وجهاً لوجه

قصائد الشعر الحديث…مشكلة في مقاييس التذوق …أم المشكلة في الغموض والأبهام فيما يكتب؟ تحقيق/ علي صحن عبد العزيز

 

collage 1


جرى التسليم بأن لكل عصر
متذوقيه من الشعر ،لكنها تختلف بتفنن الشعراء ومدى أستخدامهم للغة أو المفردة في
صياغة قصائدهم ، فالشعر ليست نشرة للأخبار أو بلاغ ما يمكن قراءته مثل مرور الكرام
، وإنما هو كلام يسحرنا نحو أعماق النفس مع أسلتهام لكل ما يستشف عنها داخل هذا
السياق من تركيب ثقافي وأنساني بمعناه المطلق ، وعند هذه الجزئية يقول (ستيفن
أولمان) : بأنه ليست هناك علاقة مباشرة بين الكلمات والأشياء إلا علاقة مفترضة،
وعلى فرض أننا استطعنا أن نعين لب المعنى وجوهره بصورة لا يتطرق إليها الشك، فأن
حدود هذا المعنى سوف تظل غائمة ومائعة، مع إحتمال وجود حالات كثيرة من التداخل بين
هذه الحدود ) .
وسؤالنا: الحداثة في
الشعر بأن نجد توازن بين الشكل والمضمون ، وأن أي أخلال بواحدة منهما سيؤدي إلى
غموض القصيدة ، ومن هنا هل تعتقد بأن الأيحاء في منظور الشعراء أصبح لغة ذات أبعاد
غير مالؤفة وغامضة لتخفي خلفها شلالات ضبابية جعلت الكثير من القصائد تسبح في جو
من الغموض والأبهام، أم ترى هذه الإشكالية مشكلة في التذوق لدى المتلقي حتى يقرأ
القصيدة مرة ثانية وثالثة لكي يدرك معناها؟.
سمات القصيدة الجديدة
د. سعد ياسين يوسف/
أكاديمي وشاعر/ العراق :
من المؤكد أن القصيدة إذا انحدرت إلى التقريرية والمباشرة
فقدت سمة الإدهاش والتي هي أهم سمات القصيدة الحديثة ، وإذا  اتسمت بالغموض حدّ التعمية فقدت سمة التفاعل مع
القارئ والذي هو الطرف الثاني في عملية التلقي ، ففي الوقت الذي يجب فيه على
الشاعر أن يتقن بناء الصور الشعريّة بعيداً عن السائد والمألوف المُستهلك ويحكم
رموزها ومعانيها بعيداً عن التقريريّة عليه أن يترك بعض المفاتيح داخل النصّ وبما
يشغّل آليات التلقي لدى القارئ وترتقي به إلى رؤى متوالدة تصل به أحياناً إلى حدّ
بناء نصّ تفاعلي جديد من وجهة نظر القارئ وفهمها من خلال تلك المفاتيح، التي تختلف
مداليلها من شخصٍ إلى آخر ، وهنا الشاعر غير ملزم بتبسيط النصّ ليفهمه الجميع ،
بلّ على المتلقي أن يطور أدواته ، وبالتأكيد في كل مرة تضيف القصيدة الجيدة
المتمنعة شيئاً جديداً للقارئ وتتعدد القراءات وتختلف من متلقٍ لآخر ، وهذا ما
تهدف إليه القصيدة الحديثة هو تشغيل ذهن القارئ والمشاركة في مغامرة البحث للوصول
إلى لذة أكتشاف المعنى والتي لا تضاهيها لذة.
الغموض مطلوبًا ومرفوضًا
د. غزاي درع الطائي/ شاعر
وكاتب/ العراق:
تنماز لغة الشعر بأنها ليست مباشرة بل موحية، وفيها أنزياح يؤهلها
لإبداع صور جمالية غير مسبوقة، وقد يستعمل الشاعر الرمز أو القناع لإيصال المضامين
الشعورية والعاطفية والفكرية، وبحثًا عن الدلالات والصور الجذابة، وكل هذا يعمد
إليه الشاعر من أجل أن يشارك المتلقي في الكشف عن الأفكار والمعاني والصور التي
يقدمها، وليس كل غموض يدل على العمق، فهناك غموض يشي بضبابية الفكرة التي يعبر
عنها الشاعر، وعدم وضوحها عنده، وقد يكون من أسباب الغموض خوف الشاعر من المكاشفة
والمصارحة في ظل غياب الحريات، ومما يؤسف له أن هناك من يرى أن الغموض مقياس
للحداثة ومعيار للإبداع، ولو جاء الغموض طبيعيًا فستكون له قيمته الفنية والجمالية
التي لا يمكن إنكارها، أما إذا كان الغموض صناعيًا ومقصودًا لذاته، فهذا ليس من
الشعر ولا من الفن في شيء، ولربما أحتاج الشعور بلذة النص إلى ثقافة موسوعية في
الفلسفة والفكر والتصوف والتراث والشعر والفولكلور توازي ثقافة الشاعر الذي كتب
النص، وكل غموض فني يمكن إدراكه بالتأمل والتَّدبُّر، وهو يحث القارئ على التأويل
والتحليل والتذوق والتفسير والمشاركة في الكشف عن الجماليات، وهذا ما لا يعجب
القارئ المتعجل الذي يريد الوضوح والسهولة والجاهزية، ولا يكلف نفسه الوقوف
ومساءلة الذات في ظلال النص الذي يقرؤه، وتظل مسألة الغموض في الشعر بشكل خاص وفي
الفنون بشكل عام تحت النظر في كل زمان وفي كل مكان، وممتدة ومتشعبة ولها أسبابها
وضروراتها المختلفة.
تغيير ذائقة المتلقي
د. أزهر سليمان/شاعر / العراق
:الشعر اليوم هو غير شعر الامس أو غدًا ، يتغير أسلوب الشاعر في أنتقاء كلماته
وتشكيل صوره وأستخدام لغته ،كما أن ذائقة المتلقي تتغير بدورها ،ويمثل القارئ
عاملًا مهمًا في أعادة تشكيل القصيدة ، ومن خلاله تكمل الولادة ، القفز من فوق
الزمن صوب الماضي أو المستقبل هو هروب من الحاضر ، فتقليد الشعر الجاهلي وما أعقبه
هو محض أجترار لا طائل منه ، والكتابة برمزية عوالم لا تمت لنا بصلة هو هذيان محض
، وأنا أؤيد الأسلوب الشعري الذي يطغي عليه الأنزياح بلغة سهلة ومفهومة ، ولا أحب
الصراخ في إلقاء القصائد لأستثارة مشاعر المتلقين ، يسقط الشعر أن يستجدي مشاعر
الآخرين بطرق ممجوجة ، الشعر هو من يجعلنا نفكر ونفكك ذواتنا بحثًا عن حقيقة
الأشياء ، وهو فلسفة الوجود وتأمل العقل في كون مترامي الأطراف.
طلاسم وألغاز
د. هيثم أحمد حسين /أستاذ
الأدب العربي الحديث المساعد في كلية التربية للعلوم الإنسانية جامعة الموصل/
العراق
:أرى أن قضية فهم الشعر وتذوقه يتقاسمها كل من الشعراء والمتلقون لشعرهم،
فبعض الشعراء يجعلون من قصائدهم عبارة عن طلاسم وألغاز وهذا ما يفقد القصيدة
جمالها ورونقها ، وهذا ما يتسبب بإحجام المتلقين عن قراءتها وتذوقها، إذ إن
المتلقين، وأنا منهم، يبحثون عما يثير مشاعرهم وأحاسيسهم ، ويدغدغ عواطفهم، وينمي
أفكارهم ورؤاهم، أما إشغال المتلقي بما تتضمنه أبيات القصيدة من رموز غامضة وأراء
لا تدغدغ فكر.
أفتقاد معاني اللغة
د. شيماء عراقي / مصر :
التذوق وفقدان الحس الجمالى للشعر ، أفتقدنا تذوق الشعر فأصبح لدى المجتمع أمية في
تعلمه وفهمه وتذوقه نظرًا لعدم وجود محتوى جيد، ولجهلنا باللغة العربية الفصحى فى
ظل التحديات بأنتشار اللغة العامية واللغات الأجنبية ، فأصبحت كلمات اللغة العربية
غريبة في مجتمع عربي الهوية ، ومن ثم أصبح الشعر غريب للمتلقى نظرًا لأفتقاده فهم
معاني اللغة ، ومع تغير الأذواق من كلمات غريبة على المجتمع ، ومع قلة وجود شعراء
يقدمون لنا شعرًا يؤثر بوجدان المستمع، ومع عدم أستخدام مفردات تطرب الأذن وعدم
الألتزام بالقافية وجمالها عزوف المتلقي عن سماع الشعر وأستماعه لبدائل كالأغاني
صاخبة اللحن مفتقده جمال الكلمات ، فتراجعت أعداد هواة الشعر وقله المهتمين به ،
ودخول الهواة على ساحة الشعر وفقدانهم للحث والموهبة وضعف اللغة ومفرداتها فى
أبيات الشعر لديهم.
مهماز فكري
سعدي عبد الكريم/ كاتب
وناقد / العراق
: وفق رأينا النقديّ نرى الشعر هو المُلامس الحقيقي لفسحات الدهشة
التي تفجرها لحظة الإبتكار، والشاعر هو الباثّ لهذا النشاط الواقعي أو المُتخيَّل
الذي من شأنه أن يسمو بالذات البشرية إلى مباعث الإلهام، ومناشط الأنعتاق، ونحن
نرى أن من أهم المعايير الوظائفية التي يقوم عليها الشعر، هي الأرتقاء بالذائقة
الجمالية الجمعية، لأنه المؤشر في قياس مستويات الوعي، بأعتباره جنس من أجناس
الأدب رغم أختلاف وتنوّع مسميات أجناسه وفق معطيات العصر الذي ينتعش فيه هذا الجنس
الأدبي، الذي نعتبره من أهم المُتبنّيات التي تقاس عبرها ثقافات وتطور وتحضُّر
الأمم والشعوب، وهو العامل المشترك الفاعل والمتفاعل مع جميع الفنون والآداب، لأنه
من الموارد الثقافية والإنسانية الحيّة التي تتجوَّل في ذاكرة البشرية منذ بدايات
أستخدام اللغة بأعتبارها المٌتداول القصديّ للتفاهم بين البشر، والشعر هو المهماز
الفكريّ والحسيّ الذي يبعث في النفوس الشعور النبيل في تجديد ملكاتنا الخاملة،
وتحقيق أحلامنا المؤجلة ، وكذلك نعتقد بأن وظيفة النقد هي تأشير الجيد من الشعر عن
قبيحه، ومنذ عُرف الشعر قديماً وحديثاً يوجد شعراء جيدون، وآخرون هابطون من شاهق،
المهم في الأمر الشعر في العراق بخير، ما دام هناك شعراء يعرفون كيف يُكتب الشعر،
لأنهم شعراء.
رؤيا واضحة
الاديبة فاطمة منصور/
لبنان :
أشكالية الشعر الحديث، وتحديدًا قصيدة النثر كانت وتبقى محل تناقض في
الاذواق ووجهات النظر لمفهوم الشعر ، ومبدئيًا ليس الشعر مجرد أوزان وقافية وما
ألى ذلك، بل هو حالة شعورية تفترض طاقات لغوية ورؤيا واضحة وذوق متميز ، ومن
البديهي القول أن للشعر أيحاءات تميزه عن النثر ، لكن المشكلة أزدادت تعقيدًا مع
تفلت القضية لتصبح مشاعًا بين مدعي الشعر وطلاب الشهرة ، وطبيعي بأن يكون هناك
توازن بين المضمون والشكل، إلا أن هنالك من يرى الحداثة في جعل النص في غاية
الغموض دون مراعاة لأي سياق متصل ما يوفر المتلقي من الشعر والعودة للتمسك
بالتقليدي بحجة أفتقار الحديث للأيقاع التقليدي.
 حيرة القارئ
حسين عجيل الساعدي/ ناقد
وباحث / العراق: الذائقة الشعرية عند القارئ تعاني من ظاهرة الغموض والإبهام في ظل
مفاهيم الحداثة الغربية الوافدة التي أحاطت بالنص الشعري المعاصر ، فيجد القارئ
نفسه أمام شعراء، لا يجد الشعر إلا عند البعض منهم ، فمهما بلغ من فهم النص، فإنه
لا يصل إليه ، وقد يجد نفسه محرجاً أمام نصوص غامضة الى حد الإبهام، لم يستطع فك
مغاليقها، مما ساهمت في توسيع الهوة بينه وبين الشعر، وأصبح القارئ في حيرة من
أمره، لا يدري هل هو أمام نصٍ شعري أم طلسم من الطلاسم التي يستعصي فك رموزها ،
فعلى شعراء قصيدة النثر أن لا يلوون عُنق النص ويغرقونه بالغموض إلى حد الإبهام،
فيفقد النص مفاتيحه وشفراته فيصبح غائم المعنى ، وأن لا يفتحوا الباب على مصراعيه
للشعراء الجدد ليتخذوا الغموض والإبهام حجة في نتاجهم الشعري.
دلالة سلبية
عبد الناصر الجوهري/ مصر
: العرب كانت تطيل ليسمع منها وتوجز ليحفظ عنها ، هكذا تعلمنا من الثقات ، وإذا
كان المقصود من الغموض هو إخفاء المعنى وعدم وضوح المراد من الكلام ، فالغموض
يشترك مع الإبهام في الدلالة السلبية، لأنه يتعلق بأختيار الألفاظ والمعنى أولًا و
يتصل بالمتلقي ثانيًا ، فيما أختلف النقاد والشعراء في رؤيتهم للغموض والوضوح في
القصيدة الشعرية ، فأنصار الوضوح وعلى رأسهم الجرجاني عاب على أبي تمام اجتلاب
المعاني الغامضة ، أما أنصار الغموض وعلى رأسهم طه حسين يرون أن الغموض قمة
الشاعرية ، بينما الفريق الثالث وعلى رأسهم عبد الرحمن بدوي يرون أنه لايمكن أن
يقوم أحدهما بذاته لأن الأمر يتوقف عما يعبر عنه الشاعر، هل هو مما يحتمل الوضوح
أو مما لا يرى إلا في الظلال أو ضوء العتمة.
تردي الذائقة
شلير كاظم/العراق :
الأيحاء في شعر الحداثة هو سرد خبري يهتم بالربط بين الكلمات والواقع بعيدًا عن
الجانب الفني الإبداعي ، لذلك يفتقد التأثير العاطفي والوجداني الذي يمتلكه الشعر
العمودي ، وتردي الذوق وعجز الكتاب والشعراء عن الأتيان بالنمط القديم ، ومحاكاة
القوافي الرصينة كان العامل في سرعة أنتشار هذا النوع من الشعر.
تفاوت المواهب والقدرات
زهيدة أبشر سعيد
مهدي/السودان: الشِّعرُ كلماتٌ موزونةٌ أو مقفيَّةٌ مفهومةُ المعنى ، فمعَ توالي
العُقود ظهرَ الشعرُ الحديث أو القصيدة النثريَّةُ ، وتختلفُ الأذواق وتتفاوتُ
المواهبُ والقُدراتُ الشعريةُ بينَ شاعر وآخر ، ولكن في أعتقادي أنَّ الشعر
يتطوَّرُ معَ الزمن ، ولكنْ له قيودٌ مثلَ الجرس الموسيقي والترابط الفكري
والأخيلة والرمزيَّةِ ، ولكن يبقى الشعرُ هو الشعرُ كما قِيلَ : هوَ نَفَسٌ منَ
الرحمنِ ، ولكن الآنَ تختلطُ الأذواقُ ، ويمرُّ الشعر العربي الأصيل بمُعتركٍ ،
فدخلَتْ بعضُ المدارس الشعرية الحديثة ، وصارَ بعضُ المُتلقِّينَ يذوقونَ الشعرَ
الحديثَ ، لسهولة معانيه وكلماته بلغةٍ مفهومةٍ ومُتداولةٍ ، وصارَ الزمنُ
يتحكَّمُ في الأستماعِ للشعر الحديث ، ولا يخفى جمالُ الشعر العربي على أحدٍ ،
ولكنَّ الأزمات تغيِّرُ الظروفَ ، فالقصيدة النثرية الحرَّةُ لا تتقيَّدُ بالقيود
والبحور والأوزان التقليدية ، وتجعلُ الشاعرَ يُحلِّقُ في فضاء واسعٍ دون رقيب ،
تنتشرُ الآنَ الثقافاتُ الغربيةُ من الأغاني والكتابات بكلمات سهلة ، كالشعرُ
الهندي الذي يتميَّز بالعمق والجمال ،وأنا لا أنسِفُ قوة وجماليات الشعر العربي
وأهميتهُ ، وليسَ هناكَ ما يُضاهيه ، ولكنْ لا ننكرُ أنّ الشعر الحديثَ له مدارسُ
ومتذوِّقونَ كُثر.
جدليات ذهنية
مازن جميل المناف/ العراق
: مما لا شك أن مفهوم الحداثة سيما في الشعر، وهذه التحول الذي دعا ألى التجديد
المستمر ، والذي تأثر وشهد أكتمال ضمن وحدة تجعل من القصيدة ذات بناء رصين محكم
يتبع رسم بياني في حركة الأشياء، فالشعر يحقق للقارئ الحذق جدليات ذهنية تكسر
النمطية عبر مخيلة خصبة تحافظ على نسق المفردات والمعنى تختلف عن قراءة نشرة
الاخبار ضمن ولوج يعطي دلالات ترتدي ثوبًا زهريًا والمؤشر بين حالات السكون
والتأمل بشحنة من الأنفعال الذاتي من خلال ذلك يتولد الأيقاع الفكري بعملية فنية
متقنة، وينبغي على الشاعر أن يجد توازن بين ما يطرحه وما يدور في الواقع ، وأن
يتبنى مفهوم تلك العلاقات الروحية في صلب القصائد ضمن التشكيلات والتركيبات
اللغوية والصور الشعرية بنسق أيقاعي واحد يشد القارئ ضمن الفكرة الصحيحة المتاحة
بواقع يعتنق كل المسميات والمعطيات والحيثيات للوجع والفرح والحب والحزن يفرض
التساؤلات التي تجدد البيئة الفكرية بنسق أنيق.
شعوذة لغوية
ميَّادة مهنَّا سليمان /
سورية : علينا أنْ نعلمَ أنَّ هناكَ مَن يكتبُ، ويأتي بالمُدهشِ، والجميلِ،
مُستخدمًا الصُّورةَ البليغةَ، والخيالَ الجميلَ، والانزياحاتِ البديعةَ ، وهنالك
مَنْ يحشدُ جيشًا من الطَّلاسمِ، والألغازِ، ويأتي بخلطاتٍ لغويَّةٍ عجيبةٍ غريبةٍ،
مدَّعيًا أنَّهُ شاعرٌ مِن شعراءِ الحداثةِ، وهو أبعدُ ما يكونُ عن الشِّعرِ
أوَّلًا، وعنِ الحداثةِ ثانيًا ، الشِّعرُ جمالٌ وإحساسٌ وعذوبةٌ، فكيفَ يصلُ
إحساسُكَ إذا أتيتَ بما لا يفهمهُ المتلقِّي؟ وكيفَ يستسيغُ مَن يقرأُ حروفَكَ
العجائبيَّةَ، طالما أنَّهُ لم ينتسبْ إلى عالمِ (الشَّعوذةِ اللغويَّةِ) الَّتي
تروِّجُ لها على أنَّها إبداعٌ لا يفقهُهُ إلَّا المثقَّفونَ ، فرق كبيرٌ بينَ
شاعرٍ سخَّرَ جِنَّ الإبهامِ ليأتوهُ باللا معنى ،
وبينَ شاعرٍ أستعانَ
بملائكةِ الإلهامِ، ليأتوهُ بأجملِ معنى.
الهبوط بالمتلقي
اسماعيل خوشناو/العراق
:أستغرب كثيرًا عندما أرى نصًا يضيع بين صوره قارئه وتموت الحاسة الموسيقية بين
حروف مفرداته ويهبط بالمتلقي بدل أن يحلق به ، مع أنه تحت هتاف مسار الحداثة
والتحرر من قيود قواعد العروض، ألا أنه يبعده عن أهل الأدب كاتبًا وقارئًا تسرعه
وتسابقه لكي يكون أكثر نتاجًا من غيره ،أضافة إلى كتابته للنص لغيره وليس لنفسه،
فيطلب من غيره التلذذ والتذوق من جمالية وموسيقى نصه ويبعد ذاته عن ذلك.
إختلاف المستويات
الثقافية

أحمد مالية/ العراق :
القصيدة النثرية أو الموزونة لكل واحدة أسلوب ونهج، والتحديث الطارئ الذي أخترق
أسس تركيب وبناء القصيدة جعل الأمر مباح لميول الشاعر، ولهذا نجد البعض من الشعراء
يبالغون في أستخدام اللغة الغامضة أكثر من إهتمامه في إيصال وبلوغ المعنى الحقيقي
، أما بخصوص الذائقة فالأمر يختلف من شخص لآخر بأختلاف المستوى الثقافي للقارئ،
فهو الذي يحسم الأمر أن كان يفهمها من القراءة الأولى ،أم يحتاج لإعادة بغض النظر
عن موضوع الغموض.
مقومات القصيدة
ناظم الصرخي/ العراق
:الغموض موجود في الشعر العربي القديم والحديث وهو إحدى ركائز الجمال ، لكن ليس
ذلك الغموض الذي نشاهده الآن لدى بعض الشعراء، الشاعر يكتب بخيال واسع وبلغة غير
اللغة الدارجة ، وصور الخيال تختلف عن صور الواقع بالتأكيد ، فلابد من تشابك
الخيوط والصور أنْ تولّد غموضًا، لكنْ المسألة هناك غموضًا طبيعيًا يأتي عفويًا
وينصب في قالب المعنى الجامع ، وهذا يعبّر عن ظاهرة فنية ترفع من قيمة النص الشعري
على مستوى الفكرة واللغة والشاعرية، وهناك غموض مصطنع متكلف وبطلسمة وزخرفة لفظية
ورموز غير مترابطة ومبالغ فيها مما يؤدي إلى الإبهام والعبثية والهذيان، ويعزوا
النقّاد هذا إلى الضعف في شاعرية وفكر الشاعر وأفتقاره إلى الإلمام بمقومات
القصيدة الأساسية وعدم تمكنه من ضبط الشكل والمضمون فيلجأ إلى الإبهام هاربًا
معمقًا الهوّة بينه وبين القارئ ، إذ لابدّ من ضوء في آخر النفق يستدل به القارئ
عن المعنى المراد وإلا فهو الهذيان بعينه.
تجارب الشعراء
نور أحمد الدليمي/العراق
: برأيي الشخصي الشعر بصورة عامة يجب أن يكون فيه ترابط ما بين الكلمات والألفاظ
العامة بالمعنى الخاص ، ويكون الشكل والمضمون متوازن ما بين المعنى الداخلي
والصور الشعرية في عموم الشعر ، وأن الإيحاء في منظور الشعراء يمثل سمة الترابط
المعنوي والمادي في مشاعر الشاعر التي يترجمها ويمنحها ثراء الألفاظ والمعاني المعبرة،
أو التي تعبر عن الذات الشاعرية وما تخفيه من مشاعر أو معاناة يعطي للقصيدة
أهميتها ومدلولاتها التي توصل المعنى أو تجربة الشاعر الشعرية للمتلقي دون غموض،
لكن قد نلاحظ في بعض الأحيان في قصيدة الشعر الحديث هي ليست بقصيدة بل مجرد كلام
مسترسل غير مترابط وليس له معنى ممن يسمون أنفسهم بشعراء قصيدة النثر، ولذلك
المتلقي يجدها مبهمة تفتقر للتفنن في صياغة المفردة بصور جميلة وبمعنى مكثف وتفتقر
للتوازن في الشكل والمضمون.
الثقافة الشعرية
شريفي شوقي/ الجزائر : في
القديم كان العرب لهم ميزة هي في طريقها ألى الاندثار في زمننا هذا، وهي التمكن
الممتاز من اللغة العربية وتوظيف مصطلحاتها خاصة في الشعر، ولا يحتاجون ألى أي
وسيلة لفهم المصطلحات والأبيات، أما الآن فالقارىء لا يملك زادًا معرفيًا يمكنه من
فهم القصائد بمجرد قراءتها، بل يحتاج لوسائل قد لا يتوفر عليها، وأصبح أغلبية
القراء يبحث عن الأسلوب الواضح السهل كلماته وغير معقد المعاني، ومواضيع تحاكي
واقعه المعاش، المهم ليست الطريقة أو المستوى الذي يقدمه الشاعر، بل المهم أن تصل
الرسالة للقارىء التي يود الشاعر أيصالها.
صورة الفكرة
إبتهال خلف الخياط/
العراق: الشعر موهبة يخوض عبرها معركة لغة تحفر في ما يريد أيصاله ، فالشعر العامي
يدخل مباشرة في الفكرة ولا يكون فيه غموض، أما الشعر الحديث فإنه صورة الفكرة في
اللغة الادأبداعية ليطرحها على الملأ وربما لا يهتم بمن يفهمه ، وهنا تدخل عبارة
“المعنى في قلب الشاعر” لكن برأيي أن القارئ إذا أستساغ القصيدة وأحبها
سيفهم مراميها ولن يحصل ذلك الا إن كُتبت من قلب الشاعر المبدع وليس مجرد كلمات
متراصة.
أستيعاب المقصود
خديجة عثمان برخوخ/
المغرب : نلاحظ لدى كثير من الشعراء والنقاد المغالين في التحديث الأعتماد على
الصور المبهمة والغرق الطوعي في سيريالية حدت بهم إلى لغة التهويم ، فجاءت القصائد
غريبة المبنى والمعنى، مفتقرة إلى شفافية الرمز وجمالية الإيحاء ، ومن ثم يستعصي
على المتلقي أستيعاب المقصودة أما المحدثون الحقيقيون فيرّون أن الشكل ليس سوى
وسيلة لتعميق المضمون وتفعيل محتواه، موازين ما بين عدم الوقوع في المباشرة
المبتذلة والأبتعاد عن الغرابة والتعقيد.
مواجهة النقد الغربي
ثامر الخفاجي/ العراق :
مشكلتنا أننا نأخذ أفكار وفلسفة مدارس الخطاب الأدبي الغربي الوافدة والدخيلة على
مفاهيمنا وتراثنا العربي دون أن نحكم فيه عقولنا ونضع بصمتنا العربية عليها ،
ما نقرأه اليوم من غموض يتلبس القصيدة والذي أطلق عليه مفهوم الحداثة التي لم
نجد لها لغاية الآن تعريفا واضحًا يزيل اللبس عنها ، ويزيد في غموضها الخطاب
النقدي العربي إذ لم نرى فيه ما يشبع فضولنا لهذه الأفرازات الفكرية الغربية
أو على الأقل يعطوننا سببًا مقنعًا واحدًا لأعتناقها كمذهب أدبي يقدم صورة
جميلة ومحسوسة للقاريء العربي ليشعره بها ، فإذا عرفنا الشعر بأنه إحساس لابد أن
يصل لأفقر الناس ثقافة فسنجد أنفسنا اليوم أمام مواجهة لابد أن تحسم نتائجها أمام
المؤيدين للخطاب النقدي الغربي الذي يحاول طمس معالم الخطاب النقدي العربي ، وكأن
لا وجود في تأريخنا وتراثنا الأدبي للجاحظ والجرجاني وأبن قدامة وغيرهم نتيجة هذه
الأفرازات الغربية التي لا نعرف لها لونًا ولا طعمًا ولا رائحة، والتي يتشبث بها
أكثر شعرائنا ونقادنا اليوم ، ولم يعطوا تفسيرًا واحد لها يقنع القاريء العربي
بصواب خضوعهم لمدارس هذه الفلسفة الغربية في الأدب التي صنعت هذه الهوة الكبيرة
بين الشاعر والمتلقي.
أستفزاز القصائد
براء الجميلي/ العراق
:أجمل الشعر  ما كُتبَ بلغة عصره دون
التخلّي عن اللغة الرصينة حتى وإن تقادم عهدها، لأن إنكار الأصل يجعل الشعر طارئا
آيلًا للزوال ، ولاضير أن تستفز القصائد أفهام القرّاء للغوص في أعماقها لا
إيهامها بجعلها طلاسم لايفكّها إلّا كاتبها.
شرعية الكتابة
عصام سامي ناجي/ مصر :
على المبدع أن يستمد شرعية كتاباته من الواقع ، أو بمعنى أدق يعيد أنتاج الواقع
بشكل أكثر خيالاً ، فلا يقدم الواقع كما هو كمن عرف الماء بالماء ، وأيضاً لا يقطع
الحبل السري بين الأبداع والواقع ويقدم جمل غامضة لا يستوعبها المتلقي، وبالتالي
تحدث قطيعة بين ذلك المتلقي والأدب.
استقلالية المعنى
مفيدة الوسلاتي/ تونس:
تحديث شكل القصيدة العربية لابد أن يكون وسيلة لتعميق المضمون وتفعيل محتواه، بحيث
لا يتناقض أو يتعاكس مع المضمون الإنساني ، وأن يكون النص الشعري رسالة من أعماق
روح الشاعر
بفطنته تجد طريقها إلى
روح المتلقي فتدغدغها وتمسها في العمق بحيث لا تكون هجينة المبنى والمعنى، مفتقرة
إلى شفافية الرمز والإيحاء، قاصرة عن تمثلها قضايا العصر وإشكالاته وإرهاصاته ،
بذكاء الكاتب يجب أن تبقى القصيدة داخل إطار المد الإنساني الحضاري الأكيد أنه
ليست هنالك  ثنائية الشكل والمضمون ، بل أن
النص الشعري هو جسد واحد ثري بالإبداع كيانه أكثر ذاتية وأستقلالية بهذا المنطق يبدأ
التحول من القصيدة والأفكار والزخرف والوصف إلى القصيدة الكيان الواحد، القصيدة
الحدس والدلالة والرؤيا والانطلاق إلى سماء الإبداع.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading