مقالات تأريخية

دُرُوسٌ، وَعِبَرٌ مِنَ التَّارِيخِ، وَالسِّيَرِ – بِقَلَمِ / حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

 

178441850 735112787125845 6339600111951669009 n

 
تساؤل جال بخاطري، وآل
بعقلي، وشحذ ذهني، وأربك فكري حين مطالعتي للسيرة النبوية بقصة السيدة زينب – رضي
الله عنها – وزوحها أبو العاص بن الربيع، هذا التسؤال أعياني إجابته فترة من
الزمن؛ حيث لم أجد له إجابة تهدي حيرتي، وأنشد بها ضالتي ؛ حتي يَسَّرَ اللهُ -تعالَي
– لي ما تستقر له نفسي ، ويؤمن به عقلي، ويطمئن له قلبي، وينعقد عليه فكري، وكان
ما يَسَّرَه الله تعالى لي من إجابة لتساؤلي لم أجده صريحًا، ومباشرًا بكتاب واحد
، بل جَمَّعته من شتات الكتب، ومبعثرات المراجع بعد قراءة طويلة ، ومطالعة حثيثة
لهذا الأمر؛ فقد استنتجت من خلال ربط الأحداث ببعضها، ومعرفة  التاريخ الزمني بدقة لبعض الأحداث للحكم بثبوت،
أو نفي بعض الأمور الهامة، والمتداخلة بهذا التساؤل ، بالإضافة للوقوف علي قاعدة
من الأدلة ترجح صحة ما أدعيه؛ حيث كان الإشكال علي نحو ما يلي :

(مقدمة التساؤل)
إذا كان أبو العاص بن
الربيع قد أُسِرَ للمرة الثانية بعد أسره أولَ مرة بغزوة بدر في رمضان بالعام
الثاني للهجرة؛ حيث وقع أسيرًا للمرة الثانية في سرية زيد بن حارثة بمنطقة العيص
في ١٣ جمادى الأولى للسنة السادسة للهجرة الثلاثاء ٢٩سبتمبر ٦٢٧ م أي قبل صلح
الحديبية بستة أشهر حيث كان الصلح في شهر ذي القعدة من ذات العام، وهو السادس.

-ثم هرب أبو العاص بن
الربيع من الأسر؛  فذهب ليلًا لزوجته
السيدة زينب بنت رسول الله- ﷺ – ، وطرق بابها طالبًا منها إجارته أي تطلب له
الأمان من والدها – ﷺ – وردِّ مال قافلته إليه الآتية من الشام، والذاهبة لمكة في
١٩ جمادى الأولى ٦ هجرية الاثنين ٥ أكتوبر ٦٢٧ م، وقد أجارته؛ وطالبت والدها – ﷺ –
برد مال قافلته إليه .
 
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : صَرَخَتْ زَيْنَبُ أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ
أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ
قَالَتْ : ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ 
– ﷺ – ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ ، فَقَالَ : ” أَيْ
بُنَيَّةُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ، وَلَا يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لَا
تَحِلِّينَ لَهُ “
 
– بعد إجارة السيدة زينب
لزوحها بخمسة أشهر نزلت آيات بصلح الحديبية بشهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة
تحرِّم الزوجة المسلمة علي زوجها غير المسلم إذا انقضت عدتها منه كقوله تعالى ( لا
هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)  ١٠ الممتحنة، وقوله تعالى: {وَلَا تُنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ
حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ
أَعْجَبَكُمْ }البقرة ٢٢١.
 
وكان تساؤلي علي هذا
النحو :
_________________________
لماذا قال النبي- ﷺ
-للسيدة زينب قبل صلح الحديبية في شهر جمادي الأولي للعام السادس للهجرة أي قبل
نزول آيات التحريم بخمسة أشهر، والقاضية بتحريم المسلمة على زوجها الكافر بحديث
ورد بالسنن الكبرى للبيهقي، وبتاريخ الطبري (أَيْ بُنَيَّةُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ،
وَلَا يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ لَهُ) فقوله – ﷺ -وَلَا
يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ لَهُ، دليل علي فسخ نكاحها من
زوجها؛ لأنه لم يسلم بعد، لكن التشريع بفسخ النكاح لم ينزل حين أجارت السيدة زينب
زوجها؛ حيث إن تحريم المسلمة علي زوجها الكافر كان بعد هذه الفترة بخمسة أشهر بصلح
الحديبية من شهر ذي القعدة للعام السادس حيث نزل فيه آية رقم (١٠) من سورة
الممتحنة والقاضية بتشريع التحريم بين المسلمة وزوجها الكافر بفسح النكاح بينهما
بقوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ
حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا
تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا
أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم}
.
 
وقد توصلت بفضل الله
تعالى، وتوفيقه لما يلي :-
 
أولًا: قول النبي- ﷺ –
لابنته  : “أَي بنية أكرمي مثواه
وَلَا يخلصن إِلَيْك فَإنَّك لَا تحلين لَهُ” ورد ببعض كتب السير مثل ،
(السِّيرَة النَّبَوِيَّة)لابْن كثير ٢/٥٢٠ دَار الْمعرفَة للطباعة والنشر، بيروت،
تَحْقِيق مصطفى عبد الْوَاحِد، /ص401 – وكتاب من الهدي النبوي في تربية البنات –
سادسا تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لبناته – المكتبة الشاملة، لكن عند التحري،
والبحث عن لفظ الحديث تبين وجوده بكتابين هما :
 
الكتاب الأول (السنن
الكبرى للبيهقي باب كيف الخطبة، رقم الحديث ١٣٠١٨)  :
وسند، ومتن الحديث هو :
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ
اللَّهِ الْحَافِظُ إِمْلاءً ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ،
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ
إِسْحَاقَ ، فِي قِصَّةِ خُرُوجِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ عَلَى
شِرْكِهِ خَلْفَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ : فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ،
عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : صَرَخَتْ زَيْنَبُ
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ ،
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى ، أَنْ قَالَتْ : ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ ، فَقَالَ
: ” أَيْ بُنَيَّةُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ، وَلا يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ،
فَإِنَّكِ لا تَحِلِّينَ لَهُ “
 
الكتاب الثاني (تاريخ
الطبري رقم الحديث : 573)
 
سند، ومتن الحديث هو :
 
فَحَدَّثَنَا ابْنُ
حُمَيْدٍ . قال : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ :
كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ : ” فَكَبَّرَ ، وَكَبَّرَ النَّاسُ
مَعَهُ ، صَرَخَتْ زَيْنَبُ مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي
قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ . فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ
، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنَ الصَّلاةِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ،
فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ
؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا
عَلِمْتُ بِشَيْءٍ كَانَ حَتَّى سَمِعْتُ مِنْهُ مَا سَمِعْتُمْ ، إِنَّهُ يُجِيرُ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ . ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلى ابْنَتِهِ ، فَقَالَ : ” أَيْ
بُنَيَّةُ ، أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ، وَلا يَخْلُصُ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لا
تَحِلِّينَ لَهُ ” .
 
وبالرغم من تردد قول
النبي- ﷺ – لابنته السيدة زينب (وَلا يَخْلُصُ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لا تَحِلِّينَ
لَهُ ) بكتب السيرة إلا أن هذا القول بروايتي الحديث الواردتين بكتابي السنن
الكبرى للبيهقي، وتاريخ الطبري ضعيفتين وإليك بيان ضعفهما :
 
فمن رواة الحديث بكتاب
السنن الكبري للبيهقي  :
 
١- أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ
الْجَبَّارِ ، واسمه(أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن
زرارة)، والشهرة : أحمد بن عبد الجبار العطاردي , الكنيه: أبو عمر، وهو ضعيف
الحديث.
 
٢- محمد بن إسحاق بن يسار
بن خيار، والشهرة : ابن إسحاق القرشي , الكنيه: أبو عبد الله, أبو بكر، وهو صدوق
مدلس.
 
وفمن رواة الحديث بكتاب
تاريخ الطبري :
 
١- محمد بن إسحاق بن يسار
بن خيار، والشهرة : ابن إسحاق القرشي , الكنيه: أبو عبد الله, أبو بكرو، وهو صدوق
مدلس.
 
٢-سلمة بن الفضل، والشهرة
: سلمة بن الفضل الأنصاري , الكنيه: أبو عبد الله، وهو صدوق كثير الخطأ.
 
٣-ابْنُ حُمَيْدٍ(محمد بن
حميد بن حيان) والشهرة : محمد بن حميد التميمي , الكنيه: أبو عبد اللهم، وهو متروك
الحديث.
 
وباتضاح ضعفها يهن الأخذ
بها، ويسقط الاستدلال بها، والاستناد لها، والاعتماد عليها، ولكن الشواهد، السابقة
علي تلك الرواية الضعيفة، والسابقة أيضًا لمشروعية التحريم من مسوغات ثلاث بتعليق
النكاح لا فسخه بين السيدة زينب، وزوجها غير المسلم في هذا الوقت قد توافرت لديها
مما دفع النبي – ﷺ – بأمره ابنته، ومَنْ علي شاكلتها مِمَّنْ أسلمتْ دون زوجها، ثم
هاحرتْ بألا تمكن زوجها منها في المعاشرة الزوحية فقط حتي يسلم، وهذا هو المعني،
والمغزي المقصود من الرواية الضعيفة، والتي لم تثبت صحتها  لكن مضمون العمل بمغزاها قائم لبراهين أخري غير
هذا الحديث الضعيف،
 
تلك المسوغات الثلاث هن :
 
(أ) إِسْلَامُهَا.
 
(ب) اخْتِلَافُ
الدارين(دار الإسلام، ودار الكفر) .
 
(ج) الهجرة إلي الله
تعالى، ورسولهِ بالمدينة .
وسيأتي لاحقًا بيان
تفصيلي  لتلك المسوغات الثلاث القاضية
بتعليق النكاح لا فسخه ، ومن العلماء مَنْ جعل تلك المسوغات سببًا لفسخ النكاح
خلافًا للتعليق ، والرد عليهم .
 
ثانيًا : اختلاف الآراء
بتاريخ إسلام أبي العاص بن الربيع كان سببًا رئيسًا في هذا التساؤل حيث تعددت الآراء
إلي قولين :
 
القول الأول :
 
إسلام أبي العَاصِ بنُ
الرَّبِيعِ كان بعد التحريم وتعددت الأقوال في تاريخ إسلامه علي النحو التالي :
 
 (أ) قيل أسلم في المحرم بداية سنة سبع للهجرة أي
أنه أسلم بعد شهرين من التحريم أي  أنه ما
زال بفترة العدة ، فَرَدّ عليه النبي – ﷺ -زوجته السيدة زينب بالنكاح
الأول(الواقدي من طريق محمد بن إبراهيم التيمي)
 
الدليل :
 
ذَكر الواقدي من طريق
محمد بن إبراهيم التيمي قال : خرج أبو العاص في عير لقريش ، فبعث النبي- ﷺ – زيد
بن حارثة في سبعين ومائة راكب ، فلقوا العِير بناحية العِيص في جمادي الأولى سنة
ست ، فأخذوا ما فيها وأسَروا ناسا منهم أبو العاص ، فدخل على زينب فأجارته ، فَذَكَر
نحو هذه القصة ، وزاد : وقد أجَرنا مَن أجَارَت ، فسألته زينب أن يَرُدّ عليه ما
أخذ عنه ففعل ، وأمرها ألاَّ يَقربها ، ومضى أبو العاص إلى مكة فأدى الحقوق لأهلها
ورجع فأسلم في المحرم سنة سبع ، فَرَدّ عليه زينب بالنكاح الأول . اهـ .
 
(ب) وقيل أسلم بالعام
الثامن للهجرة؛ حيث هاجرت زوجته قبل إسلامه بست سنوات، ومعلوم أن السيدة زينب قد
هاجرت في شوال للعام الثاني للهجرة، وبإضافة ست سنوات لإسلامه مع تاريخ هجرتها
بالسنة الثانية يكون الناتج هو العام الثامن للهجرة،
 
(ج) وقيل أسلم بعد سنتين
أي بعد سنتين من نزول آية التحريم، وآية التحريم رقم (١٠)بسورة الممتحنة معلوم
أنها نزلت بعد صلح الحديبية بشهر ذي القعدة للعام السادس للهجرة، وبإضافة سنتين
بعدها يكون ناتج التاريخ هو العام الثامن للهجرة.
 
الدليل :
 
قال الإمام أحمد : حدثنا
يعقوب ، حدثنا أبي ، حدثنا بن إسحاق ، حدثنا داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس
، أن رسول الله – ﷺ – ردّ ابنته زينب على أبي العاص ابن الربيع ، وكانت هجرتها قبل
إسلامه بِسِتّ سنين على النكاح الأول ، ولم يُحْدِث شهادة ولا صَدَاقًا .
 
ورواه أبو داود والترمذي
وابن ماجة . ومنهم من يقول : ” بعد سنتين ” ، وهو صحيح ؛ لأن إسلامه كان
بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين .
 
– علمًا بأن إسلام أبو
العاص بن الربيع بعد نزول آيات التحريم لا خلاف فيه، ولا التباس به سواء أسلم قبل
انقضاء عدتها أم بعده، طال الزمن أم قصر؛ لأن النبي-ﷺ- لم يكن يفرق بين الزوجة
المسلمة، وزوحها الكافر.
 
الدليل :
 
شواهد عدم التفريق بين
الزوجين لإسلام أحدهما كإسلام زوجة صفوان بن أميّة يوم الفتح، وإسلام زوجها بعد
شهر، ولم يفرّق بينهما رسول الله-ﷺ-.
 
وكذلك إسلام أمّ حكيم بنت
الحارث بن هشام يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة إلى اليمن؛ فارتحلت أمّ حكيم إليه في
اليمن، ودعته إلى الإسلام؛ فأسلم، وقدم على رسول الله – ﷺ – فأبقاهما على نكاحهما
ذلك، وإسلام أبي سفيان بن حرب عام الفتح، وتأخر زوجته هند بنت عتبة في الإسلام .
 
القول الثاني :
 
إسلام أبي العَاصِ بنُ
الرَّبِيعِ كان قبل نزول آيات التحريم، ويتفرع هذا القول علي المنحى التالي :
 
(أ) أسلم بالمدينة
المنورة في ١٩ جمادي الأولي بالعام السادس للهجرة قبل ذهابه لمكة لأداء الحقوق
لأهلها في أموال تجارته التي صودرت منه في سرية زيد بن حارثة بالعيص بنفس الشهر
الذي أُسِرَ به أي قبل صلح الحديبية بخمسة أشهر.
 
قال الواقدي في المغازي
(ص.393):
 
 “ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق
حقّه، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم شيء؟، قالوا: لا والله، قال فإني
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللهل، قد أسلمت بالمدينة وما منعني أن
أُقيم بالمدينة إلا أني خشيت أن تظنّوا أني أسلمت لأن أذهب بالذي لكم”،
 
(ب) وقيل أسلم قبل صلح
الحديبية بخمسة أشهر في ٢٩ من شهر جمادي الأولي سنة ٦ هجري بمكة المكرمة حينما ذهب
لأداء الحقوق المالية بتجارته لأصحابها ، والدليل علي إسلامه بمكة  :
 
حيث سافر أبو العاصِ بنُ
الرَّبيعِ الي مكة في ١٩ جمادي الاولي ٦ هجري، ثم وصل لمكة في ٢٩ من جمادى الأولى
٦ هـ الموافق الخميس ١٥ أكتوبر ٦٢٧ م؛ حيث تعتبر المسافة من المدينة لمكة (438.62
كم ) وهي ضعف المسافة من المدينة الي العيص وهي (٢١٥كم) فإذا كانت العيص تأخذ خمس
ليال فمكة تأخذ عشر ليال؛ ثم رَدَّ الاموال لأصحابها،وبعد الردِّ أسلم بذات شهر
جمادي الأولي في ٢٩ منه.
 
“ملحق يوميات سرية
زيد بن حارثة إلي العيص، وإسلام أبي العاصِ بنِ الربيعِ. ،ابن منظور بمختصر تاريخ
دمشق” .
 
وبناءً علي ما سبق من
آراء نخلص للراجح وهو :
 
أولًا : إسلام أبو العاص
بن الربيع كان في ٢٩ من شهر جمادي الأولي سنة ٦ هجري بمكة المكرمة حينما ذهب لأداء
الحقوق المالية الكامنة بتجارته لأصحابها، علي الرغم من أنه قيل بإسلامه بالمدينة
في ١٩ جمادي الأولي من نفس العام لكنه لم يعلن إسلامه علي الملإ، إنما أعلن إسلامه
بعد ذلك بمكة؛ لذا تم الاعتماد بإشهاره الإسلام في مكة هو التاريخ الأصح أي قبل
صلح الحديبية بخمسة أشهر، وقبل نزول آية تحريم المسلمة علي زوجها الكافر بسورة
الممتحنة آية رقم (١٠) والواردة بصلح الحديبية في شهر ذي القعدة للعام السادس
للهجرة .
 
ثانيًا : لم يثبت قول
النبي- ﷺ – لابنته السيدة زينب (أَيْ بُنَيَّةُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ، وَلَا
يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ لَهُ) لأنها رواية ضعيفة، لكن
الثابت بشواهد وقعت أن المرأة إذا أسلمت، وهاجرت فلا تمكن زوجها من معاشرتها حتي
يسلم لكن النكاح غير منفسخ بل معلق، وهذا الحكم قبل نزول تشريع يقضي بتحريم
المسلمة علي زوجها الكافر بالآية العاشرة من سورة الممتحنة.
 
ثالثًا : اجتمع بالسيدة
زينب ثلاث مسوغات لإيقاف النكاح ، وتعليقه بينها، وبين زوجها لا فسخه قبل التحريم
القطعي النازل بالآية رقم (١٠) الواردة بسورة الممتحنة، والقاطعة بفسخ النكاح بين
الزوجة المسلمة، وزوجها الكافر؛ حيث لم تكن قد نزلت تلك الآية بعد؛ لأن تشريع التحريم
قد نزل بصلح الحديبية في شهر ذي القعدة بالعام السادس للهجرة.
 
رابعًا : تلك المسوغات
الثلاث المتحققة قبل إسلام الزوج، والقاضية بتعليق النكاح لا فسخه هي :
 
(أ) إِسْلَامُهَا.
 
وممن ذهب إلي فسخ  النكاح، والفرقة بسبب اختلاف الدين بإسلام أحد
الزوجين قبل الآخر( عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عباس، والحسن البصري، وسعيد بن
جبير، وعطاء، وطاووس، وقتادة، وعمر ابن عبدالعزيز،والحكم بن عتيبة إمام أهل
الكوفة، وابن شبرمة، وأبو ثور ، بأن تقع الفرقة بينهما بمجرد إسلام أحدهما وتخلف
الآخر [الإشراف 4/ 208، المغني 6/ 616، فتح الباري 9/ 420.)
 
الدليل علي ذلك :
 
حينما اشترط النبي – ﷺ
  على أبي العاص قبل إطلاق سراحه أن
يسيِّر إليه ابنته زينب من غير إبطاء،كان ذلك بدافع أن لا تبقى امرأةٌ مؤمنةٌ عند
زوج كافر، فقد يحملها هذا الزوج على معصية الله، وقد يأمرها بما يغضب الله ،
فالحكم الشرعي ألا تبقى امرأةٌ مؤمنةٌ تحت زوج مشرك أو كافر (موسوعة النابلسي
د/محمد راتب النابلسي (الصحابة الكرام : 20 – سيدنا أبو العاص بن الربيع) .
 
-وقد تعددت الآراء
الفقهية بين من يري الفسخ لمجرد إسلام الزوجة سواء أسلم الزوج بعدها بطرفة عين، أو
أكثر، أو لم يسلم، ولا سبيل له عليها إلاّ بنكاح جديد بعد إسلامه، هذا رأي ابن حزم
ومن معه من الظاهرية.
 
وقد استدلّ بقوله تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ
فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ
فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ
لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ
إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ
اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} .
 
 ورأي الفسخ هذا بمجمله مردود عليه بما يلي :
 
أولا : آية التحريم
القاضية بفسخ النكاح نزلت لمن أسلمت بعد نزولها فتحدث الفرقة بفسخ النكاح بين المسلمة،
وزوجها الكافر؛ بآية الممتحنة رقم (١٠)، لكن بتلك القصة لم تكن الآية نزلت بعد حتي
يتم تحريم السيدة زينب علي زوجها، وفسخ نكاحها منه؛ حيث نزلت الآية بعد صلح الحديبية
بالعام السادس للهجرة في شهر ذي القعدة بينما أسلمت السيدة زينب بالعام الأول
لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم أي قبل صلح الحديبية بتسعة عشر عاما من مشروعية
التحريم.
 
(ب) اخْتِلَافُ
الدارين(دار الإسلام، ودار الكفر )وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ،وجعله سببًا
للفِرّقَة بَيْنَهُمَا لا التعليق.
 
والأحناف يرون أن اختلاف
الدار لا الإسلام سبب للفرقة؛ حيث يفرّق بين دار الإسلام ودار الحرب،  فإذا أسلم زوجها خلال العدّة (ثلاث حيضات أو
ثلاثة أشهر) فالنكاح باق بينهما، وإذا لم يسلم وقعت الفرقة بينهما، حيث إن  الفرقة تقع، لا بمجرّد إسلام الزوجة، لأنّ
الإسلام طاعة، والطاعة لا تكون سبباً لتفويت نعمة الزوجية وانقطاع النكاح. لكن لو
أبقينا النكاح بينهما فإنّ مقاصده لا يمكن أن تحصل، إذ لا يجوز تمكين الكافر من
استفراش المسلمة، فيُعرض الإسلام من غير إكراه على الزوج حتّى إذا أبى الدخول في
الإسلام كان إباؤه هذا سبب الفرقة، وهو يصلح لذلك لأنّه معصية. لكن عرض الإسلام
غير ممكن إذا كان مقيماً في دار الحرب، فيقام شرط البينونة في الطلاق الرجعي (وهو
مضيّ ثلاث حيضات أو ثلاثة أشهر) مقام سبب الفرقة، ويكون مضيّ مدّة العدّة بمنزلة
تفريق القاضي .
 
ورأي الأحناف مردود عليه
بما يلي :
 
الحالات السابق ذكرها من
اسلام أحد الزوجين دون الآخر ، وهجرته لدار الإسلام، ولم يثبت أن رسول الله -ﷺ- قد
فرق بين حالة واحدة كإسلام أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام يوم الفتح، وهروب زوجها
عكرمة إلى اليمن؛ فارتحلت أمّ حكيم إليه في اليمن، ودعته إلى الإسلام؛ فأسلم، وقدم
على رسول الله – ﷺ – فأبقاهما على نكاحهما ذلك.
 
(ج) الهجرة إلي الله
تعالى، ورسولهِ بالمدينة .
 يري البعض بأن هجرة الزوجة الى الله، ورسوله
كافية للفرقة بينها، وبين زوجها الكافر.
الدليل علي ذلك :
 
ما قَالَه ابْنُ شِهَابٍ
الزهري : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إلَى اللَّهِ، وَإِلَى
رَسُولِهِ، وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إلَّا فَرَّقَتْ
هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا
مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ
امْرَأَةً فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إذَا قَدِمَ وَهِيَ فِي
عِدَّتِهَا( رَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ) [ ص193 – كتاب نيل الأوطار
– بَابُ الزَّوْجَيْنِ الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر – المكتبة الشاملة الحديثة.
 
-وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ
النَّبِيِّ – ﷺ – وَمِنْ الْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ
يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ
وَلَا يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إذَا هَاجَرَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ
لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا
النِّكَاحُ، وَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُنْكَحَ رُدَّتْ إلَيْهِ»ص193 –
كتاب نيل الأوطار – باب الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر – المكتبة الشاملة
الحديثة.
 
وهذا الرأي مردود عليه
بما يلي:
 
حالات كثيرة أسلمت فيه
الزوجة ثم هاجرت، ولم يفرق النبي – ﷺ – وسلم بينها، وبين زوجها، كإسلام زوجة صفوان
بن أميّة يوم الفتح، وإسلام زوجها بعد شهر.
 
خامسًا : رواية البيهقي
الواردة بالسنن الكبرى، وتاريخ الطبري (أَيْ بُنَيَّةُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ،
وَلَا يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ لَهُ) ضعيفة، وغير صحيحة؛
فلم تثبت عن النبي- ﷺ –  لكن هناك شواهد
أخري سابقة لتلك الرواية الضعيفة، وسابقة أيضا عن مشروعية التحريم النازل بصلح
الحديبية بالآية العاشرة من سورة الممتحنة، هي تلك المسوغات الثلاث القاضية بتعليق
النكاح لا فسخه، وهي : (الإسلام، واختلاف الدارين ، والهجرة) والتي توافرت بالسيدة
زينب؛ فقد اقتضت تلك المسوغات تعليق النكاح لا فسخه بأمرَ النبي- ﷺ – ابنته، ومَنْ
علي شاكلتها ممن أسلمت ثم هاجرت؛ بعدم تمكين زوجها منها بما يفيد، ويحقق معني
” وَلَا يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ ، فَإِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ لَهُ” وإن
كانت تلك الرواية ضعيفة، وغير صحيحة، ولم تثبت؛ وأن قول النبي- ﷺ – ذلك ليس دليلًا
علي الفرقة بين الزوجين، لكنه دليل علي تعليق النكاح أي إيقاف المناكحة والمعاشرة
الزوجية بينهما، لكن الحياة الزوجية فيما عدا المعاشرة مستمرة ، وإيقاف النكاح
سببًا حتي يؤمن مثلها بدلالة قول النبي – ﷺ – لها (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)  (وَلَا يَخْلُصَنَّ إِلَيْكِ) علي افتراض صحة هذا
القول.
 
 
وهناك بعض النقاط الهامة
ينبغي التركيز عليها، وهي :
(أ) أسلمت السيدة زينب
بالعام الأول لبعثة المصطفي- ﷺ – أي قبل تسعة عشر عامًا من نزول آية تحريم المسلمة
علي زوجها الكافر.
 
(ب) بالعام الأول لبعثة
المصطفي – ﷺ – وببداية رسالته بمكة لم يكن النبي – ﷺ – يحل، ويحرم، بل كان الأمر
قاصرًا علي الدعوة سرًّا فقط، وعبادة الله- تعالى- ، وتوحيده ،ولم يكن للإسلام أي
شعيرة ظاهرة تذكر من صلاة، أو صيام، أو زكاة، أو حج؛ حيث فرضت الصلوات الخمس ليلة
الإسراء بالنبي- ﷺ –  وذلك بمكة قبل الهجرة
بسنة، وقيل قبل سنة وشهرين(أي بعام ثلاثة عشر من البعثة) وقيل قبل سنة، وأربعة
أشهر(أي بعام اثنا عشر من البعثة) ، وقيل بالسنة العاشرة للبعثة ، وكان الفرض قبل
ذلك ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي؛ ثم زيدت بعد ذلك ،وقيل فرضت هكذا بالسفر ثم
أقرت بالحضر، ثم فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة، كما فرض صيام رمضان في
شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة، واختلف في أي سنة فرض الحج على عدة أقوال:
فقال بعضهم: فرض سنة ست، واستدل بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}
[البقرة:196]، وقد نزلت في الحديبية، والحديبية كانت سنة ست، وقال بعضهم: فرض سنة
سبع، وقال آخرون: فرض سنة ثمان، وقال آخرون: فرض سنة تسع، أو عشر.
 
-فقد كان المسلمون ببداية
البعثة قلةً مستضعفين، يخفون كل شيئ حتي إسلامهم،ولم يكن ثمة أي تشريع من حلال، أو
حرام، أو فريضة، أو نسك، أو فسخ نكاح؛ لإسلام أحد الزوجين سوى الدعوة لتوحيد الله
تعالى، وعبادته، والإيمان به فقط حينما أسلمت السيدة زينب بهذا العام، ولهذا كان
طبيعيًا، ومنطقيًّا ببداية الدعوة أن توجد المسلمة بعصمة زوجها الكافر دون حرج، أو
تحريم، أو فسخ لنكاحهما كالسيدة زينب، وزوجها أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ؛ لذا قال
ابن كثير في تفسيره : كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشركُ المؤمنةَ ؛
ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي-ﷺ-السيدة زينب- رضي الله عنها- ،
وقد كانت مُسْلِمة وهو على دِين قومه.
 
(ج) هاجرت السيدة زينب
بعد غزوة بدر بشهر أي بشوال للعام الثاني من الهجرة.
 
(د) أُسِرَ أبو العاصِ
بنُ الرَّبيعِ علي يد زيد بن حارثة بسرية العيص، ثم استجار بزوجته في شهر جمادي
الأولي بالعام السادس للهجرة؛ فأمر -ﷺ- 
ابنته السيدة زينب بعدم تمكين زوجها منه، وهذا ما ثبتت صحته وتواترت أدلته،
لكن لم يثبت أن النبى-ﷺ- أمر ابنته بأن تعتد من زوجها؛ لتكون حرة منه في تقرير
أمرها، وامتلاك زمام قرارها في الاختيار بين الزواج بغيره، وبين الإبقاء علي زوجها
إذا أرادت، ولا دليل من كتاب، أو سنة يدعم هذه الوجهة، لكن ماورد على خلاف ذلك،
ويناقضه، ويهدمه، ولا يثبته، ومن زعم مكثها فترة عدتها ،فإن أسلم لم يحتاجا إلى
عقد جديد،بل هو زوجها مردود عليه بأننا لو سلمنا بصحة قول من ادعى بأمر النبي-ﷺ-
لابنته السيدة زينب بالاعتداد من زوجها قبل نزول آية التحريم ؛ فقد أسلم في نفس
شهر اعتدادها منه أو بعده بأيام فلم تنتهِ عدتها منه، والمحددة بثلاثة قروء أي
ثلاث حيضات في ثلاثة أشهر ؛ إذ ما زالت بعصمته، ولذلك ردها النبي ص إليه أي أرجعها
له أي أعادها لبيته بنفس نكاحهما الأول دون عقد أو مهر جديدين، وحتي لو انقضت
عدتها منه فلا بأس بذلك؛ حيث ترى بعض الآراء الفقهية بانتطار الزوجة زوجها، ولو
سنين،ولكن لا تعاشره معاشرة الأزواج ،هذا إن شاءت ،وإن شاءت تزوجت بعد العدة.
 
-بل إن مراعاة زمن العدّة
لا دليل عليه أصلًا من نصّ ولا إجماع، ولا يُعرف في شيء من الأحاديث، ولا كان
النبيّ – ﷺ – يسأل المرأة إذا انقضت عدّتها أم لا. لكن الذي دلّ عليه حكمه – ﷺ
-أنّ النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدّتها فهي زوجته، وإن انقضت عدّتها فلها
أن تنكح من شاءت، وإن أحبّت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد
نكاح. (الشيخ فيصل مولوي-رحمه الله تعالى- نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء
والبحوث)، فهذا رأي الإمام ابن القيّم ذكره في إعلام الموقّعين [جـ 2، ص 351] وفي
زاد المعاد [جـ 5، ص 133 وما بعدها]، وقد نقله عنه الصنعاني في سبل السلام وعقّب
عليه مؤيّداً بقوله: (وهو أقرب الأقوال في المسألة) كما نقله الشوكاني في نيل
الأوطار وقال: (هذا كلام في غاية الحسن والمتانة).
 

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading