كتابات حرة

الشباب العربي وصناعة التفاهة- جواد عامر – المغرب

صورة شخصية لرجل يظهر وجهه بوضوح، بشعر قصير وبشرة فاتحة، يرتدي قميص مزخرف.

شباب غفل هذا هو النعت الذي أطلقه الكاتب المغربي الأستاذ “سعيد حجي” في إحدى مقالاته عن شباب جيله ، حرك في خاطري دهشة غريبة وحملني على التريث والتأمل مليا في سبب هذا النعت لجيل أقل ما عرف به هو الحياء والتزام القيم والجد والمثابرة ، جيل السبعينيات وما بعدها ، لابد أنه مختلف كل الاختلاف عن الجيل الرقمي ، جيل “ التيكتوك “ و”الفيس ” و” الأنستغرام ” و”الشات”وصناعة المحتويات التافهة ، جيل المتابعة المحمومة للمباريات ، فإذا كان جيل سعيد حجي بذلك النعت المخزي فكيف يمكننا نعت الجيل الحالي ؟

إن أقل ما يمكن قوله في حقه هو أنه جيل مسف ومنحط ، انهار قيميا قبل أن ينهار معرفيا ، ولابد أن سعيد حجي كان إطلاقه للنعت السابق من باب نقد الفكر والإبداع لا غير فالغفلة كان مقصدها إلى عدم القدرة على الإنتاج الأدبي والإبداعي والفكري الذي كان يرى فيه نفسه أرقى من أولئك الذين لم ينالوا حظا من الأدب وجمال الإبداع ، لذلك أكاد اجزم أنه ما رام إلى تنقيص خلق وقيم لأنها كانت جزءا من منظومة مجتمعية شكلها وعي جمعي وأرسى لبناتها ودافع عنها دفاعا شرسا حتى استقامت وتراصت بنيانا مرصوصا ، أما هذا الجيل الذي حاربته قوى غريبة عن حياضه مغرقة لفكره المكدود  في عوالم التفاهة التي صنعتها عبقريات غربية غاية في الدهاء والمكر استطاعت أن تلف حول عنقه حبالها عبر لعبة الإغراء والإلهاء  فتمكنت من برمجة الجيل الذي لا يهاب ولا يخشى منه على الإطلاق ، جيل فارغ العقل، ضيق الأفق ، فاقد للتفكير النقدي ، يستنسخ ما يشاهد وما يبلغ مسمعه، يمجد التفاهة وصناعها ويزدري الفكر وأصحابه.

لقد صار الشباب العربي عقولا مستنسخة تفكر بنفس الطريقة، كأنها نسخ طبق الأصل تمت برمجتها لتفكر بنسق واحد ووحيد، وهي دائرة انداحت إلى المثقف الذي بدأت خبراته الجمالية والاستدلالية تتعطل بفعل ما أحدثته العولمة من تأثيرات كبيرة في شتى مجالات الحياة كان لابد لها من الامتداد إلى أنساق التفكير وممارسة سلطتها عليها مادام  التحصين ضدها لازال  ضعيفا وأن موجات التغريب جارفة قوية تأتي على كل شيء وتستطيع اختراق أسوار القيم والثقافة والهوية ما يستلزم تمنيع الهوية الثقافية وتحصينها بشكل قوي يقف أمام تيار العولمة الجارف وأمام الصناعات الجديدة المتلاحقة في العوالم الرقمية بفضاءاتها المختلفة والمتنوعة مع ما تمارسه من ضغط نفسي وتوجيه فكري وتأثير وجداني ظاهر الأثر والسمة .

لقد استطاع الدهاء الغربي أن يسحب البساط من تحت أقدام الحضارة العربية منذ عصر النهضة وأن يبني أنساقه الحضارية الجديدة عبر مشروع حداثي جديد غذته الفلسفات الحديثة وفكر الأنوار مع ديدرو وفولتير وجان جاك روسو وإيمانويل كانط وغيرهم من الحداثيين والتنويريين لتسلك أوروبا طريقها نحو التقدم  الذي رسمت التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي  أبرز معالمه ـ اليوم ـ ما جعل العقل الغربي أكثر قدرة على الإنتاج منذ فجر الحداثة ومنحه سلطة التحكم في توجيه العقل العربي الذي استنزفه معرفيا عبر إعادة قراءته وإنتاجه ، مدركا مدى خطورة هذا العقل في التاريخ ومدى مقدرته على العودة إلى ممارسة الإنتاج متى توافرت لديه الشروط التاريخية الملائمة كما حصل في العصر العباسي في فترته الذهبية زمن الرشيد والمأمون ، لذا فقد اكتسب العقل الغربي خبرات عبر المثاقفة زمن الحروب الصليبية وإرسال البعثات الطلابية لتلقي العلم على يد علماء الإسلام ما جعلهم يتيقنون من قوة العقل العربي الذي فاق كل حدود الحضارة واستطاع بمنجزاته الخالدة أن يؤسس للمشروع العلمي الكوني في شتى فروع العلوم ؛ إن هذا الأمر تحديدا هو ما حدا بالعقل الغربي إلى تحريك إيديولوجياته الكفيلة بإقصاء وتهميش العقل العربي ، بل والعمل على تجميد طاقاته ومنعها من التفجر في وجه الغرب وذلك عبر ممارسته للاستعمار الفعلي كما حصل في مراحل تاريخية متفاوتة منذ حملة نابوليون على مصر إلى الغزو الإمبريالي استنزافا للخيرات والثروات وكبحا لجماح التحديث في المجتمعات العربية وتوجيهها إيديولوجيا إلى الأنماط التي يريدها العقل الغربي وهو ما لا حظناه من إنشاء للمسارح في البلدان العربية لتمرير الثقافة الغربية وحمولاتها الإيديولوجية وعبر إقصاء الهوية اللغوية وخلق الفتن والتوترات بين المنظومات القبلية والعشائرية التي شكلت البنيات السوسيولوجية للمجتمعات العربية والأمازيغية في محاولة جادة من قبل المحتل لتمزيق العرى ووحدة الصف ، فمارس لأجل ذلك كل الطرق وجند كل الأجندات السياسية والعسكرية واللوجيستيكية وغيرها من الأدوات بغية تحقيق مشروعه الاستعماري المادي الذي سيجد بالطبع مقاومات متلاحقة سواء عبر الرصاص أو الفكر والقلم مما جعل المواجهة تتخذ وجهتين متقابلتين لكنهما كانتا شديدتا التنسيق والاتحاد كما حصل في المغرب حين كانت المقاومة عسكرية في الريف والأطلس وفكرية حركها المثقف المغربي في إطار ما سمي بالحركة الوطنية ، ما جعل المستعمر يعي دور الثقافة في تحريك وتأجيج الوعي الجمعي وهو ما سيحدو به بعد الجلاء من البلدان العربية المستعمرة إلى التفكير مليا في أساليب إمبريالية دونما حاجة إلى تبذير أموال كبيرة عسكريا ، مع ما يستدعيه ذلك من ردود فعل دولية ومواقف مؤثرة على البلد المستعمر في كل ناحية .

إن هذا التصور الجديد سينبثق من عمق هذه الممارسات الاستعمارية التي ستتخلى عن الفعل المادي الوجودي لصالح نوع جديد من الاستعمار لا تحتاج فيه إلى آلة حربية ولا إلى جندي وإنما تحتاج فيه إلى الذكاء والعبقرية والاحتيال ، ومن هنا بزغت فكرة السيطرة الاقتصادية أو ما أطلق عليه باسم العولمة لتطويق دول العالم النامي اقتصاديا وإغراقها في التبعيات المتلاحقة لتنقاد للأوامر الدولية لكبريات الصناديق والشركات ، ما يجعل تلقي الأوامر سهلا ومجابا وبالتالي يسهل التحكم في العقول البشرية لهذه الدول ، بل وسلب العقول ذات العبقريات المتفتقة والنهل من معارفها وذكائها في مشاريع العقل الغربي العلمية ، ليظل قائدا ومتزعما للحضارة الإنسانية ومحافظا على نسقه القوي في السيطرة على الدول النامية ؛ إنها استراتيجية غاية في الذكاء ، سيعمل العقل الغربي مستغلا التطور الرقمي على رسم خططها بحبكة عالية الدقة من اجل التحكم في الإنسان والسيطرة على عقله وتفكيره، خالقة له مساحات من الأنظمة الرقمية والوسائل الإلهائية ذات الروافد المختلفة سواء تعلق الأمر بما هو رياضي أو ما يندرج تحت مسمى “الفني “، باعتبارها فضاءات صناعة التفاهة التي تغدو ممجدة في فكر الشاب العربي حينما يرى شبه فنان أو رياضيا يغرق بالأموال ويمنح من المقام ما لم يلقه عالم أو مفكر أو أديب أو مؤرخ أو فيلسوف أو مسرحي وممثل بارع أو مطرب راق بذوق غنائه ، بل يجد هؤلاء في الهامش لا يتلقفهم الإعلام الذي يظل هو الآخر مأمورا وموجها  منتجا لأصناف التفاهة المحطمة للقيم والاخلاق حينما تبث مسلسلات وأفلام تمس بالقيم النبيلة التي تربى عليها أجيال سابقون ، فيجتمع الحابل بالنابل وتتلاقى على الشاب العربي كل الموجات من كل صوب وحدب ، موجة التغريب بما تلقيه من مؤثرات سلوكية وذوقية ( حلاقة ، لباس ، وشوم ..) وموجة مواقع التواصل الاجتماعي وما تقذف به من أخطار عبر عوالم الفيديو والصور والانطباعات والأفكار والآراء التي تختلط فيها الرؤى وتتشابك فيها المعطيات مما يصيب العقل بالتشويش ويمنعه صفاء الاختيار وممارسة النقد مادام أن هناك من يتكفل بهذا الفعل الذي يفتقده العقل الشاب من اجل شحذ فكره وتطوير مداركه.

إنها ثورة الرقم استطاعت بأشكالها العبثية وألوانها المستفيضة في الهزل أن تغري الشاب العربي وتأخذه إلى متاهاتها البعيدة في كل حين، فمواقع الشات والتواصلات وتجهيز المعرفة في العالم الرقمي من أخطر ما يتهدد العقل العربي ، عقل يسير في طريق الاستنساخ وإقصاء أشكال الإبداع وممارسة التفكير الفلسفي في منبعه الصافي باعتباره أداة لفهم الوجود وإدراك العالم ، فالشاب العربي ـ اليوم ـ  في تعامله مع المعرفة يمارس ذلك الالتقاط الجاهز المقدم على طبق من ذهب ، وكأن العالم الرقمي وُجِد في الحقيقة لتقديم المساعدة المعرفية له، غير أنه في عمق الأمر وجوهره طريق إلى ضمور العقل وسبيل إلى تعطيل آليات اشتغال النقد والتفكير الإيجابي والإنتاج والإبداع لأن عقلا  يكتفي بالجاهز ـ مع مرور الوقت ـ سيكون طريقه نحو الفناء أكيدا ، مادام التعاطي مع المنتج المعرفي يظل حبيس التلقي السلبي المُعَطَّل من قبل الشاب العربي .

إن العقل العربي يتهدده خطر قيمي أخلاقي صرف صنعته مواقع التواصل المعروفة ومواقع التفاهة المعلومة ، غير أننا نستطيع مجابهته حينما نعمل بجد على تحصين قيمنا وربط حاضرنا بماضينا لا في إطار سلفي يستنطق روح الخطاب الديني فحسب من باب التنظير ، لكن بتفعيل عملي يتحول معه الخطاب الديني إلى منهج عملي تدفع به الأسرة والإعلام والمدرسة والمحيط ، كل من موقعه ومن زاوية تخصصه لنعيد تركيب العقل القيمي العربي بكل أجزائه وممارساته الفاعلة التي ستتمكن من التحصن ضد كل تيار يحاول أن يهدم أبنيتها، وإلى جانب هذا الخطر الأخلاقي الذي أراه أيسر من غيره ، هناك  خطر معرفي أجده الأعسر والأكثر استعصاء لأنه مرتبط بالعقل لا بالقلب والوجدان ، إذ تكون ممارسة الشاب العربي عبر تراكمات السنين لفعل التعاطي مع المعرفة الجاهزة قد رسخت في الفكر وترسبت في الممارسة ، ما يجعل إبدالاتها أمر صعبا خاصة في ظل التوجيهات التعليمية الدافعة إلى استخدام التكنولوجيا الرقمية والتعاطي مع محتواها المعرفي ، وهو ما يدفع الشاب المتعلم إلى نهل الجاهز بشكل سريع دون قراءة واعية وإدراك للمحتوى المعرفي ؛ ولست أعني بهذا إقصاء المعرفة الرقمية وإنما أدعو إلى حسن التعاطي مع المعرفة الجاهزة عبر تحويلها إلى معرفة تقويمية تكتسب صبغتها المعيارية  لا غلى معرفة رسمية تم إنتاجها فحسب ، فيعمل الشاب على التقاطها بحذافيرها ، إذ إن ممارسة من هذا النوع كفيلة بخلق الألفة الزائفة بين القارئ والمعرفة وهدم جسور البناء المعرفي التي يستلزمها تشكيل الوعي الثقافي.

لقد وعى العقل الغربي أن عنصرا القيم والمعرفة يشكلان جوهرا في الثقافة العربية ودونهما لا يمكن لهذه الثقافة أن تحمي حياضها وأن تؤسس مشروعها الحداثي، لذلك توجه الدهاء الغربي إلى عقر الدار فأصاب الوجدان والعقل ككنهين في البناء الإنساني يؤثران سريعا في نظم المجتمع ، فخلخل القيم وشوه أنماط التفكير القيمي قالبا كثيرا من موازينها التي نشرها على امتداد سنوات حتى صارت جزءا من السلوك الاجتماعي للشاب العربي ، وأدرك دور المعرفة تاريخيا في بناء الحضارة فعمل جاهدا بكل وسائله المتاحة على تعطيل الفعل الثقافي وتقزيم الفكر وحمل تفكير الشاب العربي على احتقار المعرفة والتقليل من شأنها في مقابل تعظيم التافهين وتبجيل التفاهة ، وهكذا نجح الدهاء الغربي في تحقيق مقاصده الدنيئة مقدما المعرفة الجاهزة كنوع من التنويم المغناطيسي للعقل العربي وهاهو الآن سائر في طريق تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستغني العقل العربي عن التفكير بشكل مطلق مادام أنه ذكاء يحاكي عقل الإنسان وبمقدوره أن ينتج المعرفة بدلا عنه ، ما سيؤدي حقيقة إلى إقبار جماعي للعقل العربي وسيخبي شعلة المثقف الذي كان دوما حمالا للتغيير وسيد المواقف التي تستدعيها الحداثة ويستلزمها التنوير.  

إن طموح المثقف ودوره يكمن في توجيه دفة العقل العربي ومحاولة إنقاده من براثن العولمة الحادة وتيارها الجارف ، إنه الوحيد القادر رغم الضغوطات والإكراهات التي تشكلت في واقع الحياة على التخفيف من حدة هذا التأثير المعرفي الخطير عبر الدفع بالفكر نحو الإنتاج والإبداع والتأمل الفلسفي حتى لا يزداد الطين بلة وننتج أجيالا أخرى  لا حقة غير قادرة على النقد والتفكير ، ما سيحولها إلى قطعان تنقاد أمام راعيها بكل يسر وسهولة دون أن تدرك ما يتهددها من أخطار حتى ينتهي بها المطاف في وهاد التهلكة ، وينطال عليها نعت الكاتب ” سعيد حجي “( شباب غفل) ، ونكيل لها نعوتا أكثر فداحة وأقبح وسما.    

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading