جميل صدقي الزهاوي – سيرة ذاتية

فيلسوف عربي، انكشفت له من الحياة أسرار، فأودعها شعرَه الراقي ونثرَه المتين.
نابغة من ذوي العقول الكبيرة، خلب لبَّه نظامُ هذا الكون فراح يفكر في معجزاته غير مُعتمدٍ في تفكيره على أجنبي.
شاعر سبَّاق في حلبة البلاغة، يُصَوِّر ما يخفق به قلبه في أبياتٍ عامراتٍ وقوافٍ مُحكمات، وينظم منثورات الحقائق العلمية في قلائد شعرية ليجمع بين العلم والفن.
لم ينفرد ببحث، بل أحبَّ أن يستجمع حبل الأبحاث التي لم يفتحِ الله بها على قلوب وطنييه؛ فنبذ هؤلاء أفكاره أولًا وضربوا بأقواله عُرض الحائط — وهذا شأن النوابغ والمصلحين — حتى إذا ما انبعثت إلى نشئهم الحديث أنوار التهذيب من كوى العلم، تجلت لهم محاسن أفكاره فأكبروها، وتبيَّنوا قدر أقواله فصفقوا لها تصفيقًا عاليًا؛ فهو اليوم شاعر الشبيبة الناهضة على شيخوخته.
•••
نشأ الزهاوي في بيئة تصوحت أزاهير الأدب فيها بعد الازدهار، ودرست معالم العلم بعد أن ناطحت بعلوها أجواز الفضاء، فراعه الجمود الهائل المستولي على الفهوم والأقلام، واستنكر الطريقة البالية التي يتبعها النظَّامون في بنائهم الأبيات، مُقَلِّدين غير مُبتكرين ينسجون على منوال الشعر للسالفين من غير ما تأثر بالرُّوح الجديد، فلم تأنس روحه الناهضة بهذه الحطة، وعزَّ على عقله المتوقد ذكاءً أن يبقى مصفَّدًا بأغلال التقليد؛ ففر إلى حيث يغرد له فؤاد في شواهق صروح الفن الحديث، بعد أن فك الأغلال وحطم القيود، داعيًا قومه إلى النهضة والانتعاش في الفكر والقول والعمل.
نزل إلى الميدان؛ ميدان مكافحة القديم البالي، ليطرده ويحل مكانه الجديد العصري، وهو لا يملك غير فؤادٍ حساس، وفكرٍ ناضجٍ وقلمٍ محدد، فتجافى عن المديح والثناء، وكفكف دموع الرثاء والبكاء على الطلول الهمد، ونظم في أبوابٍ من الشعر جديدة، مخرجًا للناس قصائد تحوي روائع المعاني، مُتبعًا في نظمه السَّنن المُستحدث، كما أنَّه أغار على العادات السقيمة والأخلاق المُنحطة، التي كوَّنتْها في مجتمعه عصورُ الانحطاط، فمزقها أيَّ ممزق، ورأى ذلك المخلوق اللطيف — المرأة — أسيرًا بدار الظلم أعياه أسره، واستبد به، فعز على مروءته إهمالها؛ فجرد لذلك قلمه البليغ، وكتب في الدِّفاع عن حقوق ضلع الرجل مقالات، ونظم قصائد أقامت العراق، بل الشرق العربي، وأقعدته، وقد نكب بمحن صعبة من جراء نصرته للجنس الضعيف، فإذا تسنَّى لابنة العراق أن تنتبه غدًا من رقدتها، وتبلغ ما بلغته أختها السورية أو المصرية من الرُّقي، فلتذكرنَّ فضل «الجميل» عليها، ولتغنِّ بشعره الخالد الذي نظمه في المطالبة بحقوقها المسلوبة.
•••
شُغف الأستاذ الزهاوي بالعلوم الطبيعية في شبابه، فشرع يطالع ما تكتبه المجلات العلمية في هذا الباب وفي مُقدمتها «المقتطف»، مطالعةَ الباحث المُنقب، يُريد إدراك أسرار الوجود، ثم أظهر نتيجة درسه للطبيعة في كتابه «تعديل الجاذبية»، الذي جاء فيه غير مُترجم عن أجنبي — وهو لا يُحسن لغة أجنبية — ولا ناقل، بل أبرز به ثمرةً من ثمار القرائح الشرقية. ومع أنَّ جُلة العلماء الغربيين والشرقيين لم يُوافقوه على آرائه تلك، فحسبه فخرًا أنه أول عربي هجر التقليد، وحاول حل غوامض العلم الطبيعي مُعتمدًا على عقله وحسه.
•••
وهو ابن العلامة محمد فيضي الزهاوي مُفتي بغداد، ينتسب أبوه إلى أمراء الأكراد من آل بابان، وهؤلاء يمتون إلى خالد بن الوليد (رضي الله عنه)، وكذلك أمه فيروزج، فهي من أسرة كردية كريمة، وأمَّا شهرته بالزهاوي فنسبة إلى «زهاو»، أحد أعمال ولاية كرمنشاه الفارسية، كانت موطن جدته لأبيه.
وُلد جميل صدقي في بغداد، في اليوم التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة ١٢٧٩ هجرية، يوم الأربعاء الموافق ١٨ حزيران سنة ١٨٦٣ ميلادية، وهو اليوم في الستين من عمره نحيف البدن لا يستطيع أن يمشيَ على رجليه أكثر من بضع دقائق؛ لذلك قد اتخذ له أتانًا بيضاء يقطع عليها الشوارع عندما يسير من محل إلى آخر، ويشكو فوق آلامه الروحية آلامًا عصبية قد برحت به.
•••
عُيِّن المترجم قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره في ٢ تموز سنة ١٣٠٣ هجرية عضوًا في مجلس المعارف في بغداد، ثم مديرًا لمطبعة الولاية فيها في ١ نيسان سنة ١٣٠٦ هجرية، ومحررًا للقسم العربي من جريدة «الزوراء» الرسمية، وانتُخب بعدها عضوًا لمحكمة الاستئناف في بغداد في ٥ نيسان سنة ١٣٠٨ هجرية.
وقد أصابه في سن الخامسة والعشرين داء عضال في نخاعه الشوكي سلبه الراحة، ولم يبرأ منه إلى الآن برغم معالجة نُطُّس الأطباء له، كما أنَّ رجله اليُسرى أصيبت بشللٍ وهو في الخامسة والخمسين من عمره.
وكبر شأنه بعد سفره إلى الآستانة سنة ١٨٩٦، مدعوًّا إليها بإرادة سُلطانية، فمَرَّ في طريقه بمصر حيثُ قابل نُخبة من أكابر العلماء وأساطين الأدب، أمثال الدكتورين يعقوب صروف وفارس نمر صاحبي «المقتطف»، و«المقطم»، والدكتور شبلي شميل، وجرجي بك زيدان مؤسس الهلال، والشيخ إبراهيم اليازجي الشهير، ولقي منهم كل حفاوة.
ذهب إلى الآستانة فأخذ الجواسيس يتأثرونه، ولمَّا علم السلطان عبد الحميد أنَّ عددًا من محرري الجرائد يترددون عليه أوجس منه خيفة، وأوعز إلى أبي الهدى الصيادي ألا يغفل عنه، وأراد الأستاذ الزهاوي بعد سنة أن يرجع إلى بغداد؛ فإذا السلطان يأمره بإرادة سنية أن يلحق بالبعثة التي كانت قد تألفت هناك للذهاب إلى اليَمن لإصلاحه؛ فذهب إليها ورجع بعد سنة إلى الآستانة، وأحسن السلطان مكافأته على خدماته بالوسام المجيدي الثالث، ورتبة (البلاد الخمس الموصلة)، ورأى في رجوعه أنَّه لم يزل محاطًا بالجواسيس فساءه ذلك، وطلب الرُّجوع إلى وطنه فلم يُسمح له خشية أن تكون وجهته غير بلاده.
وقد قاسى بعد رجوعه إلى الآستانة الأمرَّين، حتى ضاق صدره فنظم قصيدة يذم فيها سياسة عبد الحميد وسلوكه، منها:
أيأمر ظلُّ الله في أرضه بما
نهى اللهُ عنه والرسولُ المبجلُ
فيُفقر ذا مال وينفي مبرَّأً
ويسجن مظلومًا ويَسبي ويَقتلُ
تمهَّلْ قليلًا لا تغظْ إنه إذا
تحرك فيها الغيظ لا تتمهلُ
وأيديك إن طالت فلا تغتررْ بها
فإنَّ يد الأيام منهن أطولُ
وأنشدها أبا الهدى في داره، وهذا كتب بها تقريرًا إلى السلطان؛ فكان ذلك سببًا لسجنه مع الشهيد العربي المرحوم عبد الحميد الزهراوي، وصفا بك الشاعر التركي الشهير، ثم نفيه إلى بلاده.
•••
وكان بعد رجوعه من الآستانة إلى مدينة السلام، أنَّ أحد رؤساء الوهابية في بغداد أخذ يُحرض عليه الحكومة تارة، بحجة أنَّه يطعن بسياسة السلطان عبد الحميد، وطورًا يرميه بالكفر والزندقة، وذلك على عهد عبد الوهاب باشا الألباني والي بغداد، وكان الوالي هذا يُعاديه، فكتب إلى المراجع يطلب إبعاده عن الديار العراقية إلى بلادٍ قَصِية، فاضطُر الأستاذ إلى أن يؤلف كتابه «الفجر الصادق» في الرد على الوهابية، مُصَدِّرًا إياه بمدائح السلطان عبد الحميد مخافة أن يناله المعتدون بسوء، وتبكيتًا لذلك المحرض الوهابي.
•••
ولما جاء الدستور أخذ الأستاذ جميل الزهاوي يخطب في الناس، ويعلمهم فوائده وحسناته.
ورحل المترجم في السنة الأولى من الانقلاب العثماني إلى القسطنطينية، فعُيِّن في ٣٠ تشرين الأول سنة ١٣٢٤ هجرية أستاذًا للفلسفة الإسلامية في أكبر مدارسها، وهو المكتب الملكي، وعُيِّن كذلك في تشرين الثاني سنة ١٣٢٤ هجرية مُدَرِّسًا للآداب العربية في فرع الآداب من جامعة «دار الفنون»، وكان يكتب في أوقات فراغه في مجلات الآستانة التركية مقالات فلسفية حتى اشتدت عليه أمراضه بعد سنة، فهاجه ذكر الوطن المُحَبَّب فقصده وجاء الزوراء، فعُيِّن مُدرسًا للمجلة في مدرسة الحقوق فيها، وظل يُواصل «المقتطف»، و«المؤيد» بالقصائد والمقالات حتى نشر مقالته الشهيرة في العدد اﻟ ٦١٣٨ من «المؤيد» بعنوان «المرأة والدفاع عنها»، فأحدثت ضجة كبرى في العالم العربي الإسلامي، فهاج الناس لها وماجوا في بغداد، وأشاعوا بأنَّ الكاتب تحامل على الشريعة الغرَّاء، وذهبوا متجمهرين في ٢٨ أيلول سنة ١٣٢٦ هجرية إلى والي بغداد، وهو يومئذٍ ناظم باشا، يطلبون إليه عزل الكاتب من وظيفته، وساعدهم في طلبهم أحد مبعوثي بغداد، فأقاله الوالي، واشتدَّ سخط الجمهور عليه في هذا الحين، حتى اضطُر الأستاذ إلى مُلازمة داره خوفًا من الاغتيال، جرى ذلك في ظل الدستور، وشمسُ الحرية ممدودة الظل، وكان فيمن نصر الأستاذ الزهاوي في محنته هذه الدكتور شميل والمرحوم ولي الدين بك يكن في مقالات نشراها في «المقطم»، وغيرهما في سورية ومصر.
وفي هذه الآونة نشر الزهاوي في بغداد كتابه «الجاذبية وتعليلها»، ثم ألَّف رسالة «الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية»، ونشرها في «المقتطف».
وأعيد إلى تدريس المجلة في مدرسة الحقوق في بغداد على عهد جمال باشا واليها، ثم انتُخب نائبًا عن المنتفق، فذهب إلى الآستانة، وأقفل المجلس بعد أشهر من اجتماعه فعاد الأستاذ الفيلسوف إلى وطنه، وما لبث أن انتُخب نائبًا عن بغداد فذهب إلى دار الملك العثماني ثانية، وقد دافع في البرلمان العثماني دفاع الأحرار عن حقوق العرب في مواقفَ عديدة؛ مما نَمَّ على وطنيته الصادقة. وكان في بغداد حين الاحتلال البريطاني، فعُين في حكومة الاحتلال المؤقتة عضوًا في مجلس المعارف براتبٍ زهيد، ثم عُين بعد مدة طويلة رئيسًا للجنة ترجمة القوانين العُثمانية، والحق يُقال إن تلك الحكومة المؤقتة لم تُقدِّر علم الأستاذ الزهاوي وفضله؛ إذ لم تُسند إليه منصبًا خطيرًا يليق به، وهي معذورة في عملها لأنها كانت تُعيِّن الموظفين — وبالخاصة الكبار منهم — لغايات سياسية حسبما تقتضيه الظروف، فلا تنظر في تعيينهم إلى مقدرة أو تضلُّع من علم أو خبرة في أمر.
وكذلك كان نصيب الأستاذ الزهاوي في العهد العربي؛ فبعد أن توقَّع القوم أن يُسند إليه منصب خطير، ظَلَّ من غير وظيفة حتى كتابة هذه السطور.
•••
قال الزهاوي الشعرَ بالعربية والفارسية وهو صبي، وأجاده فيهما بعد أن صافح الثلاثين، ولم ينشر شيئًا مذكورًا من شعره قبل هذا العمر، بل بقي متوغلًا في درس العلوم الحديثة والفلسفة، حتى ذاع أمره في أقطار الضاد كلها.
وتجلت عبقريته الشعرية بعد أن رجع من الآستانة إلى بغداد منفيًّا؛ فإنه طفق يَنظم القصائد الشيقة الواحدة تلو الأخرى، ويذيعها بتوقيع مُستعار في «المقتطف» و«المقطم» و«المؤيد».
وظلَّ الفيلسوف الشاعر يَنظم الشعر، وأكثره بموضوع فلسفي أو اجتماعي، مُستنهضًا به أُمته العربية، يريد إيقاظها من رقدتها نحو عشر سنوات، وقد أحدثت قصائده انقلابًا في الأدب؛ فدخل في طَرْز جديد لم يُعهد قبله، فأخذ الشعراء يحذون حذوه في نَظم المعاني المستحدثة، وقد كان لشعره تأثير عظيم في البلدان العراقية، وبالخاصة في بغداد، مع أنَّه لم يبدع الإبداع كله إلا في سنواته الأخيرة.
أمَّا شعره فمن أعلى طبقات الشعر العصري، لا تجد فيه تعقيدًا أو ألفاظًا غريبة كثيرة، تغلب عليه الحِكم والأمثال، مع جزالةٍ في اللفظ ومتانةٍ في الأسلوب، يحلي كل ذلك شعور رقيق، وحس دقيق، وعواطف مُتَّقدة، ومذهبه فيه مذهب العالم يريد تقييد حقائق العلم بسلاسل النظم، والفيلسوف يصف الحياة ووجوهها بشعر غال، والحكيم الاجتماعي يضع قواعد العمران في أبيات مرصفة القوافي مُحكمة الأوزان.
ولقد كان لحياة المرأة الشرقية نصيب وافر من آماله وآلامه في شعره، كما أن غادته السحرية الفتانة هي «ليلى»، فهي بطل أشعاره لا يزال يتغزل بها، ويتشبب ويئن ويتوجع لفراقها وبينِها، وقلما خلت قصيدة له طويلة من ذِكرها وذِكر محاسنها.
وهو يحسن غير العربية الفارسيةَ والتركيةَ والكردية، ولا يرغب في ترجمة شيء من اللغات التي يُحسنها، وله اطلاع في أكثر العلوم والفنون الأدبية، كما يظهر ذلك من شعره.
•••
ولم يتفرد المترجم بنظم الشعر بل جال في ميدان النثر، وقد نشر مقالات عدة في «المقتطف» وعمره بين الثلاثين والخامسة والثلاثين، وكذلك نشَر رسالته في «الخط الجديد»، ورسالته الثانية «سباق الخيل» في «الهلال»، وكتب بعد أن نُفي من الآستانة ورجع إلى بغداد مقالات فلسفية خطيرة، مُرتئيًا في حقيقة هذا الكون غير ما يرتئيه فلاسفة عصره، داعمًا آراءه بأدلةٍ بناها على العلوم العصرية.
وكتب مدة إقامته في الآستانة بعد إعلان الدستور مقالات فلسفية كثيرة باللغة التركية نشرتها مجلات «فروق»، وعلقت عليها من وصف صاحبها ما دل على تقديرها لنبوغه.
ونثْر الزهاوي بليغ يُحاكي شعرَه، انتحى فيه طريقة خاصة به؛ فهو من أرقى النثر وأمتنه، يبتعد فيه عن تقعُّرات المقلدين وأسجاع المُتكلفين من بقايا طلبة المدرسة العتيقة، مع اتساق الأسلوب، وبلاغة في التركيب، وخطه غير جميل شأن كثير من المشاهير، وقد أثبتنا نخبة من نثره في «قسم المنثور» من كتابنا هذا.
•••
لم يدرس الأستاذ الزهاوي في مدارس تسير على النمط الحديث، ولم يلج الجامعات الكبرى في أوربة أو أميركة، ولا تعلَّم لغة أجنبية، بل هو بحدَّة فؤاده وتوقُّد ذهنه وعلو همته وانكبابه على المطالعة بجلد عظيم أحرز كثيرًا من العلوم والفنون، وهو بهذا الاعتبار يُعد من النوابغ الأفذاذ. ولقد قال من عرفه حق المعرفة إنه لو تيسرت له المُعدات اللازمة من درس وبيئة، لأتى بما لا يقل عن مآتي نبغاء الغرب.
وهو اليوم شيخ مُسن يعيش عيشة بسيطة بينما تجده مُلقى على سريره في داره، يناجي إلهة الحب والشعر والجمال، ساعة يستنزل الوحي ليُضمنه آياته الشعرية، تراه بعدها في إحدى قهوات بغداد يلعبُ بالداما أو النرد، أو تلقاه في نادي أدب وظرف، وقد الْتف حوله القوم على اختلاف مراتبهم، يُلقي عليهم من لطائفه ما يسرهم ويكبره في عيونهم. وإذا ما جلس في مجلس أصحابه الأخصاء، تراه يداعب جلساءه وينشدهم في فترات متقطعة شيئًا من شعره القديم أو الحديث على الأكثر بصوته المتهدج وقهقهته التي تكشف عن سلامة قلبه، وله في تلاوته شعرَه تمثيل خاص يسترعي أذهان السامعين، تدنو منه فتقرأ على وجهه الناحل وفي عينيه البرَّاقتين وأسارير جبهته أثرَ الاشتغال الطويل بالأشغال العقلية، وشَعره الأشمط المُتدلي على فَوْدَيه ولحيته الخفيفة يُمثلان لك زهد الفلاسفة وتقشُّفهم، وكذلك ملابسه. يفرط في شرب الدخان باللفافة، ويدخن النرجيلة في القهوات والمجتمعات العامة. له في المجتمع البغدادي، بل العراقي، مقام أدبي كبير، وقد ولع أخيرًا بمطالعة الروايات الغربية التي تترجم في مصر فيبتاع منها كل ما تصل إليه يده ويطالعها في خلواته.
وهو أنيس المحضر، لا يتكلف في قعوده وقيامه، تزوج ولم يُرزق ولدًا، وبما أن نفسه طمَّاحة إلى آمال كبيرة لم يُوفَّق إليها تجده حانقًا على الحياة وأبنائها، وعنده في داره كلب أسود دعاه «ولك»، هو بمقام قطة الدكتور شميل البيضاء — التي اشتُهرت بقصيدة طانيوس عبده — وله من أوراق الفيلسوف الشاعر ومنظوماته ما يلهيه.
•••
اشتغل صاحب الترجمة بمؤلفات عديدة وأنجزها، كما أن له من قصائده الكثيرة ما يملأ بضعة دواوين، وها نحن ذاكرون مؤلفاته مبتدئين بالمنظومة منها:
- (١)ديوان الكلم المنظوم: هو أول دواوين الزهاوي يتضمن أوائل شعره إلى إعلان الدستور العثماني، وقد طُبع ونُشر في بيروت في أول سنة الدستور، لكنه مع الأسف لا يدل على شاعريته، كما أنه مشوَّه بالأغلاط المطبعية وغيرها، وقد هذَّبه ناظمه وصحَّحه على نية تجديد طبعه.
- (٢)ديوان بعد الدستور: هو ثاني دواوينه يجمع شعره من إعلان الدستور حتى الاحتلال البريطاني للعراق، وهو من طبقة أعلى من الديوان الأول (معد للطبع).
- (٣)ديوان هواجس النفس: هو ديوان الزهاوي الثالث، ويحوي نظمه منذ الاحتلال البريطاني للعراق حتى بداية صيف سنة ١٩٢١، وفي هذا الديوان والذي يليه أحسن شعر الأستاذ الزهاوي (معد للطبع).
- (٤)ديوان بقايا الشفق: أودع المترجم هذا الديوان الرابع شعره الذي نظمه من بداية صيف سنة ١٩٢١ إلى يومنا هذا (معد للطبع).
- (٥)رباعيات الزهاوي: تتضمن المثنيات التي نظمها الشاعر الفيلسوف الزهاوي في مطالب متنوعة، عارض بها أبا العلاء وعمر الخيام، وأبلغها المائة والألف، وهي أقسام أربعة من بحور قصيرة، وقسم خاص من بحور مُختلفة. أمَّا المطالب التي نظم فيها فهي اثنا عشر مطلبًا: الغراميات، البؤس والشقاء، الشعر والشعراء، الإنهاضيات، الأخلاقيات، السياسيات، الفلسفيات، الاجتماعيات، الطبيعيات، الوصف والخيال، الشك واليقين، الجد والهزل. وما أبدع قوله في إهدائها:أُهديها إلى الأجيال الآتية، إلى الذين سوف يعيشون في بغداد غير بغداد هذه، وأنا يومئذٍ تراب صامت.
- (٦)ديوان الشذرات: مجمعة تتضمن مختارات دواوين الزهاوي كلها (على وشيك الطبع).
- (٧)ديوان نزغات الشيطان: يُقال إن للزهاوي الفيلسوف الناظم ديوانًا آخر بعنوان «نزغات الشيطان»، وعنوانه يدل على موضوعه.
- (٨)عيون الشعر: مجموعة تقع في نحو ٢٠٠٠ بيت اختارها الأستاذ الزهاوي من المجاميع الأدبية، ودواوين الشعراء على اختلاف عصورهم، وقسمها إلى أبواب جديدة في الشعر، وقد نُشرت فصول منها في بعض الصحف العراقية.
- (٩)كتاب الكائنات: ألَّف المُترجم كتاب الكائنات في الفلسفة في عنفوان شبابه ونشره سنة ١٨٩٦م، وهو يأسف أن جاء هذا الكتاب غير محكم الإنشاء لأنه من أوائل مؤلفاته. وقد قال فيه بابتناء جواهر المادة من قوًى دقيقةٍ تدخل فيها وتخرج على الدوام، وهي الإلكترونات.
- (١٠)كتاب الفجر الصادق: ألَّفه في الرد على مذهب الوهابية، وطُبع ونُشر في مصر سنة ١٣٢٣ هجرية، وقد ألَّف علماء الوهابية ردودًا عديدة عليه شحنوها بالسب والطعن في المؤلف.
- (١١)كتاب الجاذبية وتعليلها: كتاب فلسفي في الحكمة الطبيعية نشره مُؤلفه قبل ١٢ سنة، وذهب فيه مذهبًا يُخالف مذاهب حُكماء عصره أجمعين مرتئيًا أنَّ المادة لا تجذب المادة، بل أنَّ المادة تدفع المادة، وأبان أن الحجر الذي يسقط على الأرض لا يسقط لجذب الأرض إياه بل لدفع المواد في السماء إلى الأرض، وأورد على ذلك أدلة ذات شأن مبنية على قواعد العلم. وقد كتبت مجلة «المقتطف» في نقد الكتاب والرد على ما جاء فيه من الآراء، فأجابها المؤلف برد على نقده، وهكذا تكرر النقد والرد مرتين.
- (١٢)الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية: رسالة نُشرت قبل ١٣ سنة تباعًا في الأجزاء اﻟ ١ واﻟ ٢ واﻟ ٣ من المجلد اﻟ ٤١ من «المقتطف»، أيَّد فيها ما كان يذهب إليه من وضع الدفع مقام الجذب لتعليل ظواهر الكون، وصار يعلل أنواع الجاذبيات بناموس واحد؛ وهو دفع المادة للمادة بسبب إلكتروناتها التي تشعها بكثرة، وأخذ يُعلل بمبدئه المدَّيْنِ المتقابلين في وقت واحد على الأرض؛ مما كان يعجز عن تعليله العلماء على مبدأ الجذب، وقد أوضح المؤلف في هذه الرسالة سبب ارتباط النظام الشمسي بعضه ببعض، وقال بتولد الحرارة والنور في الشموس من الأثير المنعكس عن مراكزها بعد جريانها إليها، حفظًا للموازنة التي لا تزال تختل بطرد الإلكترونات له من بين الجواهر في كل جسم، مُبينًا أن هذا الأثير الجاري إلى الأجرام هو الذي يدفع الأجسام إليها، فيزعم العلماء هذا الدفع الخارجي جذبًا داخليًّا، وبيَّن بمبدئه سبب حدوث الزلازل، وشرح حالات ذوات الأذناب، وأماط اللثام عن توجُّه أذنابها إلى خلاف جهة الشمس، وعن سبب ابتعادها عن الشمس بعد أن تدور حولها دورة ناقصة، وعن بقاء القوة، وعن حقيقة الشمس، وقال بانحلال الشموس إلى السدم منكرًا تولدها منها.
- (١٣)محاضرة في الشعر: ألقى الأستاذ الزهاوي محاضرة نفيسة في الشعر في المعهد العلمي في بغداد سنة ١٩٢٢، بطلبٍ من المعهد، كان لها أعظم وقْع، وضاق المعهد بالسامعين، وقد نُشرت تباعًا في جريدة العراق البغدادية، وجُمعت مع ترجمة الأستاذ ورسمه في كتاب «سحر الشعر»، الذي جمعه كاتب هذه السطور وطُبع سنة ١٩٢٢ في مصر، وهو يتضمن مقالات وقصائد في الشعر والشعراء لنخبة من أكابر الأدباء المعاصرين.
- (١٤)كتاب في ألعاب الداما: مؤلَّف في ألعاب الداما جمع فيه ٥٠٠ لعبة لغيره من المشاهير، و١٠٠٠ لعبة من مخترعاته، واستنبط لتصوير هذه الألعاب طريقة بالأرقام فاستغنى عن خط الجداول، ووضع الحجارة في شكلين؛ فقدر بذلك أن يضع بضعة أرقام، ويدل بها على وضع أحجار الخصم ووضع أحجاره، وكيفية تحريك أحجاره، ليستوليَ على أحجار خصمه.
- (١٥)حكمت إسلامية درسلري: هي الدروس التي كان يلقيها الأستاذ في الفلسفة الإسلامية، على طلبة المكتب الملكي، في الآستانة نشرتْها مجموعة «دار الفنون» هناك.
وقد ترجم زهاء ١٧ قانونًا بين كبير وصغير من القوانين العثمانية لمَّا كان رئيسًا للجنة ترجمة القوانين في بغداد، في حكومة الاحتلال المؤقتة.
•••
كان بِوُدِّنا أن نبحث في فلسفة الأستاذ الزهاوي، وننظر في أقواله وآرائه، غير أننا أحجمنا عن هذا لأسبابٍ كافية، وقد أودعنا كل ذلك كتابنا «فيلسوف بغداد في القرن العشرين»، الذي ضمَّنَّاه ترجمة مطولة للأستاذ جميل صدقي الزهاوي، وبحثًا مُسْهبًا في شعره وفلسفته وأعماله على الأسلوب الحديث، وقابلنا بينه وبين النوابغ العرب، والإفرنج من معاصريه، فهو بهذا الاعتبار تاريخ العلم والأدب في العراق، بل في العالم العربي في هذا الطور، والكتاب لا يزال مخطوطًا.
•••





