،تقول الشاعرة عيد :  “موعد في حلم”: يُجسد العلاقات العاطفية كأحداث زمنية غير واقعية.

“الظلّ الطويل”: حضور الغائب في هيئة لا يمكن لمسها.

“جَرّة الحبق”: الأثر المادي لما تبقى من الذاكرة.

“طائر من فمي”: إمكان التجدد رغم الانكسار.

كل هذه الرموز تعمل على إعادة تشكيل العلاقة بين الموت والحياة، بين اللغة والصمت، بين الحنين والنسيان، تقول :  “أرتب رمادي في جَرّة الحبق

وانتظر

ربما ينبت طائر من فمي.”

هذه الصورة تكثّف بذكاء شعرية التحول: الرماد، أي ما تبقى من الذات المحترقة، يُوضع في “جرة الحبق”، وهو نبات الحياة، وتُسند إليه أمنية “إنبات طائر”، أي صوت جديد، حياة جديدة، من الحطام. إنها استعادة لأسطورة الفينيق، ولكن على هيئة أنثى تنتظر نطقها من بين أنقاضها.

لقد سحبتنا الشاعرة ليلى عيد إلى المنهج النفسي للبحث عن  الذات الهاربة من ملامحها.

 فالقصيدة تحمل  بُعداً سيكولوجيًا عميقاً، يتمثل في الذات التي تعاني من الانفصال عن “جسدها”، ومن “فقد الاسم”، ومن “انتظار شيء لا يأتي”. هذه مؤشرات على اضطراب في الهوية، كما لو أن الشاعرة  ليلى عيد تعيش حالة “أنيميا وجودية”، يتمثل فيها كل شيء بالمفارقة، تقول : 

 “أخبيء وجهي في جيب الليل

يشبه الفجر حين يشيخ” .

تلك الصورة المركّبة تُعيد صياغة تجربة الانكفاء الذاتي، حيث الوجه لا يُرى، يُخبأ، والليل يُجعل ملاذاً. أما الفجر – عادة رمز النور – فقد أصبح يشيخ. هذه الصور تكشف عن خوف عميق من البدايات، من الضوء، من الانكشاف.

من زاوية علم النفس اليونغية_ كارل غوستاف يونغ_ ، يمكن القول إن القصيدة تعبّر عن غوص الذات في الظلّ النفسي ، واختبارها لغربة داخلية متعاظمة، حيث لا وجود لـ”أنا” متماسكة، بل هناك تفتت بين الاسم، والجسد، والصوت، والذكريات.

في سياق المنهج الهيرمينوطيقي وجدنا أنفسنا نبحث بشكلِ غير مسبوق عن تأويل الذات عبر النص.

فالقصيدة ليست فقط نصاً شعرياً ،بل نصّاً تأويلياً للوجود. الذات هنا تُعاد قراءتها من خلال أطياف الآخرين، من خلال لحظات الغياب، ومن خلال صوت الأم، وأغنيات فيروز، وكلها رموز جمعية تشير إلى الهوية الثقافية والوجدانية، تقول الشاعرةليلى عيد: 

 “لا تسألوا عن اسمي

نسيته عند آخر وداع”.

هذا النسيان للاسم هو تفكك الهوية اللسانية. الاسم بوصفه تعريفاً اجتماعياً، يتلاشى عند لحظة وداع، وكأن كل فراق يُلغينا، يُبعدنا عن أنفسنا، ويعيدنا إلى حالة “هواء” نمر به مروراً عابراً، لذا فقد قالت: “أعبر بينكم كهواء

غادرتُ كنجم أخير

وأغنيات فيروز…”

هنا يصل النص إلى ذروة الاحتشاد كونه يغرق بالرمزي- الهيرمينوطيقي: “الهواء”، “النجم الأخير”، و”فيروز”. كلها رموز للفناء الجمالي، للفقد الهادئ، للمرور النبيل في العالم.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد  ، فقد ازدان النص بالإيقاع الداخلي والموسيقى النفسية،

 لأنّ  الشاعرة استندت  إلى إيقاع داخلي رقيق، نابع من التكرار، ومن توزيع الأصوات الحروفية. نلاحظ تكرار الأصوات الساكنة (ك، ر، ن) التي تمنح النص خشوعاً وجواً من التأمل. أما الموسيقى النفسية فهي أقوى من الموسيقى العروضية، إذ ينبع اللحن من تناوب الصور والانفعالات والفراغات.

خاتمة: ليلى عيد: كتابة الذات الهاربة كنوع من المقاومة الوجودية.

قصيدة “لم أكن جسداً تماماً” هي تأمل في الغياب بوصفه طريقة للحضور، وفي التلاشي كهوية شعرية. تقدم لنا الشاعرة ذاتاً لا تكتمل، لكنها تكتب، تنسج لغتها من الرماد، وتنتظر “طائرًا من فمها”. إنها قصيدة في جماليات الانكسار، وسحر التواري، وفلسفة الذات التي لا تُعرّف بالاسم بل بالمرور العميق في العالم.

بهذا المعنى، القصيدة ليست مرثية، بل بيانٌ شعري فلسفي لذات تعيد صياغة علاقتها بالهوية، بالحب، بالزمن، وباللغة.

نص القصيدة:

لم أكن جسداً تماماً

كنتُ تعويذة تمشي

وأمنياتٍ تعثّرت على أبواب العشّاق

كلّ الذين أحببتهم

غابوا كأنّهم موعدٌ في حلم

لم يتركوا سوى الظلّ الطويل

يجرّ أنينه على لغة منطفئة. 

الرحيل لا يلوّح بغير شهقة

وميض في العيون

دمع يابس

صوت امي عندما سافرت

أرتب رمادي في جَرّة الحبق

وانتظر

ربما ينبت طائر من فمي. 

عالقة في غفوة الضوء

انادي من أحبّ بصمتٍ يوقظ الذاكرة

اخبيء وجهي في جيب الليل

يشبه الفجر حين يشيخ

لا تسألوا عن اسمي

نسيته عند آخر وداع

أعبر بينكم كهواء

غادرتُ كنجم أخير

وأغنيات فيروز…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading