مقالات نقدية

قراءة نقدية لقصيدة (حقل الورد) للشاعرة السورية :سارة فخري خيربك – قراءة:ياس الركابي / بغداد

فحين

ينتصر الحزن ويغيب الشعر

نكون

أمام قصيدة تُبكي ولكنها

لا تُدهِش

وأنا الذي اتساءل مع اللجنة التي جعلت من هذا النص عظيمًا.. واقول : اين انتم مما كانت عليه القصيدة ..من إفراط معجمي حزائني جاهز.. إنعدم معه..أي خلق لرؤى شعرية جديدة….هذا الذي بدا جليًا على جسد النص من خلال تكرار مفردات الفقد والحنين بصيغهما المألوفة والإستناد على مستهلكات الصور كالأم وطنًا والحزن ظلًا ماجعل النص عاطفيًا بآمتياز مع انه صادق لكن سياقه ورد فقيرًا في الإبتكار والإنزياح الدلالي من حيث ان الشاعرة لم تخرج عن المعاني المألوفة والصور المبتكرة في مرثيتها ذي البنية الكلاسيكية وأنا اجد نفسي أمام نص يمتلك أدواته العروضية واللغوية بشكل واضح لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة حقيقية حول مدى جدة التجربة وعمق الانزياح الشعري ومنذ مفتتح القصيدة الذي دخلت شاعرتنا عبره مباشرة إلى منطقة الذاكرة كفضاء شعري مركزي وهي تقول : (يمر أمسي وذكرى الأمس من عمري) والتي وعلى الرغم من سلامة الجملة لغويًا إلا انها إعتمدت تركيًاا مألوفًا لنا في القصيدة العربية ففكرة (مرور الأمس) و(ذكرى الأمس) تكاد تكون إعادة صياغة دائرية للزمن نفسه دون إضافة لأي إنزياح دلالي حقيقي وكأن الشاعرة تستبدل الزمن بالزمن!! دون الالتفات الى ضرورة فتح أفق تأويلي جديد لأنا جعلتنا امام دائرة الحنين التقليدي وهذا ما تأكد في الشطر الثاني (ذكرى تودّع آلافًا من الصور) حيث تكاثر المفردات الحزينة (ذكرى… تودع…. صور) دون تجاوز لحدود التوصيف المباشر لأجل بناء صورة مركبة أو صادمة..وهكذا وبآنتقال الخطاب إلى الأم إنهمكت الشاعرة العربية الانيقة في تثبيت هوية نصّها كمرثية وجدانية صريحة لتنجح وهي تُظهر قوة النص وضعفه في آنٍ واحد!!!! ….. قوته تكمن في صدق العاطفة الظاهرة فهي لا تتصنّع الحزن بل قدّمته لنا بشكل شفاف خاصة في قولها: (إليك أمي يسير الوجد قافلةً)… حيث تحولت العاطفة إلى كيان متحرك… قافلة من الحنين… فهذه صورة جميلة نسبيًا لكنها ليست جديدة في معجم الشعر العربي لأن تحويل المعاني إلى قوافل أو رحلات هو من أكثر الاستعارات تداولاً… أما قولها (ويمشي الحزن في أثري) إنما ورد كما اراى انا ياس الركابي كتعبير تقريري خالٍ من المفاجأة لأن الحزن هنا ليس متحولًا أو متشظيًا ابدًا بل سار ببساطة خلف الشاعرة كما لو أنه ظِلّ تقليدي على أن

السؤال المركزي في القصيدة قرأته بقول الشاعرة (ماذا ألمّ بحقل الورد من كدرٍ) ليبدأ العنوان بالتفاعل مع المتن ف..(حقل الورد) يمكن أن يُقرأ رمزاً للأم أو للحياة أو للبراءة لكن الشاعرة لم تشأ تطوير هذا الرمز بشكل كافٍ بل سايرته وهي تأتي عليه كآستخدام استعاري ثابت دون ان تتوسع ثم تأتي بعبارة (حتى تعجّل حقل الورد بالسفر) كصورة فيها مسحة شعرية جيدة إذ يُسند السفر إلى الحقل نعم و لكن الإسناد هذا ظلّ يراوح في حدود الاستعارة التقليدية للموت (السفر) دون أن تمنحه ااشاعرة بعدًا وجوديًا أعمق

لتنتقل الى المقاطع التي تلي وهي تكثّف النداء (أماه)… وهو نداء حمَل طاقة عاطفية عالية لكن كثافته قد تحولت إلى عبء لأنها لم تُدعَم بتحولات دلالية…في هذه القصيدة تكرر النداء دون أن يواكبه تطور حقيقي في الرؤية فالشاعرة تبحث عن صدر… عن نور وجه..عن الكفين.. عن خبر… وهذه سلسلة من المفقودات التي قرأتها على انها تُعدّد أكثر من كونها بناءً شعريًا لأن النص راكم الغياب بدلًا من إعادة تشكيله…لتضعنا الشاعرة امام مايمكن ان احسبه أحد أهم مواطن الضعف في القصيدة مع غياب التحويل الجمالي للمعاناة إلى رؤية والاكتفاء بتعداد مظاهر الفقد…..ومع ذلك فلا يمكن إنكار أن بعض الصور قد آمتلكت حساسية لافتة مثل (عن بسمة الماء في إشراقة الجزر).. فهذه العبارة إنطوت على شاعرية مائية شفافة اوحت بنقاء الأم عبر عناصر الطبيعة… لكن هذه الومضات ظلت متفرقة ولم تتماسك ضمن نسيج رمزي متكامل بل ظهرت كجزر لغوية جميلة داخل بحر من التعبير التقليدي اما في مقطع (خذي دموعي وذريها على وجعي ورتلي فوق صوت الآه بالسور) فقد لاحظت اقترابًاا من التداخل بين الديني والوجداني حيث تتحول الأم إلى كائن شبه قدسي تُرتل وتبارك الألم ..وهذه الصورة و رغم قوتها العاطفية اراها قد اقتربت من المبالغة التي ضعف معها الأثر.. لأنها ترفع الأم إلى مستوى رمزي عالٍ دون تمهيد كافٍ في بنية النص مما جعلها أقرب إلى الانفعال منها إلى التشكيل الفني…وحتى قول الشاعرة (وإن حضنك في معناه لي وطن) فهو من أكثر الأبيات شيوعاً في الشعر العربي المعاصر!!!! حتى يكاد يتحول إلى( تكرار ) واضح …ففكرة الأم هي الوطن تكررت كثيرًا و الشاعرة هنا لم تضف معالجة جديدة لها بل اعادت إنتاجها بصيغة مباشرة رغم محاولة التجميل في عبارة(أطوف كعبته في لجة الضجر) كمحاولة لإدخال البعد الروحي… لكنها تبقى ضمن النسق المألوف…وحين يصل النص إلى وصف الأم كمعلمة يبدأ امامنا ظهور لمنحىً …هو التمجيد الأخلاقي: (أمي معلمة…. كانت رسائلها تهدى لنبع صفا) ..فهذه اللغة تقترب من الخطاب الوعظي التقريري وتبتعد ولو قليلًا عن الشعرية لان التحول من الحنين الشخصي إلى التوصيف الأخلاقي العام يخلق نوعًاا من الانفصال داخل النص!!! وكأننا أمام قصيدتين…مرثية وجدانية …وخطاب مدحي تعليمي حتى اذا وصلنا الى الأبيات الأخيرة تعود بنا الشاعرة إلى الدعاء….وهو ختام متوقع في هذا النوع من النصوص..يا رب فالطف بها… ثم (إليك أمي سلام الله أرسله) نعم فهذه نهاية ولكنها ورغم صدقها قعي لا تحمل مفاجأة فنية أو انزياحًا دلاليًا إنما غلقت النص بطريقة تقليدية جدًا تليق بالمراثي الكلاسيكية لكنها لا تواكب معايير التجديد التي يُفترض أن تُؤخذ بعين الاعتبار في منح جائزة او لقب!!! هي قصيدة ناجحة على مستوى السلامة اللغوية والالتزام العروضي….مؤثرة عاطفيًا لمن يتلقى الشعر بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن الفقد لكنها محدودة من حيث الابتكار الصوري لانها إعتمدت بشكل كبير على معجم جاهز من الحزن والحنين دون أن تعيد تشكيله ضمن رؤية جديدة… هي قصيدة (((((جيدة تقليديًا)))) نعم لكنها ليست (فارقة فنيًا) فالقصيدة لا ترتقي برأيي إلى مستوى (الفرادة) التي توحي بها تسمية (فارسة القصيد) بل تنتمي إلى منطقة الأمان الشعري حيث لا مخاطرة ولا مغامرة حقيقية…هي تمثل نصًا صادقًا مألوف مؤثر…. لكنه غير مبتكر ..متماسك لغويًا.. لكنه محدود رؤيويًا… ومن هنا احكم عليه بأنه لا يستحق التتويج…لأن الجائزة العنوانية!!! في جوهرها………. يجب أن تذهب للنص الذي يضيف شيءًا إلى الشعر…. لا الذي

يعيد قوله بصيغة جميلة فقط.

* وهذه امامكم القصيدة فآقرؤوها:

(حقل الورد)

يَمُرُّ أمسي وَذِكْرى الأمْسِ مِنْ عُمُري

ذِكْرى تُوَدِّعُ آلافاً مِن الصُّوَرِ

إليكِ أمّي يَسيْرُ الوَجْدُ قافِلَةً

مِن الحَنينِ وَيَمْشي الحُزْنُ في أثَري

ماذا ألَمَّ بِحَقْلِ الوَرْدِ مِنْ كَدَرٍ

حتّى تَعَجَّلَ حَقْلُ الوَرْدِ بِالسَّفَرِ

أمّاهُ غبْتِ وَجابَ الحُزْنُ أرْوِقَتي

وَظّلَّ طَيْفُكِ في تَغْريبَةِ السَّحَرِ

أمّاهُ أبْحَثُ عَنْ صَدْرٍ يُلاطِفُني

عَنْ نورِ وَجْهِكِ.. عَنْ كَفَّيْكِ.. عَنْ خَبَرِ

عَنْ لَوْنِ خَدِّكِ حينَ الصُّبْحُ يُوقِظُني

عَنْ بَسْمَةِ الماءِ في إشْراقَةِ الجُزُرِ

عَنْ كُلِّ خُلْقٍ بَهِيٍّ مِنْكِ جَذْوَتُهُ

وَعَنْ سَجايا مِن الياقوتِ وَالدُّرَرِ

خُذي دُموعي وَذُرّيْها عَلى وَجَعي

وَرَتِّلي فَوْقَ صَوْتِ الآهِ بِالسُّوَرِ

وَإنَّ حُضْنَكِ في مَعْناه لِي وَطَنٌ

أطوفُ كَعْبَتَهُ في لُجَّةِ الضَّجَرِ

أمّي مُعَلِّمَةٌ, كانَتْ رَسائِلُها

تُهْدى لِنَبْعٍ صَفا مِن شائِبِ الْكَدَرِ

كانَتْ مَناسِكُها والعِلْمُ واحِدَةً

الحُبُّ مِشْكاتُها كَالضَّوْءِ لِلْبَشَرِ

سَمَتْ سُلوكاً عَلى الأشْياءِ في كِبَرٍ

رَفيعَةُ الخُلْقِ في نَأْيٍ عَن الضَّرَرِ

يا ربُّ فَالْطُفْ بِها .. أكْرِمْ مَنازِلَها

وَاجْعَلْ سَرائِرَها تَغْفو عَلى سُرُرِ

أماه ادرك من فارقت صورته

هو ارتحال الندى في رحلة القدر

إلَيْكِ أمّي سَلامُ الله أرْسِلُهُ

ما أنَّ نايٌ وحَنَّ العودُ لِلْوَتَرِ

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading