قرأت لك

مراجعة كتاب شخصية الفرد العراقي للدكتور علي الوردي – الكاتب: احمد الروائي/ العراق

 
 

download 3


المقدمة: لقد كتب الدكتور كتاب “شخصية
الفرد العراقي” بعد أن ألقى إحدى محاضراته التي أذهلت الحاضرين، ويستحق أن
يطبق على الكتاب قول كافكا: “إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على
جمجمتنا، فلماذا نقرأه إذًا؟”
فهو ليس مجرد بحث يفي بشروط الدراسة العلمية،
بل يميل إلى أن يكون أكثر شبهًا بالمقالة الأدبية منه بالبحث العلمي. لفت انتباهي
كثيرًا اعتذار الدكتور عن تلك الجزئية، مبررًا ذلك بأنها “محاضرة كُتبت
لتُلقى في حفل عام، ولم يكن الهدف الأساسي أن تُطبع أو تُنشر على القراء بهذا
الشكل الحالي. صيغت على أساس استرسال الأفكار وتداعي الخواطر، ولا تتضمن فصولًا
منظمة أو حلقات متتابعة، حيث تقدم كل حلقة ما يليها وفقًا لتسلسل منطقي.” قد
يراها البعض سلبية قتلتها ايجابيتها، حيث تشد تركيز القارئ أكثر وتجبره على جمع
المعلومات بنفسه.
بشكل عام، ينقسم الكتاب إلى فصلين رئيسيين:
الفصل الأول يتناول بحثًا في الشخصية البشرية، والفصل الثاني يقدم دراسة لشخصية
الفرد العراقي من منضور سوسيولوجي¹ تحليلي. وفيما يلي تحليل عام وملخص للفصلين، ثم
الآراء والتقييم.
الفصل الأول: يتناول الفصل الأول دراسة
للشخصية البشرية بشكل عام، وذلك تمهيدًا لدراسة الشخصية العراقية بشكل خاص. ويتميز
هذا الفصل بالغنى والعمق. ويلقي الفصل الضوء أيضًا على تحديات الترجمة التي واجهت
مفهوم الشخصية، حيث لم يُدرس بشكل كافٍ في اللغة العربية، ومعظم الترجمات تأتي من
قبل مترجمين متخصصين في علم النفس.
كما نجح الوردي في تسليط الضوء على الجوانب
الاجتماعية للشخصية وإبرازها بفاعلية وفقًا لعلم الاجتماع. واستطاع أن يتوصل إلى
أن “الفرد، في حقيقته، ليس إلا نتاجًا لمجتمعه.” وكما قال كولي:
“الفرد والمجتمع توأمان يولدان معًا.” وفيما يتعلق بتعريف الشخصية
البشرية، عرّفها الوردي بأنها “مجموعة منظمة من الأفكار والسلوكيات والقيم
والعادات التي تتميز بها شخص ما عن غيره.” وعلى عكس ما كان يعتقد القدماء،
حيث كانوا يرونها كقطعة من الشمع يشكلها الإنسان كما يشاء، دون مراعاة أن الشخصية
تنشأ وتتطور وتنضج وفقًا لقواعد تتجاوز فهمهم القديم لها.
___________________________
المنظور السوسيولوجي¹: هو النظر إلى المجتمع
والسلوك من خلال عدسة علم الاجتماع.
يوضح الفصل أيضًا أن الشخصية تتنازع بين
ذاتين: الذات السفلى والذات العليا. والشخص الناجح هو من يصالح ويوفق بين هاتين
القوتين المتنازعتين. لقد تبين من خلال القراءة أن الشخصية البشرية تخضع لقواعد
المجتمع والأفراد والجماعات والبيئة “فالفرد يشتهي أمورًا لو تأمل فيها
لوجدها تافهة لا تستحق العناء والتكالب هذا. ولكنه مدفوع نحوها بدافع الإيحاء
الاجتماعي الذي يشبه التنويم المغناطيسي”. حيث نعيش في حالة تشبه التنويم
المغناطيسي، يمكن تسميتها (بالتنويم المجتمعي). فمنذ أن يفتح الطفل عينيه، يبدأ
المجتمع في الإيحاء له بما يجب عليه فعله، وما يجب عليه تركه، وما هو صحيح وما هو
خاطئ. ينخرط هذا الإيحاء في عقله الباطن، فيسير على أساسه، سواء كان مدركًا لذلك
أم غير مدرك.
 يختم
الفصل بإشارة إلى اعتقاد خاطئ يتعلق بالشخصية، وهو قول الناس عن أحدهم بأنه لديه
شخصية وأن شخصًا آخر لا يمتلك شخصية، كأن الشخصية في حدود معرفتهم كالجمال، فمثلًا
موجودة عند بعض الناس وغير موجودة لدى الآخرين. في الواقع، يتسم كل شخص بشخصيته
الفريدة، فالشخصية ليست حكرًا، ولا يخلو أحد منا من شخصية، وإنما يكمن الفارق بين
الأفراد في قوة الشخصية وضعفها، وليس في وجودها أو عدمها.
الفصل الثاني: كالعادة، يبدأ علي الوردي
بمقدمة تبرر موضوعه وتوضح أسبابه، ويسهم هذا التوضيح في دعم محتوى النص وإزالة
الإشكاليات التي قد تواجه القارئ. لا يقتصر التوضيح على سرد الحقائق، بل يشكل
تفاعلًا فكريًا يوضح المنطق السليم. يشير إلى أهمية فهم نفسية الشعب العراقي في
المرحلة الصعبة التي يمر بها، مشيرًا إلى ضرورة فهم شخصية الفرد العراقي لتسهيل
تقدمه في حياته الجديدة. ويعبر الوردي عن عدم رؤيته للفائدة من تجاهل عيوب بلاده
أو التباهي بمحاسنها، مؤكدًا أن لكل أمة عيوبها. كما يدعو إلى التركيز على إصلاح
العيوب بدلاً من التفاخر بالمميزات.
تحدث الوردي عن رحلته البحثية لفهم الشخصية
العراقية، مبرزًا أبعادها المعقدة والمتنوعة. ويسلط الضوء على التناقض أو
الازدواجية من خلال ثلاثة أسباب كانت جديرة في تكوين شخصية الفرد العراقي، ألا
وهي: الناحية الحضارية، الناحية الاجتماعية، والناحية النفسية. حيث أن الفصل برمته
قائم على تلك النواحي.
1الناحية الحضارية: يقع العراق في منطقة
جغرافية تتميز بمزيج من الحضارة والبداوة، حيث كان مهدًا لأولى الحضارات البشرية،
لكنه يقع أيضًا على حافة صحراء تعج بالبدو. وقد أدت هذه العوامل إلى صراع حضاري،
ولهذا الصدام أثر بالغ في شخصية الفرد العراقي، فهو مضطر إلى التوفيق بين قيم
البداوة والحضارة. وقد أثر هذا الصراع في شخصية الفرد العراقي، فأصبح مضطرًا إلى
التوفيق بين قيمتين متعارضتين في بعض جوانبهما، هما قيم البداوة والحضارة. ويميل
الفرد العراقي إلى التأثر بالطبقتين الاجتماعيتين المتعارضتين، طبقة البدوي الغالب
وطبقة الفلاح المغلوب. ومن دلائل هذا التضارب أن العراق هو البلد الوحيد في العالم
الذي يسيطر فيه قانونان، قانون عشائري وقانون مدني.
2الناحية الاجتماعية : يكتشف الوردي عاملًا
آخر يؤدي إلى الازدواج في شخصية الفرد، وهو ما يسمّيه علماء الاجتماع
“الجماعة الأولية”، أي البوتقة التي تنصهر فيها شخصية الفرد وتصبّ في
قوالبها النهائية، أي الأسرة. وفي الأسرة العراقية، تُلاحظ ظاهرة التجزئة، والتي
تعني انقسامًا في أنماط الحياة بين الرجل والمرأة والطفل. فالرجل يتعالى المكوث في
المنزل مع زوجته، مستمدًا قيمه من التقاليد البدوية التي ترتبط بالرحيل والمهمات
الحربية. مما جعل البيت العراقي عالمًا قائمًا بذاته بقيمه وقواعده، ويسهم ذلك في
ظهور ازدواجية الشخصية للرجل والمرأة. بالنسبة للرجل، فهو يتمتع بشخصية قوية
وصارمة في الخارج، بينما يتمتع بشخصية هادئة وحنونة في الداخل. أما بالنسبة
للمرأة، فهي تتمتع بشخصية خجولة ومتحفظة في الخارج، بينما تتمتع بشخصية قوية
ومستقلة في الداخل. أما من ناحية الطفل العنصر الثالث في الأسرة، فنجده ينمو ويلعب
في الأزقة، ويتلقى دروسا في احترام الكبار، فظهرت عليه شخصيتان: شخصية للزقاق، وهي
شخصية مرحة وعفوية، وشخصية للظهور أمام الناس، وهي شخصية مهذبة ومحافظة.
 
3الناحية النفسية: يرى الكاتب أن العوامل
الاجتماعية والنفسية مترابطتان ارتباطًا وثيقًا. فكل ظاهرة اجتماعية لها بُعد
نفسي، وكل ظاهرة نفسية لها بُعد اجتماعي. ويُقدم مثالًا على ذلك بأن أغلب الظواهر
النفسية للأفراد تعكس نوع المعاملة التي تلقوها في طفولتهم، مما يؤثر على تكوين
شخصياتهم وسلوكهم في مرحلة البلوغ.
يعتبر الوردي أن الازدواج اللغوي سببًا
رئيسيًا في ازدواج الشخصية العراقية والعربية، حيث يتمثل في استخدام لغة مختلفة في
الحياة اليومية عن اللغة المستخدمة في الكتابة والخطابة. كما يرى أن هذا الازدواج
يشكل سببًا رئيسيًا في النقد النفسي الشديد الذي يمارسه الفرد العربي على الآخرين،
حيث يرفض أي خطاب أو خطبة غير فصيحة، بغض النظر عن قيمتها العلمية أو الفكرية.
يشير إلى أن الازدواج اللغوي هو داء عام توارثناه، وهو سبب عميق يؤثر على الشخصية
العربية بشكل عام. يقترح الكاتب علاجًا بتوحيد اللغة العربية، حتى تكون نفس اللغة
التي نُتحدث بها هي التي نكتب ونخطب بها.
 
الآراء والتقييم: في ثنايا صفحات كتاب
“شخصية الفرد العراقي” للكاتب المبدع علي الوردي، نجد كنزًا ثمينًا من
الأفكار والرؤى الثاقبة التي تكشف لنا عن أسرار الشخصية العراقية. فهذا الكتاب،
الذي صدر قبل أكثر من 70 عامًا، لا يزال يحتفظ بمكانته المرموقة ويحظى باهتمام
كبير من قبل الباحثين والدارسين، ويبقى ذا قيمة علمية حتى يومنا هذا.
لعل السر في ذلك يعود إلى أسلوب الكاتب السلس
والبسيط وخلوه من التعقيدات اللفظية والبلاغية، الذي جعله في متناول القراء من
مختلف المستويات الثقافية ليعرض الأفكار بأسلوب تحليلي. وتحسب نقطة مهمة إليه من
خلال دراسة الشخصية البشرية قبل العراقية، فمن غير المعقول أن تدرس الشخصية
العراقية ما لم تدرس الشخصية البشرية.
 
لقد ساهم في إثارة العديد من النقاشات من
خلال إظهار النقاط السلبية، خاصةً صفة الازدواجية، والتي تدور حولها فكرة الكتاب
من خلال ربطها بالعوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي ساهمت في تشكيلها.
وكان الغرض من كتابته إصلاح عادة الازدواجية من خلال تحليل عميق وتاريخي.
تكمن نقاط قوة الكتاب في استخدام الأمثلة
والشواهد الموثقة، حيث يقدم الوردي في كتابه العديد من الأمثلة والشواهد
والمناقشات التي تدعم تحليله للشخصية العراقية. واتفق معه وبشدة في الموازنة بين
قيم البداوة وقيم المدنية لحل تراكب الشخصية. كما أتفق معه في أن الأسرة نواة
المجتمع، وأن المجتمع والفرد يولدان معًا في تكوين شخصية الفرد.
أعتقد أن الكاتب محق في تشبيهه بأننا خاضعين
للتنويم الاجتماعي، فالمجتمع يمارس علينا تأثيرًا قويًا، حيث يشكل أفكارنا
وسلوكنا. ولذلك، من المهم أن نكون على دراية بهذا التأثير، وأن نحاول التفكير
باستقلالية وتقليل الفارق بين الرجل والمرأة، وكما يجب حماية الأسرة والطفل،
وتوفير جميع الاحتياجات اللازمة لنموه الجسدي والعقلي.
ولكن لا أتفق مع اقتراحه بتوحيد اللهجة
العامية واللغة العربية الفصحى من أجل علاج التناقُض. فالأمر ليس بهذه البساطة،
ولنفرض أنها حلت، فإننا سنواجه مشكلتين: الأولى، غياب الهوية واللهجة العراقية.
الثانية، غياب الهوية واللغة العربية الفصحى.
قد أثار الوردي بعض المشاكل من خلال اعتماده
على التعميمات في بعض الأحيان، فلم يأخذ في اعتباره الاختلافات الفردية بين
العراقيين.
بينما يستهجن العربي لغة الخطبة غير الرنانة،
أي غير الصحيحة أو الفصيحة، كان يجب عليه أن يركز على المضمون والفكرة، كمثال
“أنا أشير إلى القمر، والأحمق ينظر إلى أصبعي”،
فمنذ قراءة الكتاب وحتى الآن، لا زال ذلك
الأثر متروكًا في حياتي، فأصبحت أكثر تركيزًا على المضمون، وأقل انتقادا للأخطاء
التي يمكن أن تفوت.
من ذلك المنطلق، وكشخص محب للشعر، لا أجد
علاجًا أبلغ وأوصف من بيت الشاعر أبو الأسود الدؤلي:    ابْدَأ بنَفْسِكَ فأنْهَهَا عَنْ
غَيِِّهَا                فَإذا انْتَهَتْ
عَنْهُ فأنْتَ حَكِيمُ
وفي النهاية، قد أضاف الكتاب بعضًا من
التنمية النقدية من خلال تضارب بعض الأفكار والحلول. ولكي لا نقع في فخ قداسة هذا
الكتاب، يجب كتابة مؤلف ثانٍ وثالث عن الشخصية العراقية، حتى وإن كان كتابًا في
إظهار الجوانب الإيجابية فقط، لما فيها من عوامل عدة تسمح لها أن تكون نموذجًا
دراسيًا، وستساعد هذه الخطوة على معالجة السلبيات المذكورة أو غير المذكورة.
وكتقييم نهائي، يُعتبر كتاب “شخصية الفرد العراقي” كتابًا مهمًا وغنيًا
بالمعلومات الفذة، ويستحق أن يُقرأ، خاصة لمن يحبون كتب علم الاجتماع. وفي
الحقيقة، شهادتي في الكاتب والكتاب مجروحة، وأنه يستحق أربع نجمات من أصل خمسة بكل
جدارة.      

 

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading