أدب عالمي

قصيدة رثائيّة في موت شاترتون – شعر : صاموئيل تايلر كولردج – تعريب : محمد الصالح الغريسي

Henry Wallis Chatterton Google Art Project

عندما يسافر طفل مسكين منكود الحظّ،

 متعثّر الخطى  عبر صحراء باهتة كئيبة ؛

عندما تفقد حلّة مزركشة كلّ ما هو جميل فيهاـ

و في قلب غابات الصّنوبر صدر يتآكل

( لا خوف من عقارب تدبّ على ذراعك الأيمن،

و  لا من مخاوف تسيطر على تفكيرك )؛

أيّها الموت ! هذي أجنحة ملاك السّلام فاشملها برعايتك؛

و بشّر قلب المريض التّائه بانتهاء معاناته !

أنت ، “شاترتون” !كنت هناك،  تحمي الحجارة اللّعينة من الوهن

و من كآبة الإهمال و برودته المجمّدة !

و كنت تهرب   من سطوة معاناة  الجراح المؤلمة،

كنت في دعة، على عرش الرّحمة الإلهيّة

و دونما موعد،  صدحت عاليا بالنّشيد في منتهى السّعادة

تحفّ بك الملائكة الوضّاءة !

حتّى الآن، ما أزال  في كثير من الأحيان ( تلبية  لنداء الطّبيعة) أبكي ذلك العبقريّ

الّذي ولدته السّماء،  ليسقط لا محالة ؛

و في كثير من الأحيان، كانت روحي في طفرة من أشدّ الأوقات حزنا،

تتجنّب الارتعاش أمام القدح المسموم.

الآن، يتمزّق قلبي البغيض ، و أنا لا أزال أشاهد جثمانك

تكسوه مسحة من لون أزرق رماديّ،

و الآن، موجة سخط عارمة

 وثبت عبر دمعة ترقرقت في عينيّ !

أهذا البلد هو  الحدّ الّذي ينتهي عنده النّشيد المجيد؟

أهذا البلد هو الّذي يستحيل فيه على العبقريّ، أن يذهب انكساره الشّامخ هدرا و دون فائدة؟

آه يا أنا ! ما يزال ” سبنسر”  أرقَّ شاعر ملحميّ و هبنا الله إيّاه ،

في ظلّ ما تخلّفه خيبة الأمل من إحباط،

كانت تمدّ أطرافها المنهكة في عزلة حزينة ،

و على طفلها الغالي الّذي فارق الحياة

وضعت رأسها في إشفاق و يأس،

بينما كان جسم ” أوتواي”  الجائع، يغرق  في الأرض الباردة ،

تحت وطأة تلك العاصفة الغاضبة الّتي لا ترحم؟

كان راقي الفكر، جيّد السّمعة

من أودية، تنحدر منها رياح نهر “أيفون” الشّادية

شباب نيّر القلب ! يمضي حثيثا إلى الأمام

مفكّرا في أغنية المستقبل.

كيف قهر “آيلا” ، خصوم ” داسيا”  في جسارة لا تعرف الخوف:

انظر، إلى  الرّؤى المشرقة،و هي ترفرف عاليا في  الهواء

كأنّها في مهرجان،

و إلى عينيه و هما ترقصان نشوة، و صدره و هو  يتوهّج نورا؟

آه ! إلى أين فرّت مفاتن نعيم الرّبيع،

و بريق البهجة الجامح، و وميض الضّوء على صفحة وجهك؟

شباب صاخب و عين يبدو عليها الإجهاد !

شكلك الّذي فقد حيويته، خطواتك المتسارعة الّتي رأيتها،

قطرات النّدى ، الّتي أخذت تتشكّل على جبينك البارد ،

رهيبة كانت تلك التّنهّدات التّي تخرج من صدرك !

هكذا كانت الصراعات في تلك السّاعة القاتمة،

عندما أحضرتْ عناية الملامح الذّاوية

قوّة السمّ:

كانت شفتاك بعدُ، قد رفعتا القدح !

عندما وقفت بالقرب منك عاطفة صبور

( مكشوفة الصّدر،  شاحبة الخدّ)

نظرتها المتجهّمة جعلتك تميل ببصرك

عن مشاهد قد تذيب روحك؛

ألقت نظرة على مهد طفولتك

مهدك الّذي ما يزال قريبا، كأنّه ليوم مضى

كان يبتسم بسلام يشفي الغليل،

و كانت تصغي إلى جنازتك؛

كانت صرخات أختك تقرع سمعك

و تثير دموع والدتك

انظر .. انظر إلى صدرها كيف تهزّه سكرات الموت،

و إلى احتضارها في صمت من هول المصيبة !

آه ! ألَْقِ قدح السمّ من يدك !

فألقيته نزولا عند طلبها الحنون،

لكنّ ذلك اليأس و السخط قد ازدادا

فعادت تروي من جديد ما حلّ بك من مصائب؛

ما لحق بك من إهانة كبرى، من صاحب القلب عديم الإحساس؛

من التّعويل الرّهيب على عقل ولد وضيعا،

بل تروي كلّ ما يدمي القلب،و  يؤلم روحك،

من إهمال، و ابتسامة مبتذلة، و ما أُرِيدَ تدبيره !

و تراجعت بسرعة، أنت أسوأ صديق للألم، يربكه موج الموت الأسود

في كلّ عرق من عروقه المتجمّدة !

أجل، إنّها الغابات، ذلك المدّ المنحدر مع جبل ” آفون ” الصّخري الشّاهق،  

حلو هو همسك لدى الأذن المتميّزة،  حين تهمس بعمق !

و لهذا السّبب ، حضرت هنا لتنسج لك إكليلا من السّرو

كلّ ذي عقل راجح،  يدرك دأب الشّاعر  على التّجوال،

كشعاع ّنجم  منعكس على مياه محبوسة،

يلمع في معزل بين أشجار ممتدّة الأغصان.

و هنا في ساعة الإلهام الشّغوفة

عندما تشعر معظم النّفوس الكبيرة بالقوّة المجنونة،

هؤلاء الوحوش، هذه الكهوف المتجوّلة،

 التّي يرتفع من حولها صراخ النّوارس،

واصل طريقه إلى الأمام بخطى غير متوازنة

يسكب على الرّياح أغنية متقطّعة:

قريبا على جبين الصّخور الصلدة الرّهيب،

سيتوقف فجأة – و يلقي نظرة على الأمواج في الأسفل.

مسكين هو ” شاترتون” يحزن على مصيرك

و هو الّذي كان يمدحك و يحبّك ، قبل فوات الأوان.

مسكين أنت ” شاترتون” ! وداعا ! لأحلك الألوان ،

ها أنا ذا أضع إكليلا على قبرك البغيض؛

لكنّي لم أعد أجرؤ على موضوع مُلْهِمِ الشّعر الحزين،

خوفا من أقارب المصائب أن يقنعوا قريب الموت !

من الآن فصاعدا، لن تسكن الأفكار الكئيبة روحي

في ما كان من الأفراح   لم تعد روحي قادرة على تحمّل المزيد من عبء

عار و حزن اليوم  المشؤوم ،

من الحكمة أن ننسى ! فوق محيط متعاظم ، يسمو بالآمال

أبحث عن  واد به كوخ،  حيث يمكن للفضيلة أن تتجوّل بخطى هادئة خالية من الهموم،

ترقص على ضوء القمر، مردّدة مواويل العشق لعبقريّ بارع ينسج سحرا !

أَيْ ” شاترتون”، يا من كنت لا تزال على قيد الحياة !

واثقا تنشر شراعك للعاصفة،

و الحبّ، يرافقنا بفريق من الأفكار، يقودنا

نحو وادي الحريّة، حرية مطمئنّة واحدة  لا تتجزأ،

و نحن مجتمعون حولك في عشيّة صاخبة،

متعلّقين في قمّة السّعادة بأغنيتك الجليلة !

نحيّي بالبسمات شابا ذا عيون شاعريّة

يلبس بكلّ رشاقة قناعا من العصور الغابرة.

للأسف !أوهام  زائفة ! هي طفرة عابرة

تخفّ ذاتيّا في مزاجها الحالم !

و مع ذالك أحبّ أن أتّبع حلما جميلا

حيث تصبّ ” مياه نهر ساسكيحنّا”  الجامحة،

و على جهة من التلّة المكسوّة بالغابات

الّتي يتصاعد منها خرير أمواج مدّه الأكثر هدوءا،

سيعلو قبرك المهيب

أصوات الأناشيد الجماعيّة ترافقها  موسيقى الأرغن الجنائزيّة الشجيّة !

و هناك، كان للريح عويل هادئ حزين .

يا ملاك الشّعر، ها أنا ذا قد تركت مواجع الأتراح خلف ظهري .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading