الشعر العربي على حافة الذكاء الاصطناعي – خديجة السعيدي – المغرب

مقدمة يعيش الشعر العربي، في عصرنا الراهن – حسب الباحث سعيد يقطين – “أزمة تواصل”، ناجمة عن تراجع “مقومات التعبير الحقيقي” (يقطين، من النص إلى النص المترابط، ص 211 -212). ومن هنا جاءت دعوته لشعر تفاعلي، يجد أصوله في القصيدة العربية الشفهية القديمة، حيث “يمكن للقصيدة العربية أن تتطور إذا ما تكاملت أبعادها ولم يتم فيها تغييب الأبعاد الأخرى، وعملت من جهة أخرى على الاستفادة مما تتيحه لها الوسائط المتفاعلة، من إمكانيات صورية وبصرية وصوتية” (نفسه، ص 225). ستحاول هذه المداخلة إضاءة بعض الجوانب المرتبطة بالشعر الرقمي في علاقته بالذكاء الاصطناعي. واستجلاء خصائص هذا الشعر، والإشكاليات التي يطرحها على مستوى التلقي، وعلى مستوى قدرة الأدب الرقمي عموما على الحفاظ على العاطفة الإنسانية باعتبارها قوام الشعر، وسط الهيمنة الآلية، والاستعمال المفرط للذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتلقي. 1- في معنى الذكاء الاصطناعي. يمثل “الذكاء الفطري القدراتِ العقليةَ الطبيعيةَ التي يمتلكها الإنسان بشكل طبيعي، ويعتمد على التجارب والتفاعل مع البيئة لتطوير مهاراتٍ مثل الذاكرة والتحليل والإبداع” (مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، مواكبة الذكاء الاصطناعي في تعزيز جودة الحياة). بينما يعتمد الذكاء الاصطناعي على خوارزمياتٍ مرجعُها ما خزّنه الإنسان في ذاكرة الآلة وما برمجها عليه لتنتج منتوجا ما. والذكاء الاصطناعي بذلك هو “ميدان المعلومات المتطورة الذي حل بعض المشاكل على أساس محاكاة الذكاء البشري” (المعجم الموحد، لمصطلحات تقانة (تكنولوجيا) المعلومات، ص 12). وهو ” أحد مجالات علوم الحاسب يهدف إلى إنشاء أنظمة يمكنها تنفيذ المهام التي تحتاج عادةً إلى الإدراك البشري، مثل التعلّم وصنع القرار والتطوير الذاتي، ويُشار إليه غالباً باسم “ذكاء الآلة”. (المعجم العربي للذكاء الاصطناعي). هكذا نقف بين ذكاء الإنسان وذكاء الآلة التي ابتكرها وطورها ثم أصبح يخاف منها وهو أمام كمّ هائل من المستجدات التقنية وتطور سريع للذكاء الاصطناعي الذي حوّل الخيال الى حقيقة ثابتة أو كما قيل حوّل”الخيال العلمي إلى علم”. وقد أكدت إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها باحثون من جامعة أوكسفورد البريطانية أن الذكاء الاصطناعي يحسِّن قدراتِه بسرعة، ويثبت ذاتَه على نحو متزايد في المجالات التي يسيطر عليها الإنسان تاريخيًّا، “وهناك احتمال بنسبة 50% بأن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري في جميع المجالات في غضون 45 عامًا، كما من المتوقع أن يكون قادرًا على تولي كافة الوظائف البشرية في غضون 120 عامًا” (جامعة المستقبل، الذكاء الاصطناعي يتفوق على البشر). ولا تَستبعدُ نتائجُ الدراسة أن يحدث ذلك قبل هذا التاريخ. ووفق الدراسة، يتوقع كثيرٌ من الخبراء أنه في غضون قرن من الزمان سيكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على فعل أي شيء يمكن للإنسان القيام به. هذا التطور المهول في مجال التقنية استطاع أن يكتسح المجالات كلها. وفيما يَعتقد الخبراء أن “الذكاء الاصطناعي ربما يحل محل العامل البشري في جميع المجالات على المدى البعيد”، يرى جيورجيس ياناكاكيس الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي بجامعة مالطا- أن “معظم جوانب تلك الدراسة ركزت على النواحي الإدراكية من الذكاء، التي تتناسب مع أداء مهام محددة تحديدًا جيدًا، ولكن هناك جوانب أخرى من الذكاء، مثل الذكاء الانفعالي، تتجاوز عملية الإدراك” (نفسه). وعلى جانب آخر، حذّر الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل إيريك شميت من التطور السريع لأنظمة الذكاء الاصطناعي قائلا: إن هذه الأنظمة إذا وصلت لمرحلة يمكنها فيها تطوير وتحسين نفسها تلقائيا، عندها ينبغي أن يتمّ فصلها والاستغناء عنها” (نفسه). 2- الشعر الرقمي وتحولات الأدب لقد خرق الذكاء الاصطناعي اليوم مجالات كنا نظن أنها عصيةً على غير البشر، وكنا نظن أنها محميةً من سطوة هذا الوافد الجديد وخاصة مجال الأدب والشعر الذي لا يتمّ إلا بالعاطفة الانسانية. وتبلور فيما بات يعرف بالأدب الرقمي، والذي تندرج ضمنه القصيدة الرقمية؟ فما هي القصيدة الرقمية؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطور جماليات الشعر، ويعوّضَ الشاعرُ الروبوتُ الشاعرَ الانسان؟ تعود أولى القصائد الشعرية الرقمية حسب فيلمان، إلى منتصف السبعينيات في كندا ومنتصف الثمانينيات (1986) في فرنسا (VUILLEMIN,1999. p. 55)؛ ويذهب الباحث محمد أسليم إلى أن إرهاصات الأدب الرقمي – بما يشتمل عليه من تعدد الوسائل اللغوية وغير اللغوية، يتود إلى “كبريات النظريات النقدية للقرن العشرين: (تعدد الأصوات، التناص، النص الشبكة، التفكيك، الخ.) ومفهوم النص ما بعد الحداثي المنحدر من اللقاء بين اللسانيات والماركسية والفرويدية، من جهة، وإلى هموم توثيقية مكتبية (فانيفار بوش، وبول أوتليه، تيد نلسون) وحلم إنشاء مكتبة عالمية (بورخيص وقصته «مكتبة بابل»، من جهة ثانية، وإلى تشكي الأدباء من الخطية بما جعل بعضهم يُصدر أعمالا تخرق هذه الخطية قبل ظهور الأنترنت بوقت طويل، من جهة أخيرة” (أسليم، الرقمية وإعادة تشكيل الحقل الأدبي). تندرج القصيدة الرقمية ضمن الأدب الرقمي بمفهومه العام، الذي ينبني على النص المترابط hypertexte، وهو “النص الذي نجم عن استخدام الحاسوب وبرمجياته المتطورة، التي تمكن من إنتاج “النص”، وتبقيه بكيفية تُبنى على “الربط” بيم بنيات النص الداخلية، والخارجية” (يقطين، من النص إلى النص المترابط، 2005، ص 9). على أن القصيدة الرقمية والأدب الرقمي عموما، لا يمكن اختزالها في التعريف السطحي، الذي يعني توظيف التقنية وعرض النصوص وقراءتها على شاشات الحاسوب، بل هي نص مركب ومعقد، بحيث لا يمكن استبدالها بالورقي، بالنظر إلى أنها لا يمكن عرضها إلا رقميا، وهذا الذي يعطيها خاصيته القائمة على التفاعلية Interactivité، والترابطي النصي، Interactivité، وتعدد الوسائط النصيةMultimédia textuel، حيث تتفاعل اللغة المكتوبة والصور والحركات والأصوات…. إلخ. (Amar gherbaoui, 2003, p. 1-9). وبهذا غدت صفة الرقمية ملازمة لعناصر التواصل الأدبي، حيث المؤلف الرقمي، الجامع بين الثقافة الأدبية وثقافة المعلوميات، والتقنيات الرقمية، وحيث القارئ الرقمي، القادر على أن يتحول من قارئ إلى كاتب يعدل النص باستمرار، باعتباره “مؤلفا – مشاركا في عملية تحقق النص”، وحيث النص الرقمي المتغير، الذي يجمع بين الأنظمة اللغوية، والأنظمة غير اللغوية/ المسموعة، والمرئية… (كرام زهور، الأدب الرقمي، ص 34-51). 3- كيف للذكاء الاصطناعي أن يتفاعل بما يخدم الشعر والقصيدة؟ بدأ هاجس التخوف من الآلة منذ الخمسينات من القرن الماضي حين أصدر فيان بوريس كتابَه: “الإنسان الآلي الشاعر، وهو عبارة عن آلة قادرة على إبداع الشعر، هذه الصورة ستسكن المتخيل الجماعي لوقت طويل، وهي ترمز إلى ريبة شديدة تجاه الأدب الرقمي” (بوطز، الأدب الرقمي، ضمن مجلة علامات العدد 35، ص 102). وقد اعتُبِر ذلك ضربا من الخيال ومبالغة كبيرة، رغم أن التقنية كانت في بداياتها الأولى ولم تكن واسعة الاستعمال ولا متطورة للدرجة التي أصبحت عليها في عصرنا الراهن، لكننا اليوم أمام تقنية مبهرة لم تعد مجرد وسائل تقنية بل ذكاءً حقيقيا متكامل العناصر، وقد أصبح فعلا مخيفا بالنظر لما يقدمه من منتجات مذهلة، ونحن أصبحنا فعلا نخاف من الشاعر الروبوت على الشعور الإنساني، نخاف أن يخترق العاطفةَ الانسانيةَ والإحساسَ البشري، فهل حقا يمكن أن يتحقق ذلك؟ إن الثورة التقنية العظيمة التي نعيشها راهنا، والتطور الهائل ودائم التزايد والتصاعد في مجال التكنولوجيا قد اكتسح كل مناحي الحياة وأصاب المرء بنوع من الذهول وهو يحاول مسايرته. وخاصة حين جاء الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة ليشكل طفرة كبرى وانعطافا مهولا في مجال التقنية، “وهو ذكاء يهتم بتطوير أنظمة تكنولوجية قادرة على محاكاة القدرات الذهنية البشرية، وتنفيذ المهام التي تتطلب ذكاءً وتفكيرا عاليين”. (الديهاجي، الذكاء الاصطناعي والشعر… أية علاقة؟). وإذا كانت اللغة العربية التي يمتد تاريخها لآلاف السنوات والشعر العربي الذي يتجاوز تاريخه قرونا عديدة، قد انتقلا من الشفهي الى المكتوب على صفحات ورقية ثم الى صفحات ضوئية فإن هذا يعد طورا تكنلوجيا يهمّ بالأساس التخزين والتدوين وتسهيل الوصول الى المعلومة، أما من حيث الابتكار والابداع فلا يزال الأمر عصيا على غير الذكاء الفطري والعاطفة الإنسانية. علينا أن ننطلق من أن الغرائب في لغتنا تتجاوز القواعد المتبعة، هي لغة مرنة وأوسع من أن يحاط بها في برنامج أو برامج للذكاء الاصطناعي. هذه البرامج التي تقوم على إدخال المعلومات من خلال تقنيات معينة إنما تعطينا المخرجات التي وضعها أصحابها بالأساس ولا تقدم الا ما تعلمته فقط وتستجيب لأوامر خالقها بشكل آلي، ولا يمكن إسقاط هذه التفاصيل بجملتها ورمتها على الشعر العربي لأن الشعر العربي له قواعد مختلفة وتفاصيل واسعة ومتشعبة قد تعجز البشر فكيف بالآلة. إن اللغة العربية لغة عظيمة باشتقاقاتها وبنحوتها الأصلية، وللشعر بحور وزحافات وعلل تصعب على الشاعر نفسه فكيف بالتقنية؟ ولا يشكل الذكاء الاصطناعي حتى الآن تهديدا على الابداع الشعري العربي لأن لغة برامج الذكاء الاصطناعي مبرمجة باللغات الغربية، أي لغات صانعي هذه التقنيات لكنها لم ترد بالعربية ولم تقدم الا نصوصا ركيكة بلغة متفككة لا يمكنها أن تضاهي القصائد العربية الحقيقة. وعلى الرغم من أن الشعر العربي يحاول أن يتعايش مع التقنية الحديثة ويمتثل خوارزمياتها حتى يتمكن من التأقلم والانتشار على أوسع قدر، وعلى الرغم من أن الكثير من محبي الشعر ومبدعيه يقومون بنشر نتاجهم وتعلم اللغة والشعر عن بعد والاشتغال على المعاجم الالكترونية مما طور أساليب الكثير منهم، على مستوى التدوين والحفظ والتحليل… إلخ؛ إلا أن الابداع الشعري العربي هو إبداع بشري بحت، فلا يمكن أن تتخيل آلة تقول: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل** بسقط اللوى بين الدخول وحومل. هذه المشاعر لا يمكن أن تترجمها الالة لأنها مشاعر إنسانية يترجمها الابداع البشري في أبهى تجلياته الإنسانية. والإبداع الشعري بكل مقوماته يستعصي على الآلة لأنها تفتقد الركيزة الأساس وهو الشعور والعاطفة الإنسانية التي لا يمكنها بأي حال اختراقها والنهل من معينها مهما وصل تطورها. 4 – تلقي الشعر بين الإبداع البشري والإبداع الاصطناعي. عندما ظهرت نظرية التلقي منذ سبعينيات القرن الماضي، وتطورت مع ياوس وإيزر، وغيرهما، كان التلقي، مقصورا على ذوات إنسانية، فردية أو جماعية، قراء متخصصين، أو قراء ينتمون للعامة. كان الغرض هو توجيه الاهتمام للقارئ والمتلقي، بدل المبدع أو النص ذاته. لكن مع التطور الرقمي تغير شكل التلقي بشكل جذري، فقد غيرت القصيدة عادات القراءة والكتابة بمفهومهما التقليدية، إن الأمر لم يعد يتعلق بتحقق كفايات قرائية تكتفي بالفهم والتحليل والاستنباط بل بات من اللازم إتقان الكفايات الرقمية، وحسن توظيف التقنيات الحديثة، من أجل تحقيق قراءة منسجمة فعالة، لا تكتفي بما يقول النص، بل تضيف إليه عبر هذه التقنيات ما يحقق قراءة تفاعلية، هي وليدة حوار بين النص والمتلقي، في عالم افتراضي، بدون خصائص مادية تابتة، في كتابة سائلة /متدفقة، بدون كتاب وبدون ورق وبدو صفحات، وبدون مؤلِّف ، وهنا تغدو العلاقات القرائية مركبة، بين الآلة، والبنية اللغوية، والبرامج الرقمية، وطريقة توظيفها في نسيج النص الرقمي (Raymound, 1993 , p78). لا غرابة أن يذهب الباحث روساتي إلى أن فهم الأدب الرقمي وتحليله يتطلب الإلمام العميق بالمواضع Tpoi والأفكار التي شكلت ثقافتنا المعاصرة، منذ تبلور تاريخ الأفكار l’histoire des idées إلى اليوم (Rosati, 2015, p. 11). ولعل من أبرز سلبيات الأدب الرقمي، تعدد الوجوه الذي يجعل النص أمام صور لا محدودة نتيجة تدخل القراء المتفاعلين مع النص، والتعديلات اللامتناهية التي يمكن أن يخضع لها وبهذا زالت سطوة المؤلف (أسليم، الرقمية وإعادة تشكيل الحقل الأدبي، https://www.aslim.org/?p=1612). لقد تمت برمجة تقنيات الذكاء الاصطناعي باللغات الغربية أي لغات صانعي هذه التقنيات، وهذا يسر أمر الابداع ليجعله أفضل حالا وأجود مما ينتجه باللغة العربية. وقد أكدت ذلك الكثير من الدراسات حول القصائد التي يبدعها الذكاء الاصطناعي باللغة الإنجليزية مثلا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك واعتبرت أن الشعر الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي أفضل بكثير من الذي ينتجه الشاعر البشري. “وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فقد أجريت الدراسة بواسطة باحثين من جامعة بيتسبورغ وشملت عددا من المشاركين الذين عرضت عليهم قصائد كتبها عشرة شعراء مشهورين باللغة الإنجليزية، إلى جانب قصائد تم إنشاؤها بواسطة برنامج شات جي بي تي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ووجدت الدراسة أن المشاركين صنّفوا القصائد التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي أعلى من حيث الجودة الإجمالية من القصائد التي كتبها البشر” (جريدة الشرق الأوسط، الذكاء الاصطناعي يكتب أفضل من البشر؟) ولعل السبب وراء هذا الرأي يكمن في كون المتلقي لم يكن متخصصا بالشعر ولا خبيرا به وبتطوراته وخصائصه الفنية، إنما هو قارئ عاد يبحث عن النص الذي يفهمه بسهولة ويسر وتكون لغته بسيطة مباشرة، لأن التعابير المجازية والانزياحات غالبا ما تتطلب جهدا ذهنيا ورصيدا لغويا وفنيا أكبر لاقتحام عالمها. وفي هذا المعنى صرحت الشاعرة جويل تايلور، الحائزة على جائزة تي إس إليوت للشعر ردا على نتائج هذه الدراسة: “بينما ليس لدي أدنى شك في أن الذكاء الاصطناعي يمكنه توليد الشعر بواسطة خوارزمياته لكن الإنسانية هي جوهر الشعر، والقصيدة ليست مجرد خوارزمية… إنها معنى وعاطفة وأفكار ومنطق” (عن صحيفة الشرق الأوسط، مقال: الذكاء الاصطناعي يكتب قصائد أفضل من البشر). أما في الساحة التداولية العربية، فقد اختلف تلقي هذا الشعر كثيرا، بالنظر إلى صعوبة إنتاج قصيدة شعرية عربية مكتملة العناصر بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد لفت أستاذُ النقد والأدب، طامي الشمراني، إلى أن “الذكاء الاصطناعي لا يمكنه البتة كتابة الشعر، لأنّ الشعر يحتاج إلى أسلوبٍ خاص وتعبيرٍ عن عاطفة الكاتب، فالشعر هو نظام إبداعي وليس نظاماً حسابيا قائما على الرياضيات” (هل يمكن لبرامج الذكاء الصناعي كتابة الشعر العربي العاطفي، موقع العربية السعودية). وهذا راجع إلى أن عناصر الكتابة الشعرية تتمثل في الأسلوب الذي يميز شاعرا عن آخر، والعاطفة التي هي مواقف ذاتية ومواقف اجتماعية. فمثلا حين وقف امرؤ القيس واستوقف خليليه على الاطلال كانت لحظة تفجير عاطفي آنية هيجت الذكرى: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل **بسقط اللوى بين الدخول فحومل وترتكز الكتابة الشعرية أيضا على الخيال الذي لا يتأتى إلا للعقل البشري. فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتمتع بالعاطفة والأسلوب والخيال؟ هل يمكن أن تحلّ الخوارزميات محلّ قريحة الشاعر؟ أم أن الذكاء الاصطناعي سيساهم في تكاثر ضعاف الموهبة وأشباه الشعراء؟ لأكون موضوعية في الإجابة عن هذا السؤال طلبت من شات جي بي تي قصيدة حول اللغة العربية فأعطاني ما يلي: اللغة العربية بحر من الجمال تسكن القلوب وتزدهر في الحال أحرفها تشعّ كالنجوم في السماء تسرد قصص العز وتحيي الأمل في الخفا يا لغتي يا لحن الفجر البعيد فيك شرف الأمة وفيك المجيد أنت لغة القرآن، لغة الخلود أنت أساس الهوية، وزهر الوجود منك الألحانُ ومنك الأدب الرقيق فيك الشعر والحكمةُ والعشق العميق أنت النبضُ الذي يعزفُ على الوتر وفيكِ تنبض الحياةُ وتبدأُ المسير ****** لن تُنْسَيْ أبدا، مهما تغيرت الأيام أنت الفخر وأنت الأمان يا لغة الأجداد يا تاج الزمان لك في قلوبنا مكان لا يُنْسى ولا يهونْ التوقيع: شات جي بي تي ثم عدت بعد أن (أدهشتني القصيدة) وطرحت عليه السؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي الحلول مكان الكتابة الإبداعية؟ فأجاب حرفياً: “لا، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الكتابة الإبداعية. بينما يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء نص بناءً على الأنماط التي تعلمها، إلا أنه يفتقر إلى القدرة على فهم المشاعر والتجارب ووجهات النظر البشرية والتعبير عنها حقاً، والتي تعتبر ضروريةً للكتابة الإبداعية. تتطلب الكتابة الإبداعية خيالاً وإبداعاً وخبراتِ شخصيةً لا يمكن أن تأتي إلا من كاتب بشري. يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة، لكنه لا يمكنه أن يحل محل اللمسة الشخصية الفريدة التي يمكن للكاتب البشري أن يجلبها إلى قطعة من الكتابة”. وهنا لا بد من استحضار تجربة الشاعر سامر أبو هواش، التجربة التي عنونها ب:”شات جي بي تي لن يكون واديَ عبقر القرن 21″ وهي تجربة شعرية مع برنامج الذكاء الاصطناعي إذ طلب الشاعر من البرنامج كتابة قصيدة باللغة العربية وطلب أخرى بالفرنسية وقصيدة ثالثة بالإنجليزية لكنه خلُص إلى ان ما أنتجه البرنامج لم يكن شعرا. واستدل بما يلي: -ارتباك البرنامج حين طلبت منه قصيدة تتضمن مفردات معينة (ليل حزن صباح فرح بيت غابة) وظل متوقفا عند كلميتين هما (يا ليل الحزن) فقط، ثم قام الأستاذ سامر أبو هواش بتبديل الكلمات وطلب منه قصيدة تتضمن (بيت حب فرح ضوء سماء) فأنتج البرنامج خلال ثوان قصيدة سماها: قصيدة الحب السماوي وكانت معانيها مشتتةً ولغتُها ركيكةً وأخطاؤها كثيرةً لغةً وتركيبا وفنا. – أما القصيدة بالإنجليزية فجاءت أعلى جودةً من حيث اللغةُ والفنية. بالمقارنة بين القصيدتين المنتجتين آليا فإن الخلل واضح في القصيدة العربية ويتمثل في السذاجة والمباشرة وفقر المخيلة والفشل في انتاج الايقاع بينما جاء سلسا في القصيدة الإنجليزية. الاستخلاص الأساس الذي توصل إليه الشاعر سامر ابو هواش أن ما نجده في برنامج الذكاء الاصطناعي شات جي بي تي هو تماما النموذج الذي يفترض أن يكون قادرا على التكاثر والتوالد والخلق بناء على ما تمّ تحفيظه للبرنامج من معلومات واحتمالات تكاد تكون لا متناهية، وأيضا بناء على تفاعل البرنامج مع المستخدم وتعلمِه منه، لكن ما يظل ناقصا في هذه المعادلة هو التفجير العاطفي… سحر الشعر الذي يحضر في تلك اللحظة الشعرية السحرية أو ما يسميه بورخيص” لغز الشعر”. (سامر أبو هواش، تشات جي بي تي لن يكون وادي عبقر القرن 21، المجلة، 6 مارس 2012). حينما يقوم إنتاج الذكاء الاصطناعي للنص الشعري على استرجاع المخزون وترتيب الكلمات في نفس المعنى الذي طُلب منه والاعتماد على الشات جي بي تي، فإنه سيجعل الساحة الشعرية كلَّها محتلة لصالح الحفظ والمحاكاة والنسخ. ولعل الغوص في غمار هذا الاشكال يتطلب منا أن نعود لقصة خلف الأحمر وأبي نواس حين استأذنه في نظم الشعر، فقال له: ” لا آذن لك في عمل الشعر إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة. فغاب عنه مدة وحضر إليه، فقال له: قد حفظتُها. فقال له خلف الأحمر: أَنشِدْها. فأنشده أكثرها في عدة أيام. ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر، فقال له: لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها. فقال له: هذا أمرٌ يصعب عليَّ، فإني قد أتقنت حفظها. فقال له: لا آذن لك إلا أن تنساها. فذهب أبو نواس إلى بعض الأديرة، وخلا بنفسه، وأقام مدّة حتى نسيها. ثم حضر فقال: قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط. فقال له خلف: الآن انظم الشِّعر!”. (ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 55). والسؤال المطروح: هل الذكاء الاصطناعي ينسى؟ وإذا محونا خزّانه الذي ملأه الانسان نفسه فكيف سينتج شعرا وهو يعتمد في الأساس على ما يودعه الانسان في ذاكرته. بينما يقوم الشعر على التفجير العاطفي أو ما سماه بورخيص “لغز الشعر”. الخلاصة إن أنظمة الذكاء الاصطناعي استطاعت أن تقدم خدمات جليلة للشعر العربي إذ مكنته من تخزين معظم ما أنتج من أشعار منذ فجر الابداع الشعري وسهل إمكانية الوصول إليه وبدقة متناهية، ومكّن من تصنيفه ودراسته فكان بذلك إضافة مفيدة جدا للشعر العربي، لكنه وبكل تأكيد يستعصي عليه أن يقتحم العاطفة الإنسانية أو يترجم المشاعر البشرية لنصوص شعرية. وقد أكد على ذلك الكاتب فيليب بوطز في كتابه “ما الأدب الرقمي؟” حينما قال: “لا تستطيع أي آلة أن تجريَ هذا النقل (يقصد الشعر) بمفردها، فهو يظل ميزة للإنسان. ومهما تضمنت الآلة من معارف، فهي لم تعد تُعتبر اليوم إطلاقا مؤلفا، بل صارت حافزا. والمؤلف الحقيقي ليس هو الإنسان/الشاعر الآلي بل هو مصممه” (بوطز، ما الأدب الرقمي، ص 102). الإبداع الشعري العربي هو ابداع بشري بحت لا يستطيع الذكاء الاصطناعي البتة أن ينتجه بشكل متكامل لغويا وفنيا وإيقاعيا وخاصة على مستوى العاطفة الإنسانية والشعور البشري الذي ينتج جراء موقف ذاتي أو اجتماعي فتفيض إثره القريحة بنص مكثف بها، وإلا فإن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي ليس إلا محاكاة في لما تعلّمه من أشعار. أخيرا أذكر بأن الوقت لم يسعف بالنظر إلى الدقائق المعدودة المخصصة لهذا العرض الشفهي، لتحليل تطبيقي لبعض القصائد العربية الرقمية، التي بدأت تتشكل في أفق الشعر العربي من قبيل شعر عباس مشتاق معنن، في قصيدة “لا متناهيات الجدار الناري”، وفي “تباريح مشتاق معن الرقمية: الإقامة في الغرفة الزرقاء” ، وهو شعر يبدو منذ القراءة الأولى، محققا لخصائص النص الرقمي التشعبي، من حيث تفاعل الرموز اللغوية، والشكل والصورة والصوت، والألوان، والظلال… ومن حيث استحالة تشكيل معنى النص خارج الدمج بين هذه العناصر، في عملية قراءة مغايرة ومتجددة. (ينظر إلى القصيدة الأولى على الرابط الآتي: (https://dr-mushtaq.iq/My-poetry-works/Interactive-digital/index/Num-4/Num-4-.html). وإلى التجربة الشعرية الثانية على الرابط: https://dr-mushtaq.iq/My-poetry-works/Interactive-digital/index/Num-4/Num-4-.html





